روايات وأحزان لمواطنين من مصر والسودان، تغيرت حياتهم بين عشية وضحاها جراء حوادث مرور وقعت لهم، إما بسبب السرعة المفرطة أثناء القيادة أو عدم صلاحية الطرق والشوارع، وغيرها من الأسباب. ضحايا يعانون اليوم في صمت ويتمنون أن تعود أيامهم إلى الوراء حتى يتم إصلاح ما يمكن إصلاحه.

الشاب المصري هاني السيد تعرض لحادث سير كاد يودي بحياته، حفرة في منتصف الطريق قلبت دراجته النارية في عيد "شم النسيم" لتقذفه بعيداً، وتقلب فرحته بذلك اليوم إلى عذاب مستمر.

يقول هاني لحلقة برنامج "تحت المجهر" "لا يمكن لأحد أن يتصور حجم الضرر الذي يلحق بالإنسان بعد أن يفقد جزءا من جسده"، ويتمنى لو يستطيع الرجوع يوماً إلى حياته الطبيعية.

ويصف هاني قيادة الدراجات في مصر بأنها "انتحار".

أما سارة محمد (26 عاما) -شابة مصرية- فتحولت حياتها إلى مأساة بعدما كانت مفعمة بالحيوية والنشاط، عقب حادث سير سببه قيادتها المفرطة وعدم قدرتها على التحكم في السيارة فانقلبت بها.

تشبّه سارة حياتها بتلك العصفورة التي تطير في كل مكان وفجأة تسجن داخل قفص.

أما المواطن السوداني مأمون محمد عباس فيتحسر بمرارة على شقيقه الذي توفي في حادث مرور عام 2010، ويرجع أسباب وفاته إلى تأخر الإسعاف في إنقاذه.

وتتشابه أسباب حوادث المرور في كل من الخرطوم والقاهرة، وبحسب من تحدثوا لحلقة "تحت المجهر"، فهناك التهور في القيادة والسرعة المفرطة، وخاصة لدى الشباب، إضافة إلى الحفر والمجاري التي تعرقل القيادة، وكذلك المنشطات.

ويشير بعضهم إلى أن حوادث المرور سببها سلوك عام ومنظومة قائمة لا تعرف أن للإنسان قيمة.

وتحمل أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس بمصر الدكتورة سامية قدري السلطات الحاكمة المسؤولية عن حوادث المرور، لكنها تدعو -في المقابل- المواطن إلى احترام قوانين المرور.

وترى الدكتورة أن "دم المصري أصبح رخيصا"، وأن المواطنة الحقيقية تعني الحفاظ على الإنسان باعتباره ثروة بشرية.

وهو نفس موقف مأمون عباس من السودان الذي يقول إن الدولة لها دور أساسي في حماية الناس من حوادث المرور، ويشير إلى مسألة الإسعاف باعتبار أن شقيقه توفي بسبب تأخر إسعافه.

ويتفق المتدخلون في حلقة "تحت المجهر" على أن ثقافة الإسعاف لا تزال محدودة أو بطيئة في مصر والسودان، وأن حالات وفاة كثيرة يكون سببها الرئيسي رداءة خدمة ما قبل المستشفى.

حوادث السير جزء من حياتي كمخرج، أخي الصغير أصيب في حادث سير كاد أن يودي بحياته، صدمة أولى تبعها أخبار حوادث سير هنا وهناك، ثلاثون شخصاً ماتوا بحادث سير، انقلاب سيارة ووفاة كل من فيها، كمخرج تكرار الحوادث أثار عندي رغبة في ضرورة  البحث عن حل.

لكن القصة التي أثرت أكثر بي لأتحمس لإنتاج حلقة لبرنامج "تحت المجهر" عن حوادث السير هي فتاة صاحبة بسمة رقيقة قابلتها صدفة في أحد شوارع القاهرة مع مجموعة من الأصدقاء ووجدتها على كرسيها المتحرك، استوقفني هذا المشهد وأثار فضولي فعلمت أنها أصيبت في حادث توفي فيه والدتها وخطيبها.

بسمتها ورغبتها في الحياة  كانت مؤلمة بالنسبة لي، وبقيت أتساءل: كيف لفتاة مثل هذه أن تنتهي بها الحياة على كرسي متحرك.

مع بدء البحث تكشفت أمام فريق العمل حالات يرثى لها، شباب ضاع مستقبلهم أو أطفال يتموا، أجيال تنتهي بسبب هذا الموت الملازم للجميع، مع كل يوم جديد  حادثة وحوادث جديدة، ودائما استجابة المسؤول متأخرة  لكن المؤكد أن الموت لا يتأخر. 

حوادث الطرق في السودان ومصر وغيرها من البلدان العربية  كارثة حقيقة تحتاج إلى الوقوف عندها، بشر يفقدون حياتهم، وطرق غير ممهدة ودول أصبحت تتعامل مع الموت باعتباره ثقافة حياة، ومواطن مغلوب على أمره  فلا الدولة مهدت له الطرق ولا حتى اهتمت بإسعافه، قصص مؤلمة تستحق أن نشاهدها، نتفاعل معها ونعمل شيئا لنقلل من تكرارها.

هذه الحلقة صرخة في وجه الجميع من أجل وضع حد لهذه المأساة، رغبة في أن يتوقف هذا النزيف على الطرقات. هذه الحلقة رغبة مني ومن فريق العمل في أن نضع الجميع أمام مسؤولياته حتى يشعر  كل إنسان وهو راكب في أي سيارة  أن الموت ليس جالساً في المقعد القريب منه.