زينب، فاطمة، أمينة، وغيرهن من نساء المغرب، يواجهن مشاكل كثيرة في حياتهن، مثل الطلاق وتبعاته، والزواج في سن مبكرة، والزواج بالمغتصب، وعدم التزام الطليق بدفع نفقة الأولاد، إضافة إلى صعوبة إثبات النسب.. وهي مشاكل حاولت حلها مدونة الأسرة التي مرت عشر سنوات على دخولها حيز التطبيق.

حالات نساء من مناطق مختلفة من المغرب، إملشيل، الرباط، بني ملال، أسفي، الفقيه بنصالح.. تعكس مختلف جوانب واقع الأسرة المغربية، حيث تتزوج الفتاة وهي قاصر وتطلق وهي قاصر، وتزوج أحيانا بدون وثائق تثبت حقوقها وحقوق أولادها.

هذا الواقع ينطبق على فاطمة أمزيل من أنفكو شرق المغرب التي تم تزويجها بالفاتحة فقط وهي في سن الرابعة عشرة، وعندما انجبت طفلتها تركها زوجها ولم يعترف بابنته. وهي تطالب بأن تحصل ابنتها على حقوقها وأن تنسب رسميا لوالدها.

نورة عقا، ربة بيت تزوجت في سن الخامسة عشرة من رجل يبلغ 34 عاما، لكنها طلقت في سن السابعة عشرة لتجد نفسها تقاسي لوحدها في تربية ابنتها.

أما أمينة فهي قاصر أخرى تم تزويجها بمغتصبها وفق المادة 245-2 من القانون الجنائي المغربي قبل إلغائها. انتحرت أمينة وكان لذلك الفعل وقع الصدمة على المنظمات النسائية، فضغطت عبر احتجاجات ومسيرات لوضع حد لفعل تزويج المغتصَبة من مغتصبها لإنقاذه من المتابعة القانونية المفضية للسجن.

حالة أخرى عرضتها حلقة (4/3/2015) من برنامج "تحت المجهر" تتمثل في الزوج حسن ميزو الذي يشتغل نجارا، إذ يعاني من عنف زوجته التي تسيء معاملته، بضربه وإهانته وطرده من البيت.    

ويؤكد الباحث الاجتماعي علي شعباني أن عنف المرأة ضد الرجل ظاهرة موجودة في المجتمع المغربي لكن الإعلام لا يتحدث عنها، لأن الزوج نفسه لا يتحدث عنها.

فاطمة جيلال، بائعة متجولة تتعلق مشكلتها بالنفقة التي يرفض طليقها دفعها لبناتها الثلاث، رغم أنها رفعت دعوى بهذا الشأن. ويقول مدير دار الحديث الحسنية، أحمد الخمليشي إن القاضي يحكم بالنفقة لكن التنفيذ يتعذر.

لجنة
في خطاب للملك محمد السادس في 8 أكثوبر/تشرين الأول عام 2003 شدد على ضرورة النهوض بالمرأة، وأعلن عن تشكيل لجنة استشارية لمراجعة مدونة الأسرة.

وبحسب الخمليشي يتلخص المقترح في مراجعة عدد من الأحكام الواردة في المدونة على أساس أن لا يمس التعديل الأحكام القطعية التي صرحت الشريعة بإباحتها أو منعها.

وتقول رئيسة مركز النجدة لمساعدة النساء ضحايا العنف، فاطمة المغناوي إن مدونة الأسرة اعتبرت ثورة هادئة، ونقلة نوعية لإنصاف النساء، حيث جاءت بمجموعة فصول لصالح النساء مثل رفع سن الزواج إلى 18 عاما، والتمكين للمرأة بطلب الطلاق وغيرهما.

النقاش حول مراجعة قانون الأسرة المغربي، تحول قبل أزيد من عشر سنوات إلى صدام بين تيارين في المغرب. الأول اعتبر أن أي مساس بهذا القانون، المستمدة فصوله من الشريعة الإسلامية، هو نوع من تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرمه.

أما التيار الثاني فقد كان يشهر ورقة الواقع ليعزز موقفه المطالب بمراجعة قانون الأحوال الشخصية، الذي لم يعد، حسب تصورهم، يساير العصر ولا التحولات التي فرضت نفسها.

هذا التجاذب، كان كافيا وحده ليثير الاهتمام بتحويله إلى قصة وثائقية. لكن هذا النقاش لم يقف عند حد إدخال تعديلات على قانون الأسرة تحت إشراف لجنة ملكية تمثل غالبية تيارات المجتمع، بل استمر حتى بعد إقرار المدونة   الجديدة، وها هو يتجدد مع اتمام المدونة أكثر من عشر سنوات من  دخول بنودها حيز التطبيق.

على مستوى المادة التوثيقية، يمكن الاعتراف بأن النقاش الغزير، والأحداث التي ارتبطت بهذا الموضوع، وفرت ما يكفي من المعلومات والمعطيات لوضع تصور أولي، ثم نهائي لإنجاز العمل. في المقابل، كان لابد من البحث عن حالات مناسبة تجسد، بكل موضوعية، واقع المدونة في شقيه الإيجابي والسلبي، وهو ما تطلب جهدا إضافيا، مع الحرص على ضمان تنوع الحالات اجتماعيا وجغرافيا.

بالإضافة إلى الحالات، أغنت مشاركة محمد بوستة، رئيس اللجنة الملكية المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة سنة 2003، وزهور الحر وأحمد الخمليشي، العضوين في هذه اللجنة، مادة الفيلم، لأنه علاوة على ما كشفوه من كواليس همت النقاش داخل اللجنة، فهم، كل حسب موقعه، أدلوا بآرائهم التقييمية، من الناحية السياسية بالنسبة إلى بوستة، والفقهية والقانونية بالنسبة إلى الخمليشي والحر. كما أن قانونيين وباحثين آخرين ، جرى اختيارهم بعناية، شاركوا برأيهم في الفيلم ملامسين الموضوع من خلال نظرة واقعية.

في اعتقادي، يعتبر فيلم "بين العرف والقانون" مساهمة من زاوية نظر مختلفة في النقاش حول القانون المنظم للأسرة المغربية، الذي اعتقد البعض أنه سينتهي بعد التدخل الملكي بالدعوة إلى مراجعة هذا القانون، وبعد إقرار المدونة في صيغتها الجديدة المتوافق حولها، في حين أنه استمر وعاد ليتجدد بعد مرور أكثر من عقد على بدء التطبيق، إذ أن جهات بدأت تحركاتها للمطالبة بتعديل مواد أخرى في المدونة يرون أنها لا تفي بالغرض أو أنها أثبتت محدوديتها أثناء التطبيق.

أتمنى أن تؤدي هذه المساهمة، بوضع هذه القضية في حلقة في برنامج "تحت المجهر" على شاشة الجزيرة الإخبارية، دورها في إغناء هذا النقاش المفتوح على مستوى المغرب، وفي إيصال العديد من الرسائل إلى المشاهد العربي، لتقريبه أكثر من تجربة مغربية كان لها الصدى داخليا وخارجيا، وهي، لا محالة، ستتأثر بما محيطها، وستؤثر فيه.

خلاصة القول، إنه بفضل فيلم "بين العرف والقانون" عشت تجربة إنسانية ومهنية غير مسبوقة، حملت إلي العديد من المعارف.

المخرجة: لبنى اليونسي