نقلت حلقة (18/3/2015) من برنامج " تحت المجهر" جوانب مختلفة من معاناة السوريين في حلب، وقدمت شهادات أشخاص عايشوا المأساة والدمار الذي لحق ببيوتهم جراء القصف الذي يطال المحافظة بالبراميل المتفجرة وغيرها. 
 
معاناة ومأساة حقيقية يعيشها سكان حلب، أكبر محافظات سوريا والبالغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة عام 2011. أحياء دُمرت بالكامل جراء قصف قوات النظام، وسكانها شُردوا، وضاعت أحلامهم، ومع ذلك هم يتمسكون بالأمل في أن تتغير الأوضاع يوما ما وينعمون بحريتهم، وهو ما عبر عنه أطفال صغار تحدثوا عن الحرية.

تظهر أوجه المعاناة في البيوت التي دمرت في صلاح الدين، والحيدرية وغيرهما من أحياء حلب، التي يقول عنها تاجر الأقمشة يوسف سلامة إنها كانت جميلة جدا بأسواقها ومحلاتها المختلفة، لكنها اليوم مُسحت بالكامل، وأصبحا أسواقها مهجورة وكأنها أسواق أشباح.

يقف محمد الغول، وهو قائد كتيبة بالجيش السوري الحر، على أطلال بيته وحي كرم الجبل الذي وُلد وتربى فيه، لكنه لم يستطع دخول الساحة التي بقيت منه، بسبب الألم الذي يعانيه جراء ما حدث، ويقول إن نظام بشار الأسد "لا رحمة ولا إنسانية له".

ويعتبر الكاتب والباحث محمد محمود -في شهادته للبرنامج- أن حلب فقدت روحها تدريجيا وفقدت حب الحياة، ويقول إن" الدمار الذي أصاب الأبنية التاريخية لا يمكن استعادتها بأي شكل من الأشكال".

المصور المستقل، كرم المصري، هو وجه آخر لمعاناة حلب، فقد سجن ستة أشهر وعذب بسبب الكاميرا التي يحملها، ويعتبر هذا المصور الشاب أن "الكاميرا هي العدو الأول للنظام" وهي التي تسبب له مشاكل أكثر من السلاح. ويرى أن المعركة الإعلامية ستكون الفيصل بين السوريين والنظام.

من جهته، مشرف دار إلياس للمسنين في حلب، ميشال أبو يوسف، الذي عاش بالمحافظة لأكثر من خمسين عاما، بات يتمنى الموت لهول ما شاهده من دمار وقتل، وهو نفس حال المنشد محمد حبوش الذي يقدم أناشيد حلبية شجية تعكس حجم المعاناة.

ولم يسلم أطفال حلب من آلة الدمار والقتل، ويشير المعلم شهاب الدين أبو بكر إلى تعرض الأطفال لضغوط نفسية بسبب القصف والبراميل التي تتهاطل على المحافظة.

علي فياض السخني، وهو مسؤول قضائي بمناطق سيطرة المعارضة، يتساءل عن سبب صمت العالم على السوريين الذين يُقتلون يوميا، بينما قامت الدنيا ولم تقعد بعد مقتل 12 شخصا في فرنسا, وقد فقد هذا الرجل مائتي شخص من أصدقائه وأفراد عائلته، ويقول إن بشار يحارب المبدأ الذي يؤمنون به.

ورغم ما تعانيه حلب، يبقى للأطفال أحلامهم في الحرية وفي غد مشرق، فالطفلة الصغيرة، ابنة شهاب الدين أبو بكر، تغني للحرية: حرية حرية.. غصبا عنك يا بشار.

في السينما الروائية يُبنى كل شيء ويعاد خلقه ليأتي على صورة الواقع، من وجهة نظر المؤلف الذي يبني عالمه كما يريد، من سرد الحكاية، إلى كل ما يلزم لقولها، إضاءة، وحركات كاميرا، وأداء ممثلين، وديكورات وإكسسوارات.

السينما الروائية إذن ترصد الحياة وتسجلها وتقول الحكاية كما أرادها السينمائي المؤلف، من خلال اللقطات المتتالية. أما الفيلم التسجيلي فيرصد الحياة ويسجلها كما هي، طازجة، عفوية، وتحتاج في الكثير من الأحيان لوجهة نظر محددة، لتأخذ أهميتها وترتقي لأن تكون سينما تسجيلية، بمعنى إعادة صياغة اللقطات أثناء التصوير، ثم أثناء تركيب الفيلم فمن من خلال التأليف (وجهة نظر المؤلف)  تكتسب السينما التسجيلية أهميتها.

شخصيا، أتعامل مع الفيلم التسجيلي كأنه فيلم روائي إذ اختار كل شيء وأعيد بناءه من جديد مع ضرورة الحفاظ على الصدق. شخصيات الفيلم، حركاتها أمام الكاميرا، ثم حركات الكاميرا، الأماكن، الأجواء العامة، الإضاءة وشكل اللقطات،  الموسيقى، الصمت، الحوارات  وكل ما يلزم لتروى الحكاية بشكل ترتقي بها من مجرد أن تكون انعكاساً للواقع، بل العمل على حل لغز هذا الواقع.

في فيلم "اغتيال حلب"عملنا منذ البداية على بناء وتطوير الموضوع، واختيار الشخصيات بدقة لتكون ملائمة لمضمون الحكاية ومقولة الفيلم الأساسية. لأجل ذلك أتت الشخصيات منوعة ومختلفة على المستويين الاجتماعي والمعرفي،  شخصيات ملونة ومتباينة في طريقة تفكيرها وعيشها وتناولها للواقع لتغطي جميع محاور الموضوع المطلوبة وتضيء جميع جوانب الفيلم.

اعتمد الفيلم على شخصيات حقيقية من قلب النسيج الاجتماعي السوري لمدينة حلب. ناس بسطاء، تاجر ومنشد وأستاذ وناشط مدني وجندي حر وطالب مدرسة، يجتمعون في اختيارهم ألا يغادروا مدينتهم برغم أمطار البراميل المتفجرة التي تنهال على رؤوسهم ليل نهار.

اعتمد الفيلم على البوح الحقيقي والعفوي لشخوصه وعلاقتها بالزمان والمكان،  فكان أن عملنا على خلق هذه العلاقة من خلال رصد المكان في الزمن، وتصوير معاناة الناس اليومية وصعوبة العيش ونقص موارد الحياة والقصف الهمجي للأحياء السكنية والمقاومة الشعبية المستمرة.

 المكان ممثل في البيت والشارع والمدرسة والمدينة، هو فضاء يمتزج مع نسمات الهواء، وضوء الشمس، وكل عناصر الحياة التي تجعل منه وطناً لا بديل عنه.

عملنا جميعنا منتجا ومخرجا ومصورين ومعدين على شكل الفيلم وطريقة التصوير الخاصة بهذا الموضوع وذلك من خلال ورشات عمل مكثفة نظمناها قبل التصوير طوال فترة التحضير والإعداد.

لقد اشتغلنا جاهدين مع فريق عمل بطولي استطاع أن يصور ولساعات طويلة في ظروف استثنائية تحت القصف والضرب والحصار، وما شاهدتموه من كادرات جميلة ونظيفة (تقنيا) لا يعلم غير الله ما كابدناه لتصويرها من صبر وعذاب وتفان وجلد في الإعداد والتصوير وبعدها تأمين نقل المواد من داخل حلب إلى أماكن أخرى أكثر أمنا.

كما قضى فريق العمل ساعات طويلة في انتظار الكهرباء ليتمكن من تحميل ساعات عديدة من المادة المصورة. والهدف وراء كل ذلك أن يصل صوت هؤلاء البشر الصامدين هناك في حلب إلى المشاهدين هنا وهناك. استغرق التصوير أشهرا طويلة استطعنا أن نغطي خلالها فصولا مختلفة من صيف وخريف وشتاء عملنا طوالها تحت أشعة الشمس وزخات المطر والثلوج، على أن يحمل الفيلم أمنية ضمنية في مضمونه وشكله بأن يكون الربيع قريباً ومزهراً وطويلاً.

اغتيال حلب ليس وثيقة تاريخية من قلب مدينة محاصرة وصامدة يرويها أهل المدينة وسكانها الأصيلين فحسب، بل هو صرخة أيضاً أمام عالم صامت وعاجز عن إيقاف آلة التدمير الهمجية لنظام لا يرحم ولا يتوانى عن تدمير إحدى أهم وأقدم مدن العالم لمجرد أن أهلها رفضوا ذل سنوات طويلة وانتفضوا بوجهه مطالبين بالحرية والحق في الحياة بكرامة.

كلمة فريق العمل