"لا تحرموني من العيش.. العبوا في كل شيء لكن ليس في العيش".. هذه صرخة مواطن مصري يعاني -وغيره كثيرون- من أجل الحصول على رغيف الخبز الذي هو شريان الحياة لدى الفقير، كما أوضح أحد المصريين لحلقة (20/1/2016) من برنامج "تحت المجهر".

فالخبز أو "العيش" -كما يسميه المصريون- لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للمواطن البسيط من أمثال عمر عيد وأحمد عبد الله وعوض منصور وغيرهم، ولكن الحكومات المصرية المتعاقبة جعلت الحصول على هذا "العيش" أمرا صعب المنال، بعد أن أصبح الفلاح -في ظل غياب الدعم الحكومي- لا يستفيد من أرضه، والقمح يستورد بكميات كبيرة من الخارج.

وبسبب "العيش"، انتفض المصريون في يناير/كانون الثاني 1977، ولأجله رفعوا شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" خلال ثورة 25 يناير، ومع ذلك فها هم اليوم يشتكون من أن رغيف الخبز غير متوفر، كما يقول العامل عمر عيد الذي يرى أن لا شيء تغير بالنسبة للإنسان المصري الفقير.

بينما يريد الفلاح أحمد عبد الله أن يعيش هو وأولاده وعائلته عيشة كاملة، أي أن يتوفر لهم العيش وغيره من ضروريات الحياة، وهي الضروريات التي يرى الصحفي في مجال الاقتصاد حسام زيدان أن كل ثورات العالم قامت بسببها.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة نادر الفرجاني إن الحكومات المتسلطة تجعل الناس ينشغلون بلقمة العيش حتى تصرف أنظارهم عن الأمور الأخرى.

اكتفاء ذاتي
ويشتكي الفلاحون من غياب الدعم الحكومي لهم، وهو حال عبد الله الذي يمتلك أرضاً زراعية تعتبر ثروة مقدرة بنصف مليون جنيه مصري، غير أن ما يزرعه فيها من قمح لا يمكن أن يوفر له أكثر من استهلاكه الذاتي وأسرته، بسبب تدني الأسعار التي تشتري بها الأفران القمح. ولو عوض القمح بأي نوع آخر من الغلال لجنى منها أرباحا أكثر.

ومن المحزن أن يضطر الفلاح -في غياب الدعم الحكومي، وغياب خطط فعالة للدولة في تحقيق الاكتفاء الذاتي- إلى أن ينحرف عن زراعة الآباء والأجداد إلى منتجات جديدة يغطي بها تكاليفه اليومية.

ويشهد ضيوف حلقة "تحت المجهر" أنه في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان هناك اهتمام بتوفير الحاجات الغذائية للناس، واهتمام بطبقة الفقراء، لكن عصر سلفه الراحل أنور السادات فتح الباب على مصراعيه لتلقي المعونات الأميركية، وكان على رأسها القمح. وبهذا دشن عصر التبعية لأميركا وسياساتها في المنطقة، وكان القمح إحدى وسائل الضغط الرئيسة.

أما في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، فقد بلغت الأزمة القمة، مع العلم أن مصر سجلت عام 2014 كأعلى بلد مستورد للقمح.

ويشير آخرون إلى أن عهد الرئيس المعزول محمد مرسي اتخذت فيه خطوات عملية في مجال الزراعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وزاد إنتاج القمح بنسبة تزيد على 30% عن العام الذي سبقه، كما أن هذا الرئيس تبنى منظومة الخبز، لكنه لم يستطع تنفيذها بسبب الفساد.

وتحدث بعض الضيوف عن الناس الذين استفادوا من الأزمة الغذائية في مصر، وكيف أن ثمانية تجار احتكروا سوق استيراد القمح.

ويوضح الفرجاني كيف أن الحكومات الفاشلة والضعيفة كانت دائماً تشكو من عدم وجود نسبة وتناسب بين عدد سكان مصر -الذي لا يتجاوز مئة مليون نسمة- وبين موارد البلد، وبالتالي استحالة تحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية.

ويعطي مثالا بدولة الصين التي يزيد تعداد سكانها على مليار ونصف المليار، والتي تمكنت من تحقيق الاكتفاء الذاتي عام 1997 ليس فقط من الأرز -الذي هو مصدر الغذاء الأساسي فيها- ولكن أيضا من اللحوم ومن القمح.

والحال نفسها بالنسبة للبرازيل التي اهتمت بالقطاع الزراعي ونجحت في إنقاذ اقتصادها بعد أن كانت دولة على حافة الانهيار والإفلاس.

"لقمة عيش" حلقة لبرنامج "تحت المجهر" تناقش قضية الخبز في مصر كمكوّن رئيس لغذاء المصريين، يعرض العمل لهذه المكانة ويؤصلها تاريخيا، ثم ينتقل للحديث عن كيفية تعامل الدولة المصرية مع هذه القضية في العصر الحديث، بداية من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي اهتم بتوفير الخبز، مرورا بعصر أنور السادات الذي معه بدأت أزمة حقيقية.

ثم وصولا إلى الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي تفجرت في عهده أزمة الغذاء والخبز بشكل خاص وأصبحت تشكل خطرا على أمن النظام واستقراره.

في البداية واجهتنا إشكالية صعوبة إنجاز فيلم عن قضية اقتصادية بحتة ووضعها تحت المجهر، وأهمية عرض القصة في قالب فني جميل. حيث كان التحدي في القدرة على المزج بين المسارين الفني والمعلوماتي الاقتصادي الاجتماعي.

حاولنا حل هذا الإشكال عبر استضافة مزارعين، وأصحاب مخابز ومواطنين عاديين، قد يمثل غياب الخبز عن موائدهم الجوع الحقيقي. هؤلاء هم من يملكون الجزء الآخر من القصة والتي تخص جيوب الشعب في حين تغيب الجزء الأول وتتحكم في مساراته دهاليز السياسة، وصراعات الهيمنة الاقتصادية.

وقد فرض هذا الخيار بدوره تحدياً جديداً تمثل في العثور على حالات تقبل أن تروي تجربتها، وتنقل قصتها عبر الكاميرا.

وكان أن وفقنا في الحصول على ضيوف مميزين أثروا النقاش، وعمقوا الحالات. 

فترة التصوير في الصعيد كانت من أمتع فترات العمل لفريقنا حيث إننا تابعنا الفلاحين وهم يقوموا بحصاد محصول القمح واستطعنا تصوير لقطات جمالية للفلاحين وسنابل القمح ولقطات للغروب أعتقد أنها أضافت للعمل كثيراً من روح المكان وجماليته في بيئة الفلاحين.

ومن وراء الحديث عن الخبز عمّقنا تناول قضية القمح والاكتفاء الذاتي منه باعتباره المكون الأساسي للغذاء المصري، وحاولنا أن نغوص بتدقيق أكبر لنناقش لماذا عجزت مصر والبلاد العربية عن تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتأثير هذا العجز ليس فقط في قدرة مصر عن الاستقلال اقتصادياً وإنما أيضاً ارتهان القرار السياسي الداخلي للخارج بسبب تزايد الاعتماد على الاستيراد.

حاولنا الإجابة عن فشل الحكومات المتلاحقة منذ مصر الملكية إلى اليوم في حل معضلة الخبز، ومعرفة ما تأثير ثورة 25 يناير 2011 في علاج أزمة الخبز في مصر، خاصة وأن "العيش" كان على رأس شعارات الثورات المصرية الثلاث. ولماذا تم إجهاض خطة حكومة الرئيس المعزول محمد مرسي من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؟ وهل نجح النظام الحالي في علاج مشكلة الخبز أم أن الأمر لا يتخطى استخدام المسكنات لعلاج الأزمة مؤقتا كما كان يفعل نظام مبارك؟

والسؤال الأكبر ماهي المقاربات التي اعتمدتها الدولة المصرية لحل هذه المعضلة الاقتصادية، ومحاصرة تفاقمها وارتدادات هذا التفاقم اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.

وهل تصدق مقولة أنه "لا حرية لجائع"، حيث أن حقوق الإنسان الأساسية لا يمكن أن تستكمل إلا بأن يطعم من جوع ثم يؤمن من خوف، عندها يستطيع أن يشعر باكتمال مواطنته وقدرته على أخذ زمام أمره.

"لقمة عيش" أفتخر به عملا مميزا في مسيرتي الإخراجية حيث إنه يناقش قضية حيوية لكل المواطنين، وهي العيش بالإضافة إلي أبعاده السياسية والاجتماعية.

المخرج: معتز قنديل