رغم أن سويسرا تعرف بديمقراطيتها المباشرة التي تسمح للمواطن في مختلف المقاطعات الـ26 بالمشاركة في إدارة شؤونه، فإن المفارقة في هذا البلد هي أن السلاح ينتشر بكثرة في أوساط الناس، حتى إن سويسرا تصنف ثالث دولة في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية واليمن من حيث عدد الأسلحة المتداولة بها.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن ما بين مليوني وثلاثة ملايين قطعة سلاح يتم تداولها في سويسرا.

وحسب روبيرتو فيليو -وهو صاحب شركة أعمال صحية- فإن حمل السلاح هو تقليد وثقافة سويسرية. ويقول هذا الرجل -الذي يمارس هو وأولاده رياضة الرماية- إن المواطن السويسري يعرف كيف يستخدم السلاح ومتى يستعمله، وإن الدولة تمنح الثقة للمواطن عندما تسمح له بالاحتفاظ بالسلاح في بيته.  

ولا يرى فيليو -في حديثه لحلقة (30/9/2015) من برنامج "تحت المجهر"- أي خطورة في الاحتفاظ بالسلاح في المنزل طالما أنه في مأمن.

بينما يفتخر وزير الدفاع السويسري المستشار أولي مورو -في حديثه لحشد من الناس- بأن بلاده تنفرد بكون الوزير فيها يتحدث إلى مواطنين مدججين ببنادق وذخيرة، واعتبر ذلك عنصر تميز يجب الحفاظ عليه.

تمتلك ليتيسيا جيزر -وهي سكرتيرة نقابة أصحاب شركات الدهانات- سلاحي حرب تستخدمهما في رياضة الرماية، إضافة إلى ثلاثين سلاحا أثريا تحتفظ بها كهواية. وتعتبر ليتيسيا أن السلاح لا يشكل خطورة في حال امتلك الشخص مهارة استخدامه.    

ويقول العقيد ماركو نيتسر -الرئيس التنفيذي لبنك كرامر عضو المجلس الأعلى للجيش- إن السويسريين يسمون حيادهم بالحياد المسلح، وهم مؤمنون وفقا للدستور بأنهم يتمكنون من تحقيق هذا الحياد إذا حافظوا على سيادتهم.

ويرى سويسريون تحدثوا لحلقة "تحت المجهر" أن من حقهم الاحتفاظ بالأسلحة لأنهم يستخدمونها بعقولهم، وبأنها عنصر ثقافي لا تستخدم ضد الآخرين.

ومنذ الحرب العالمية الثانية احتفظ المواطن الجندي السويسري بسلاحه وذخيرته في منزله ليكون جاهزا حال استدعي للدفاع عن وطنه، وبقي السلاح في داخل المنزل أمرا عاديا، حتى العام 2001 حينما هاجم مواطن بسلاحه العسكري برلمان إحدى المقاطعات وقتل 14 شخصا، حينها بدأت تطبق آلية إيداع الذخيرة في الثكنة العسكرية، بينما ترك للمواطن الجندي الاختيار بين الاحتفاظ بسلاحه وذخيرته في منزله أو إيداعه في الثكنة.   

ويذكر أنه منذ الحرب العالمية الثانية اعتمدت سويسرا -التي اختارت وقتها الحياد والسلام- نظام جيش المواطنين "نظام المواطن الجندي" بديلا عن الجيش النظامي، حيث كل الذكور الأصحاء مجبرون على الخدمة العسكرية بين سن 18 و34 ويظلون مدنيين يمارسون أعمالهم، ولكنهم ملزمون في حال استدعائهم بالتوجه إلى كتائبهم، التي تكون الجيش السويسري.

حملة مضادة
على الجهة الأخرى، تتحرك "مجموعة سويسرا دون جيش" في اتجاه إلغاء الجيش وتحسين ظروف الجنود، وتقول الناشطة في المجموعة أماندا جافيلانس إنهم قاموا بعدة حملات لتحقيق هذا الهدف، وإنهم يناضلون ضد تصدير الأسلحة.

وفي أواخر الثمانينيات طرحت مبادرات شعبية في سويسرا لتعديل الدستور والقانون المتعلقين بنظام التجنيد الإجباري وحرية اقتناء الأسلحة، ورفض أغلبية المصوتين على مبادرة إلغاء الجيش عام 1989، كما رفضوا مبادرات تخفيض الإنفاق العسكري عام 2000، وإلغاء التجنيد الإجباري عام 2013. 

وحسب عضو البرلمان السويسري المستشار كريستيان فان سينجر لم يعد للأسلحة دور، واستخدامها في الانتحار جعل الكثيرين يطالبون بعدم الاحتفاظ بالأسلحة في البيوت.

وتشير بيانات مركز الإحصائيات الفدرالي السويسري للعام 2012 إلى أن 20% من حالات الانتحار استخدم فيها سلاح غير مرخص. 

ماذا يعرف المشاهد العربي عن سويسرا؟ بلد البنوك والشوكولاتة والأمم المتحدة. لا يعرف كثير من الناس أن سويسرا تعيش في أمن وأمان دون جيش يحمي الحدود. وفي الوقت نفسه تتوفر على نمط فريد من الديمقراطية تسمى الديمقراطية المباشرة، إذ يعيش على أرض سويسرا مواطنون من 26 مقاطعة، متعددو الثقافات واللغات والأعراق.

لكن كيف تحافظ على استقرارها وتوازنها وأمنها رغم هذا التباين والاختلاف والفرادة في شكل الحكم؟ هذا ما كان جوهر ما حاولت الإجابة عليه في حلقة "تحت المجهر"، "سويسرا.. الشعب المسلح".

تربطني علاقة قوية بسويسرا ولدي أصدقاء كثيرون هناك، ولذلك اهتممت بتعميق معرفتي بالديمقراطية المباشرة، وكان النظام السويسري مهما جدا في مسار المعرفة هذا.

خلال صنع الفيلم أدهشني سلاسة تعامل المواطنين السويسريين مع الأسلحة بالرغم من عدم اقتناعي بوجهة نظر الداعمين الراديكاليين لمبدأ الشعب المسلح، والتي تقول إن الإنسان الحر هو من يمتلك سلاحا.

لهذا حاولنا أن نربط بين موضوعي السلاح والديمقراطية، فجاءت النتيجة مثيرة وأكثر الآراء عمقا كان تحليل د. ساندرو كاتاشين أستاذ علم الاجتماع في جامعة جنيف، الذي نبه إلى عيوب نظام الاستفتاءات الديمقراطي عندما لا يحميه كيان  دستوري قوي، كما حدث عندما استغلت مخاوف المواطنين فوافقت الأغلبية على قوانين تحد من الحريات الدينية وحرية تنقل المهاجرين.

لقائي بعائلة فيليو الذين يظهرون في الفيلم كان مهما جدا للوصول إلى توازن بين أفكاري الحائرة، فقد جعلني أدرك كيف يمكن للإنسانية أن تتخطى التعلق بتراث ثقافي إقليمي، واكتشفت قدرة المواطن السويسري على الجمع بين لطف غير متوقع وحب لهواية رماية الرصاص، وامتلاك الأسلحة الفتاكة.

أتمنى أن يقدم هذا الفيلم للمشاهد العربي أفكارا تساعده على تعميق نظرته تجاه الاستخدام السليم للسلاح، خاصة في وقت تنتشر فيه الأسلحة دون حساب في أكثر من دولة عربية وبطريقة غير نظامية، مما يشكل تهديدا دائما لمفهوم الديمقراطية.

مانولو لوبيكيني