تأسست عام 1866 واستمر وجودها حتى الوقت الراهن، حيث تحتفل قريبا بالذكرى الـ150 لتأسيسها.. إنها الجامعة الأميركية في بيروتالتي سلطت حلقة (3/2/2016) من برنامج "تحت المجهر" الضوء على المراحل التي مرت بها، وعلى التفاعلات التي حدثت بداخلها، وعلاقتها بالمخابرات الأميركية ومواقع التأثير العالمية.

من كواليس حلقة "القوى الناعمة" (الجزيرة)

فقد كانت التدخلات الأميركية الأولى في الشرق الأوسط عبر منصرين بروتستانت قصدوا مدينة القدس، لكنهم بعد أن فشلوا في مهمتهم التنصيري انسحبوا إلى جبل لبنان ليسقروا في بيروت، وهناك أسسوا أول أكاديمية للتعليم العالي في المنطقة، وكان اسمها آنذاك "الكلية الإنجيلية السورية"، لتتحول عام 1920 إلى "الجامعة الأميركية ببيروت".   

بدأ التدريس في الجامعة بطاقم من المؤسسين الأوائل من أساتذة ومتخصصين أميركيين يتقنون اللغة العربية إتقانا كاملا، وكانت تدرس مناهج باللغة العربية في كل العلوم، غير أن اللغة العربية تم التخلي عنها لاحقا لصالح اللغة الإنجليزية بحجة عجز العربية على مسايرة التطور المتسارع في مجال العلوم.

ويقول أستاذ الفلسفة السابق في الجامعة الأميركية محمود شريح إن هذه الأخيرة فقدت محتواها بعد تخليها عن التدريس بالعربية، مضيفا "أنت أصبحت مستغربا في حضارتك العربية".

وعرفت الجامعة خلال عقدي الخمسينيات والستينيات وما تلاهما تحركات ومظاهرات ارتبطت بما يحدث في المنطقة، حيث دخل المد القومي العربي أسوارها من خلال طلبة تبنوا هذا الفكر وغيره من الأفكار التي كانت تعج بها الساحة العربية. كما ظهرت الاتجاهات المناوئة للتدخل الأجنبي في المنطقة، وحصلت مواجهات بداخلها بين مناصرين ومناوئين لتلك الأفكار.

 علماء ومفكرون وسياسيون عرب تخرجوا من الجامعة الأميركية (الجزيرة)

كما واكبت الجامعة مختلف الأحداث في المنطقة وتفاعل طلبة الجامعة معها، وخاصة الغضب الذي عم الشارع العربي بسبب دعم السياسة الأميركية لإسرائيل.

ويؤكد شريح أن طلبة الجامعة انتبهوا إلى أن المشكل يكمن في فكرة الجامعة الأميركية وما تنطوي عليه أكاديميا وثقافيا وحتى سياسيا.

كما تخرج من الجامعة الأميركية قادة وسياسيون عرب، خاصة من فلسطين مثل جورج حبش ووديع حداد، لكن سماح إدريس -وهو خريج الجامعة- يرى أن هؤلاء كانوا يقدمون للجامعة وهم من نشروا أفكارهم.

ارتباط
ورغم دورها التعليمي والتربوي، لم تكن الجامعة الأميركية في تلك الفترة بمنأى عن التأثير السياسي للولايات المتحدة، حيث تولى رئاستها عام 1948 رجل أثيرت حوله الكثير من الشبهات، فقد كان له ارتباط بالحكومة الأميركية، وكان أحد عيونها وآذانها في الشرق الأوسط.

ويقول عمر فاضل -وهو طالب سابق وعضو في نادي "العروة الوثقى"- إن أي معارض للسياسة الأميركية بشكل عام أو للعلاقات الأميركية الإسرائيلية كان يعتبر من الشيوعيين. 

وفي عام 1984 تم اغتيال رئيس الجامعة الأميركية مالكوم كير، وذلك بعد تفجيرين طالا مصالح أميركية في لبنان عام 1983. ويقول رئيس الجامعة بيتر دورمان إن استهداف المصالح الأميركية بشكل كبير في ذلك الوقت كان بهدف تهديد الوجود الأميركي في المنطقة.

 واكب طلاب الجامعة الأميركية كل الأحداث والكوارث السياسية التي عصفت بالمنطقة (الجزيرة)

ومنذ تأسيسها عام 1866 زاد عدد خريجي الجامعة بأكثر من 64 ألفا جاؤوا من مئة دولة، وحاليا هناك 120 تخصصا، بينما بلغ عدد الطلاب حاليا في مختلف التخصصات ثمانية آلاف. ومعظم الأساتذة الذين يدرسون بالجامعة هم من اللبنانيين ثم الفلسطينيين والعرب وعدد من الأميركيين الذين يكونون في الغالب بمركز أستاذ زائر.

ورغم الظروف التي مرت عليها وما يثار من تساؤلات حول تأثرها بالسياسة الأميركية، تبقى الجامعة الأميركية مستمرة في أداء مهمتها، ويقول محمود شريح: لو كانت الجامعة الأميركية في بيروت تضر بالمصالح الأميركية لأغلقتها الولايات المتحدة.

 

في المنطقة الأكثر حداثة في لبنان، رأس بيروت، بنيت الجامعة الأميركية في بيروت، أقدم وأعرق صرح جامعي حديث في المنطقة كلها.

في موقعها الإستراتيجي تطل على بحر بيروت ومينائها، وظلت ثابتة في المكان رغم كل ما مرّ على لبنان من معارك وحروب وهزات أمنية وسياسية واقتصادية.

خرّجت الجامعة الأميركية في بيروت الكثير من الأسماء العربية الكبيرة، أولئك الذين انتشروا على امتداد الخارطة العربية ليلعبوا أدوارا رئيسية في السياسة: حكاما وثوارا، أو رؤساء شركات نفط وبنوك ومؤسسات كبرى. كانوا أهم مخرجات هذه الجامعة، وسفراء نظامها التعليمي في المنطقة العربية.

لذا كانت سعادتي بالغة لأخرج هذه الحلقة من برنامج "تحت المجهر" بعنوان "القوى الناعمة"، وأحاول الإجابة عن أسئلة كانت تدور في ذهني: لماذا عكس الأميركيون حركة السير من الشرق إلى الغرب، إلى: من الغرب إلى الشرق، وبدل تقديم منح وبعثات لطلبة عرب إلى أميركا لتلقي تعليمهم هناك، تمَّ جلب التعليم الأميركي نفسه إلى بيروت في القرن التاسع عشر؟

ولماذا اختاروا هذه البلدة الصغيرة المغمورة (بيروت آنذاك) ليقيموا فيها الكليّة السورية الإنجيلية (التي تغير اسمها لاحقا إلى الجامعة الأميركية في بيروت)؟ ماذا كانت غاياتهم؟ ولماذا بدؤوا التدريس باللغة العربية ثم تحولوا إلى الإنجليزية؟ ولماذا اختاروا إنشاء مؤسسة تعليمية للدخول إلى المنطقة، في الوقت الذي كانت باقي الدول الكبرى تسعى للحصول على موطئ قدم بالاحتلال أو الانتداب في المنطقة؟

وأي دور لعبته الجامعة ﻻحقا وعلى امتداد العقود، خارج الإطار الأكاديمي البحت؟ وهل كانت هذه الجامعة قوة ناعمة فعلا في المنطقة؟ ومن كان المستفيد الأكبر من وجود الجامعة الأميركية، العرب أم أميركا؟

انطلاقا من هذه التساؤﻻت، تبلورت فكرة إعداد فيلم عن الجامعة الأميركية في بيروت. انطلقت مرحلة البحث من مجموعة من الفرضيات، بدأت بالبحث في تفاصيل وﻻدة الجامعة وسيرورتها وتطورها. كان عملا شاقا وممتعا في آن، استكشفنا مسيرة نحو 150 عاما من عمر الجامعة، ومن عمر لبنان، ومن عمر المنطقة العربية في آن واحد. 

سبرنا أغوار الأرشيف النادر الذي تمتلكه الجامعة، والذي تمكنت كاميرا الجزيرة لأول مرة من تصويره بشكل استثنائي، فيه يرقد جزء من تاريخنا ومن ذاكرتنا الجماعية. وقد كانت هذه أكثر المراحل متعة في هذا العمل، ففي محفوظات الجامعة آﻻف الصور التي تؤرخ لمؤسسيها من الآباء البروتستانتيين، إلى دفعات الخريجين الأوائل، ومراحل بناء هذا الصرح الأكاديمي وتطوره، وصور طلاب شكلوا علامات فارقة في الفكر والاقتصاد العربي، هذا إضافة إلى صور أرشيفية أخرى نادرة وجميلة. 

وبسبب ندرة المؤلفات حول الجامعة الأميركية، اضطررنا إلى جمع المعلومات من مصادر كثيرة ومبعثرة من خريجين وأساتذة جامعيين، تطلب التوليف بينها حوالي عشرة شهور.

توثيق
قبل البدء بالتصوير كانت عملية البحث عن الضيوف عملية دقيقة جدا ومعمقة، كان الهاجس بالنسبة لفريق حلقة "تحت المجهر-القوى الناعمة" يتمحور حول ضرورة توثيق سيرة الجامعة بشكل صحيح ومعمق ومتوازن دون الوقوع في التكرار، وكان علينا أن نلتقي شخصيات كانت فاعلة في محطات مختلفة من حياة الجامعة، بعضهم تمكنّا من إقناعه بالتحدث أمام الكاميرا لأول مرة.

فيلم الجامعة الأميركية في بيروت محاولة لتوثيق سيرة صرح أكاديمي كان ذراعا أميركية نوعية في المنطقة، تقاطعت فيه العناوين التربوية والتعليمية والبحثية، كما تقاطعت عنده محاور وأسئلة اقتصادية وسياسية محلية وإقليمية ودولية، وقد كان سؤاله الرئيسي مبنيا على المفهوم والدور الذي يمكن أن يمارسه النظام التعليمي في بيئة ما غير بيئته.

إنه فيلم ﻻ يقتصر على سرد المعلومات، بل يذهب أعمق في محاولة لتفسير تلك المعلومات، لفهم موقع الجامعة، ويكشف مستويات متعددة من أحداث بعضها معروف وبعضها الآخر طوته الذاكرة. لكنه أيضا فيلم عن أساتذة وطلاب عرب في الجامعة، وعن الدور المركزي الذي لعبوه في صناعة صورة جامعتهم، وفي صناعة جزء من تاريخ وصورة المنطقة العربية.. بل تخطوا هذه الحدود في كثير من الأحيان.

المخرج جاد أبي خليل