يثير موضوع الأحباس أو الأوقاف في تونس جدلا مستمرا وعملية شد وجذب بين من يرون أن الوقف ركن أساسي لبناء المجتمع اقتصاديا واجتماعيا، وبين من يعتبرون أن هذا النظام لم يعد له مكان في الدولة المدنية.

والأحباس هي الأوقاف أو الصدقات الجارية إلى يوم القيامة التي لا تباع ولا تشترى، وتقسم إلى قسمين: أحباس خاصة وتخص من يحبس أملاكه ومشاريعه لأبنائه وأحفاده، وأحباس عامة أو مشتركة تعود منفعتها على العامة. ويقول المؤرخ والأستاذ الجامعي الدكتور الشيباني بن بلغيث إنها أكثر خدمات واتساعا بالنسبة للمسلمين.

أستاذ التعليم العالي في القانون الخاص الدكتور أحمد بن طالب، أشار إلى ما يسمى بأوقاف الزوايا، وهي دور عبادة كانت تقام للأولياء الصالحين، ويخصص جانب للمصلحة العامة، وكان هذا النوع شائعا في تونس.

فمسجد صاحب الطابع في تونس العاصمة مثلا هو من الأوقاف العامة، حيث أوقفه مؤسسه لعامة المسلمين ليجدوا راحتهم فيه. وكما يقول إمام المسجد الدكتور حسن المناعي فهذا الوقف تحيط به على سبيل المثال مدرستان للتعليم وسكن للطلبة وحمام له قصة عجيبة.

وبحسب عمر السيفاوي من المنتدى القضائي للقانون والعدالة والأمن، هناك أيضا مستشفى عزيزة عثمان في العاصمة تونس، نسبة إلى أميرة من أصل تركي حبست أراضي وأملاكا عديدة تنفق على المستشفى.

وبعدما كانت جمعية الأوقاف في تونس بحوزتها فوائض مالية، جاء الاستعمار الفرنسي واستولى على أجود الأراضي، وحاول إفشال نظام الأوقاف من خلال استحداث قوانين ساعدته على نهب المؤسسة الحبوسية.

ويكشف كمال بوحوّال من ولاية باجة أن الاستعمار استولى عن طريق عقيد في الجيش على أراضي خصبة تعود لجده.

بورقيبة والأوقاف
بعد استقلال تونس ومجيء الرئيس (الراحل) الحبيب بورقيبة الذي كان يريد إقامة دولة "عصرية"، قام بإلغاء نظام الأوقاف العامة عام 1956، وعام 1957 ألغى الأوقاف الخاصة والمشتركة. ويؤكد المحلل الاقتصادي الدكتور معز الجودي أن بورقيبة قام بهذه الخطوة لأنه كان ضد كل ما له خلفية دينية.

بينما يرجع المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي سبب قرار بورقيبة إلى الخلاف الكبير الذي كان بينه وبين والزعيم (الراحل) صالح بن يوسف الذي كان مدعوما من الزيتونيين (نسبة إلى جامع الزيتونة).

زاوية سيدي أحمد بن عروس وسط المدينة العتيقة في تونس العاصمة (الجزيرة)

لكن تصفية الوقف في عهد بورقيبة لم تتم إدارتها بالمهنية والكفاءة المطلوبة، مما جعل قضاياه تمتد في الزمان حتى الوقت الحالي دون حلول فعلية أو رؤية شاملة للحل تراعي حقوق الورثة وتضمن استغلالا أمثل لهذه الثروة المادية التي تميزت بها تونس وكثير من الدول الإسلامية على مرّ التاريخ.

وبعد الثورة التونسية، ارتفعت الأصوات المطالبة بإعادة نظام الأوقاف بسبب هدفه الاقتصادي، ولكن بشرط -كما يقول الجورشي- أن يكون ذلك ضمن رؤية حديثة ومضمون اقتصادي واجتماعي عادل.

ويؤكد بعض ضيوف حلقة "تحت المجهر" أن الجامعات الأميركية وراءها منظمات خيرية تمول الأبحاث وغيرها، وهناك أوقاف في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، لكنها لا تستغل سياسيا أو دينيا.

ولا يزال ورثة أوقاف يصارعون في سبيل إثبات حقوقهم واستعادة أملاكهم، في مواجهة تراكمات إدارية معقدة وغياب رؤية سياسية مهتمة بحل هذا الملف جذريا.

يقولون في المأثور: "نصف تونس وقف"، من هنا بدأت الحكاية. لفت انتباهي مع بداية العمل على حلقة "أمانة الأحباس" من برنامج "تحت المجهر"، مقدار وتنوع الأحباس أو الأوقاف الإسلامية في تونس والتي عرفت هناك منذ  الفتح الإسلامي، حيث أقبل التونسيون على وقف ممتلكاتهم للمنفعة العامة، أي الأوقاف العامة، لطلبة العلم المتوافدين وقتها على تونس أو للمستشفيات وللمساجد.

كما أوقفوا ممتلكات أخرى لأحفادهم وذرياتهم -أي الأوقاف الخاصة- لتستفيد منها عائلة الواقف. هذا التوجه لاعتماد الوقف منهاجا أدى إلى زيادة مساحة الأوقاف على التراب التونسي.

اعتقدت في الأيام الأولى من البحث أن حال الوقف في تونس مثله مثل الوقف في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي، لكن التعمق في البحث كشف لي أن الوقف في تونس قصة سياسية بامتياز. فقد قرر الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة إلغاء العمل بنظام الوقف، ومصادرة الأوقاف العامة وتصفية الخاصة منها بالتزامن مع استقلال البلاد عام 1956. 

واكتشفت مع البحث الميداني أن معظم الأحفاد لم يحصلوا على حقوقهم من وقف أجدادهم لأسباب مختلفة.

هذه الحلقة، والتي وفقنا بها بحمد الله، تكشف للمشاهد العربي استغلال الاستعمار الفرنسي للأوقاف ومصادرة الأموال الطائلة التي كانت تدرّها في تلك الفترة بحجة سداد الدين الخارجي التونسي، ومن ثم الفساد الذي لف عملية التحبيس، مثل التحبيس على الذكور دون الإناث للتحايل على الميراث، والإهمال الذي تعرضت له الكثير من مؤسسات الوقف وتحولها إلى أماكن مهجورة دون عناية.

كما أولينا اهتماما خاصا للظروف السياسية التي طبعت الصراع على السلطة بين الرئيس الحبيب بورقية وصالح بن يوسف الذي كان جامع الزيتونة يدعمه قبل أن يضطر لمغادرة تونس.

على مدار أشهر طويلة من العمل على هذا المشروع واجهتنا الكثير من الصعوبات، لعل أهمها كان العثور على شخصيات من أولئك الذين خسروا أملاكهم في عملية التصفية، حيث إن كثيرا منها تعرض للاحتيال أو الاستيلاء لدرجة أن بعض القضايا المتعلقة بها لا تزال معلّقة في المحاكم منذ ستين عاما، خاصة في ظل خشية البعض منهم من الحديث إلى الكاميرا.

ما نأمله بعد إنجاز هذا الفيلم -الذي قد يكون الأول الذي تناول موضوع الأحباس وتعقيداته في تونس، وهو ما يحسب لشبكة الجزيرة وبرنامج "تحت المجهر"- أن يفتح بابا للنقاش حول الأوقاف وأهميتها لرفد وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، بدل أن يكون التعصب وراء رأي دون رأي حكما بيننا، كما يقول أستاذ علم الاجتماع الدكتور عادل بالكحلة إذ ينتقد التصلب في الرأي في موضوع الأحباس ويقول: "في تونس دائما تجد هناك مواقف إما أيدولوجية متعلمنة ورافضة مئة بالمئة، أو مواقف دينية تمجيدية لا تعترف بالنقد الذاتي".

عايد نبعة