لعب الإعلام دورا كبيرا في إقصاء أقلية التوتسي في رواندا إبان حرب الإبادة التي تعرضت لها أقلية التوتسي واستمرت ثلاثة أشهر في ربيع 1994، وأقصي الجار جاره في الوطن، فقط لأنه يختلف عنه في العرق أو الطائفة أو اللون أو الرأي السياسي.

وأقصيت أقلية التوتسي التي تشكل 5% من المجتمع، وروج ضدها الإعلام باعتبارها "صراصير تجب إبادتها". وكان الإعلام يصدح عبر المذياع "دعونا نفرح أيها الأصدقاء، فالصراصير ليست كثيرة"، فقتل الجارُ جارَه موقنا أنه لن يلاحق قضائيا.

حلقة الأربعاء 12/8/2015 من برنامج "تحت المجهر" جاءت بعنوان "إعلام الكراهية" لتعود إلى جذور الإبادة الجماعية التي أودت بحياة ما يزيد على ثمانمئة ألف إنسان، وأوضحت كيف لعب المستعمر البلجيكي بعد الحرب العالمية الأولى دوره في التعامل مع القبيلة التي بيدها الحكم في رواندا، وإقناع الأغلبية بأن الأقلية يتحكمون بهم كسادة، وأن المستعمر سيساعدهم في مقاومة هذا الوضع، موهما الروانديين بأنهم مختلفون رغم أنهم يتحدثون اللغة نفسها ويعيشون معا، ولا يمكن التمييز بينهم.

عرب وإسرائيليون
رسم المستعمر في ذهن الأغلبية أن الأقلية ليسوا من أصول أفريقية، وأن بعضهم عرب جاؤوا من سوريا، والبعض الآخر جاؤوا من إسرائيل، ليرسخوا في عقول الأغلبية أن الأقلية أجانب، واستمرت الحكومات المدنية ثم العسكرية بعد الاستقلال في ستينيات القرن الماضي تغذي في ذهن الأغلبية أن الأقلية ليسوا بشرا إلى أن وصل الأمر إلى إبادة جماعية.

واستضافت الحلقة بعض الذين شاركوا في قتل جيرانهم، ثم طلبوا السماح والعفو من أهلهم، فيعفو الأهل ويسامحون، ويعمل أهل الضحايا مع القتلة مع أجل بناء الوطن من جديد.

تحريض الإعلام
تقول الناجية من المجازر "مواكاور ريندا أليس" إنها فقدت 26 من أفراد عائلتها، دفن بعضهم في كنيسة نياماتا، ولم يتم العثور على جثث باقي أفراد العائلة الذين أبيدوا جميعا، بينما اعترف المشارك في عمليات الإبادة ندايسابا إيمانويل أنه قتل 18 فردا من التوتسي، وقطع يد الناجية ريندا أليس وضربها بجوار أذنها وتركها لأنه اعتقد أنها ماتت.

ويشرح أستاذ علم النفس بجامعة رواندا سيزي بيرا أسباب تحول إيمانويل إلى قاتل يستهدف جيرانه من التوتسي، مرجعا هذا التحول إلى عملية طويلة من التحريض قامت بها وسائل الإعلام، وخلقت صورا نمطية أدت إلى الانقسام والتفرقة والعنصرية.

أما أستاذ علم الاجتماع والأدب بجامعة رواندا جيل بايافري فيوضح أن المستعمر البلجيكي بنى سياسته على تحريض الهوتو ضد التوتسي، مرسخا في أذهانهم "أنتم (الهوتو) السادة وأصبحتم العبيد، الأغلبية وهم الأقلية، فدعونا نساعدكم لتعديل هذا الوضع".

أعداء الوطن
وعبر أرشيف نادر لمقاطع إعلامية صحفية مكتوبة وإذاعية مسموعة تحرض على استئصال التوتسي، توضح الحلقة كيف كانت بعض المحطات الإذاعية تبث قوائم بأسماء المستهدفين من التوتسي وأماكن وجودهم لتسهيل وصول مليشيات الأغلبية (الهوتو) إليهم لقتلهم.

حرض الإعلام ضد أقلية التوتسي على أنهم "أعداء الوطن" و"أعداء الدولة" و"أعداء البلد"، فكان القتل نتاج عملية تحريض استئصالية طويلة، خلقت فيها وسائل الإعلام صورا نمطية جعلت ذهن القاتل لا يرى الضحية "بشرا" والقتل أكثر فتكا وشراسة.

لكن هذا الإعلام جُرّم دوليا وحوكم، وأصبحت رواندا اليوم تعيش في ظل إعلام اتفق على مفهوم المسؤولية المنبثقة من الوحدة والمصالحة.

كانت تجربة "إعلام الكراهية" غير عادية في حياتي المهنية، حالة مجسدة لتحول دور الإعلام من كشف للحقيقة، ومشاركة في تنمية المجتمع، إلى أداة قتل، لم يشارك الإعلام في القتل بالإيحاء أو بالتوجيه فحسب، ولكن شارك بشكل مباشر من خلال بلاغات بأسماء وسكن حتى يرسل إليهم المليشيات لتنفيذ حكم القتل الذي كان يصدر من داخل الأستديوهات وصالات التحرير.

إن حلقة برنامج "تحت المجهر" وعنوانها: إعلام الكراهية (رواندا والإبادة الجماعية) درس في الحياة لي كمخرج وإعلامي، ولي كإنسان، وهي جهد عمل مشترك من فريق نيوميديا بحثا ومونتاجا وفي الميدان، ومع فريق "تحت المجهر" في الدوحة وبتعاون من أبطال العمل الذين تحدثوا من "خبرة" عميقة إنسانية أو بحثية من أجل أن تخرج الحلقة بهذا الشكل. 

كنت أتصور، وفقًا لما درسناه في كلية الإعلام، أن يكون دور وسائل الإعلام هو التنوير وكشف الحقائق أمام الرأي العام، بشكل محايد، لكن هذا العمل كشف لي كيف يتحول الإعلام أداة ليس فقط للتحريض على البطش والاعتقال، بل للدعوة المباشرة إلى القتل والتصفية الجسدية خارج القانون.

تجربة مريرة عاشتها رواندا، وهي الإبادة الجماعية، بتوجيه من النظام الحاكم، الذي تصور واهما أنه بذلك يؤسس لبقائه في الحكم، عبر ديكتاتورية الحديد والنار، وذراع إعلامية تتوجه فقط لشيطنة الضحية، فأثناء تنفيذ الفيلم، لم أكن أتخيل مدى مقدرة وبراعة هذا النوع من وسائل الإعلام، على تبني خطاب الكراهية، وصولا إلى الإبادة الجماعية.

أبيد قرابة مليون إنسان، مليون روح، عبر خطة إعلامية شيطانية، امتدت جذورها عقودا قبل ذلك. استطاع الإعلام عبر وسائله المختلفة نزع الإنسانية عن البشر، وتحريض الهوتو (الأغلبية السكانية) ضد التوتسي (الأقلية). دماء في كل مكان، لا بيت يخلو من ضحية أو اثنتين أو ثلاث. كل ذلك خلال ثلاثة أشهر فقط، تسعون يوما وصفت فيها الإذاعة الضحية بـ "الصراصير" وسط تصفيق وتهليل الحكومة.

وبعد كل هذه الدماء، وأعداد الضحايا والمصابين بعاهات مستديمة، ستظل تذكرهم بالماضي الأليم، أدرك الجميع (قاتلين وضحايا) أن الأمل في حكومة رشيدة، تتبنى إستراتيجية واقعية للبناء، وعبور هذه المرحلة الصعبة من تاريخ البلاد.

انعكست تلك الإرادة بطبيعة الحال، على الإعلام الرواندي، الذي سعى لتدارك ماضيه الأسود، عن طريق الدعوة للمصالحة بين كافة فئات الشعب، وتبنى خطاب التعايش والوحدة الوطنية، لمحاولة الوصول لمستقبل يسع الجميع. ولعل أكثر ما أدهشني في جريمة الإبادة الجماعية برواندا، أنه كما تم الحكم على المتورطين في جرائم القتل، من ضباط شرطة وجيش ومسؤولين، أيضا تمت محاكمة عدد كبير من الإعلاميين المتورطين في التحريض على القتل في المحكمة الجنائية الدولية وحكم عليهم بالسجن المؤبد. 

كانت تجربة هذا العمل بالنسبة لي درسا في حياتي المهنية والإنسانية. فعلى كل صحفي  أن يدرك أن الكلمة مثل الرصاصة قد تقتل إنسانا. أتمنى أن نتعلم الدرس عربيا قبل فوات الأوان. لقد أدركت بطبيعة الحال، كيف يتحول الإعلام من أداة للتحريض والهدم، إلى وسيلة للتعايش والبناء. فمتى ندرك نحن العرب هذه الحقيقة؟