"باتت غريزة عند الناس يسمونها إكرامية، شاي.."، هكذا علق أحد المصريين على ظاهرة الرشوة التي انتشرت في المجتمع المصري وفي بقية المجتمعات العربية، وهي الظاهرة التي سلطت عليها الضوء حلقة (23/9/2015) من برنامج "تحت المجهر".

ويرجع الخبير الاقتصادي الدكتور صلاح جودة بداية ظاهرة الرشوة والفساد في المجتمع المصري إلى عهد الرئيس الراحل أنور السادات، لتتوسع وتصبح "عمارة كبيرة" في عهد خلفه الرئيس المخلوع حسني مبارك .

ويربط من جهته عضو مجلس الشعب المصري سابقا البدري فرغلي الظاهرة بالانفتاح الاقتصادي الذي حصل في مصر عام 1973، ويقول إن طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية هي التي تؤدي إلى انتشار الرشوة والفساد أو عدم انتشارهما.

وبينما يبرر أحد الموظفين أخذه الرشوة بحجة أن مرتبه الشهري لا يكفيه، يتساءل الفلاح محمد معوض عن سبب لجوء من يتقاضون مرتبات خيالية للرشوة والفساد. 

وبحسب رئيسة لجنة الشفافية والنزاهة بمجلس الوزراء غادة موسى، فإن دراسة للجنة أظهرت أن 89% من المصريين أقروا بوجود رشوة منتشرة بوجه خاص في المؤسسات الحكومية.

منال السيد حسن رفضت تقاضي الرشوة (الجزيرة)

وتعد منال السيد حسن -وهي مهندسة ومديرة إدارات هندسية- نموذجا حيا للمواطن المصري الرافض للرشوة، رغم حاجته إلى المال، فهذه المرأة -التي تداولت قصتها بإسهاب الصحف المصرية- عرض عليها صاحب عقار رشوة تقارب مليوني جنيه، نظير التوقيع على أحد عقاراته الذي أوشك على السقوط لتحويله إلى عمارة جديدة، فرفضت الصفقة وتعاونت مع الأجهزة الأمنية وأوقعت بالراشي.

وتقول منال السيد إن انتشار ظاهرة الرشوة والفساد جعلت الموظف المرتشي يتقاسم مع العميل استثماراته والعوائد التي يجنيها.

وبدوره يحاول الطبيب وائل المندوه جاهدا الانتهاء من أعمال بناء مستشفى خاص، ويواجه مشروعه عراقيل تحول دون إتمام ورش البناء، والسبب رفضه دفع رشى للمعنيين الذين يحصلون في المقابل على أموال من منافسين له نظير تأخير وتعقيد إجراءات العمل في المستشفى.

لا تغيير
 ورغم أن ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 في مصر رفعت شعارات تدعو إلى توفير الخبز والعدالة الاجتماعية والحرية، فإن الواقع لم يتغير بعد الثورة -كما يؤكد الخبير الاقتصادي صلاح جودة- حيث بقيت التشريعات الفاسدة التي عمقت الرشوة والفساد على حالها.

ويقول عضو مجلس الشعب سابقا البدري فرغلي إن الفساد في مصر طال حتى السياسة، وكان قد كتب مقالا أثار الكثير من الجدل جاء فيه: إن "مصر دون فساد تنهار"،  ليرد الخبير الاقتصادي بالقول إن زواج المال والسياسة يؤدي إلى ولادة طفل اسمه الفساد، "فما بالك عندما يتزوج المال بالسلطة التشريعية التي تعمل القرارات والقوانين".

ومع انتشار ظاهرة الرشوة في المجتمع المصري، باتت هناك مكاتب تتولى قضاء حاجات الناس مثل المستندات الحكومية، وهي المكاتب التي تقول منال السيد إنها لم تسمع بها وتستغرب من كونها معتمدة من الحكومة.

ويناشد مواطنون مصريون تحدثوا لحلقة "تحت المجهر"، حكومة بلادهم بأن تسارع في إيجاد حل لظاهرة الرشوة والفساد التي وصفها فرغلي بأنها أخطر قضايا هذا الزمان.

لا يوجد مصري أو عربي أو من عاش في أي من الدول النامية لم يتعرض، بشكل أو بآخر، إلى ما يعرف بالـ "الرشوة".. فهو إما "راشٍ" أو "مرتشٍ" أو "رائش".. ربما يكون هناك خطأ في التعميم، لكن الظاهرة تغوَّلت، وأصبح تعايش الناس معها أمرا طبيعيا ،  ورفضها شذوذا.

لسنوات ظل موضوع الرشوة يؤرقني، إلى أن قابلت فريق عمل يشاركني السؤال ذاته، وقرر برنامج "تحت الجهر" في شبكة الجزيرة إنتاج حلقة عن هذا الأمر، وقررنا سويا صناعة عمل يجيب على أسئلة لعل أهمها: لماذا انتشرت الرشوة في حياتنا؟ وكيف تم ذلك؟ هل نحن وحدنا مَن نعاني؟ وهل من سبيل إلى تغيير الواقع؟

من واقع هذه الأسئلة انطلق بحثنا في خصوصيات ظاهرة الرشوة في مصر. قلَّبنا سجلات الماضي فاكتشفنا أن الأمر ليس جديدا.  لقد  كانت هناك رشوة  في الماضي كما في الحاضر، لكن الفارق كان في النظرة التي كانت ترى في الرشوة عملًا استثنائيًّا يتم في الخفاء، بينما أصبح اليوم منهجَ حياةٍ. فكان أن تعقبنا الزمن لرصد مظاهر هذا التحوُّل، وكيف الدولة بأنظمتها المتعاقبة لعبت دورًا محفزا عليه.

بعد تفكير، اخترت مع فريق العمل الطريق الأصعب، فقررنا تفادي الحديث عن الرشوة من مقعد الراوي المـُنظِّر، بل حددنا أضلاع الظاهرة، وانطلقنا نحاور ونعايش كل طرف من أطرافها. بدأنا من حيث نقطة النهاية: مع المواطن بكافة فئاته، السائق والتاجر و(النوباتشي) ورب الأسرة والفلاح، وكلها نماذج تعايش الرشوة يوميًّا.

جالت بنا الكاميرا داخل محيط هؤلاء الناس ورصدت تفاصيل حياتهم اليومية بشكل  يسمح ببيان حجم الظاهرة على أرض الواقع. ومن ثم انتقلنا إلى مستوى الضلع الثاني في الظاهرة ممثلا في الموظف الذي يجسد في أغلب الأحوال الطرف المرتشي. استغرق بحثنا وقتا طويلا قبل الوصول إلى نموذجين: أحدهما رافض للرشوة، والآخر مُتقبِّل لها باعتبارها نشاطًا اقتصاديًّا مطلوبًا ومشروعًا. بعدها بلغنا قمة الهرم في الدولة بقوانينها العتيقة التي تسببت في نشأة الظاهرة وتعميقها، وحاورنا بعض مسئوليها لاستطلاع وجهة نظرهم حيال الموضوع.

 حرصنا منذ البدء أن يبتعد العمل عن التعقيدات الاقتصادية والقانونية، وعملنا على خلق حالة من المجابهة بين كافة الأطراف حيث واجهنا كل طرف بآراء الأطراف الأخرى. والهدف تكوين إجابات واضحة على أسئلة من قبيل:  كيف ينظر المواطن إلى الموظف؟ وكيف ينظر كلاهما إلى الدولة؟ وكيف تتعامل الدولة من خلال تشريعاتها قوانينها مع الاثنين؟.

 ان التحدي الحقيقي هو إقناع كل طرف بالحديث دون حرج أو خوف خاصة شخصية (الموظف المرتشي)،  وكان فريق العمل يتبنى دومًا وجهة النظر المضادَّة للضيف لدفعه إلى البحث عن محاولة الإقناع والدفاع عن النفس. واجهتنا أيضا صعوبات تنفيذية على أرض الواقع هددت سلامة طاقم العمل أحيانًا، فأثناء تصويرنا مقابلة مع أحد الضيوف بإحدى المناطق الشعبية، انتابت حالة من الغضب والخوف السكان عندما سمعوا كلمة "رشوة" خلال التسجيل  وكادوا أن يفتكوا بفريق العمل.

بعد حوار مطوَّل اعترفوا بوجود المشكلة لكنهم يرفضون مناقشتها، كما يرفضون استخدام مصطلح "الرشوة" مفضلين استخدام ألفاظ أخرى بديلة مثل: "الشاي" أو "الإكرامية" أو "الدرج المفتوح".