أكثر من تسعمئة مدني فلسطيني قتلتهم طائرات إسرائيلية بدون طيار بين عامي 2008 و2013 -بينهم أطفال- مثلما حصل لابني طارق الشهابي اللذين كان عمرهما يتراوح بين تسع وثماني سنوات، ولا علاقة لهما بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) كما يقول الوالد.

وأظهرت برقية سابقة لموقع ويكيليكس والمرسلة من السفارة الأميركية في تل أبيب إلى وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن أنه خلال عملية "الرصاص المصبوب" في قطاع غزة عامي 2008 و2009 قصفت طائرة بدون طيار مقاتلين من حماس أمام مسجد، مما أدى إلى إصابة 16 شخصا كانوا داخل المسجد بعدما تطايرت الشظايا إلى المصلين.

طارق الشهابي من غزة فقد أولاده في قصف طائرة بدون طيار (الجزيرة)

الكاتب والباحث الفلسطيني الدكتور عاطف أبو سيف يرى أن الـطائرات من دون طيار التي يطلق عليها الفلسطينيون "الزنانة" هي ليست مجرد طائرة وإنما هي وسيلة هيمنة، وهي جندي الاحتلال غير الموجود على الأرض، وهي مرتبطة عند الفلسطينيين بالإزعاج، ولذلك يطلقون عليها "الزنانة" كونها لا تتوقف عن الزن.    

الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي الذي يوثق الانتهاكات ضد الفلسطينيين يقول إن الشباب الإسرائيليين المكلفين بتوجيه الطائرات بدون طيار يقومون في الواقع باللعب بمصائر الناس، وكأنهم يمارسون ألعاب الفيديو، وإن هؤلاء الإسرائيليين يهتمون بالفلسطينيين وليس بما يفعله الجيش الإسرائيلي أثناء الحروب، "فكل شيء مشروع ما دام ليس هناك ضحايا في الجانب الإسرائيلي".   

هذا الموقف يؤكده كابتن دال (اسم مستعار) -مشغل طائرات بدون طيار في إسرائيل- بقوله إن ما يهمه هو أن يقوم بما يجب عليه القيام به.

كما أن قضية الطائرات بدون طيار وما ترتكبه ضد الفلسطينيين -يضيف الصحفي ليفي- لا تهم الإسرائيليين ما دام أن تجارة هذه الطائرات تدر ربحا كبيرا على ما يسميها الدولة الإسرائيلية، ويكشف أن هذه الطائرات هي الأكثر مبيعا من بين المنتجات الإسرائيلية لأنه جرى اختبارها في حروب حقيقية.

وذكر أن إسرائيل صدرت ما قيمته 4.6 مليارات دولار من الطائرات بدون طيار لأكثر من 130 بلدا، وفي عام 2013 تخطت الولايات المتحدة وأصبحت أكبر مصدر للطائرات بدون طيار.

وبحسب المحقق المتخصص في شؤون الدفاع الإسرائيلي يافتاش سابير فإن جيش الدفاع الإسرائيلي لا يتحدث عن الأساليب التي يستخدمها ضد الفلسطينيين، ويكتفي بالقول إنه يقوم بتصفية قادة حماس.  

مع العلم أن إسرائيل لم تعترف بعدد ضحايا الطائرات بدون طيار أثناء عدوانها على غزة عام 2014.

نبيلة رحمان فقدت جدتها في قصف طائرة بدون طيار في باكستان (الجزيرة)

برنامج سري
وعن كون إسرائيل هي السباقة لاستخدام الطائرات بدون طيار، ومدى تأثر الرئيس الأميركي باراك أوباما بهذه السياسة حيث انتهجها في باكستان وأفغانستان واليمن يقول سابير إن الجيشين الأميركي والإسرائيلي تربطهما علاقة متينة جدا، وهما يتعلمان من بعضهما البعض.  

يشار إلى أن المخابرات المركزية الأميركية تنفذ برنامجا سريا هو "القتل بالاستهداف" منذ عام 2004، هدفه تصنيف أناس على أنهم أعداء للدولة ليجري قتلهم بدون تهم أو محاكمة.

وتعرف الطائرات بدون طيار بـ"حرب أوباما"، لأن الرئيس الأميركي الحالي استخدمها بكثافة في أفغانستان وباكستان والعراق واليمن والصومال.

ومنذ أصبح أوباما رئيسا للولايات المتحدة وحتى يناير/كانون الثاني 2015 قتل أكثر من 2500 في غارات لطائرات بدون طيار، أغلبهم من المدنيين وبينهم أطفال.

وقد انتقلت كاميرا "تحت المجهر" إلى بيشاور في باكستان، حيث استهدفت إحدى الطائرات الأميركية بدون طيار عام 2002 عائلة وقتلت جدة وجرحت الحفيدة نبيلة رحمان التي تؤكد ببراءتها أنها لم تكن تعلم بوجود مثل هذه الطائرات في بلادها.

المخرج العراقي فرات العاني في قطاع غزة (الجزيرة)

كنت مراسلا في العراق عندما سمعت لأول مرة عن الطائرات من دون طيار، كان الجيش الأميركي يقول إن استخدام هذه الطائرات في العراق وأفغانستان آمن ويمنع الأضرار الجانبية على الأرض، وإنها تكنولوجيا متقدمة جدا.

في ذلك الوقت بدأت التفكير بخطورة أن تستهدف أشخاصا على الأرض من مسافة بعيدة دون أن تكون جزءا من المعركة، بعد ذلك بسنوات عدة قرأت مقالات عديدة عن البرنامج السري للطائرات من دون طيار والذي يشمل دولا جديدة مثل باكستان واليمن والصومال.

وقد تحدثت المقالات والتقارير عن مدنيين قتلوا بطائرات من دون طيار، في ذلك الوقت بدأت أتساءل لماذا لا نرى وجوه الأشخاص الذين قتلوا بطائرات من دون طيار؟ ولماذا ليست هناك تقارير مكثفة عن هذا الأمر؟ وبدأت أكتشف أن هناك طائرات من دون طيار إسرائيلية تستهدف الفلسطينيين، ولا أحد يتحدث عنها.

ومن هنا جاءت فكرة هذا الوثائقي، أن أنقل للمشاهد صور ضحايا طائرات من دون طيار من باكستان وفلسطين، ونرى ونسمع من المدنيين الذين استهدفتهم هذه الطائرات بلا ذنب.

وكان مهما بالنسبة لي أن ألتقي بطيار إسرائيلي يسير الطائرة من دون طيار، حتى لو رفض الكشف عن وجهه وباسم مستعار، وأن أزور المصنع الإسرائيلي الذي يصنع هذه الطائرات، وأن أدخل قطاع غزة حيث يسمي الفلسطينيون هذه الطائرات "الزنانة" وألتقي أسرة فقدت ثلاثة من أطفالها في قصف طائرة من دون طيار، وأن أصل إلى وزيرستان داخل باكستان وأصور مع عائلة فقدت جدتها بقصف طائرة من دون طيار، ومع أنني والفريق حاولنا كثيرا أن يتحدث متحدث رسمي من الجيش الأميركي في الأمر، لكنهم رفضوا.

في هذا العمل الوثائقي عملت مع أربعة مصورين في أربعة أماكن مختلفة، ومع أربعة منسقين مختلفين، لنتمكن من مقابلة الأشخاص الذين كانوا نادرا ما يوافقون لحساسية الموضوع.

وقد قررت أن أبني هذا العمل من دون نص (صوت راو) لأمنح الضحايا والمدافعين عنهم، والمدافعين عن تكنولوجيا الطائرات من دون طيار، كلا فرصته للحديث دون توجيه مني للمشاهد، وأترك للمشاهد الحكم.

المخرج فرات العاني