استيقظ سكان العاصمة اليونانية أثينا في أبريل/ نيسان 2012 على عملية "اغتيال سياسي" بساحة سينتاغما، فقد وضع ديميتريس كريستولاس حدا لحياته لأن "الحكومة المحتلة قضت على فرصه في البقاء"، ولأنه فضل الانتحار قبل أن يبدأ في البحث عن غذائه في النفايات.

ولخصت حالة كريستولاس الوضع الذي عاشه الشعب اليوناني جراء الأزمة المالية التي ضربت أرجاء البلاد منذ عام 2010، لسوء إدارة مزمن تضمن إهدارا للأموال، وتهربا من دفع الضرائب، وتفشيا للمحسوبية في مفاصل الدولة، وهي سياسة اعتمدتها الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية التي تداولت السلطة على مدى عقود في اليونان.

ونتيجة للأزمة المالية لم تعد هناك سيولة نقدية، مما أدى إلى ظهور فقر وبطالة في أوساط الشعب اليوناني. وحدث ذلك في ظل الحكومة الاشتراكية برئاسة رئيس الوزراء جورج ببناندريو، التي صوت لها الشعب بسبب وعودها بالرفاه، لكنها لم تف بذلك. 

وتشير الأرقام إلى أن مليونين ونصف من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن نسبة البطالة بلغت 27% وهي العليا في أوروبا كلها. كما أن حوالي ألف مدرسة في اليونان طالبت بمساعدات غذائية، ويواجه ما لا يقل عن مائة وخمسة وأربعين ألفا من أطفال المدارس خطر سوء التغذية يوميا.

أنجيلوس، وهو عاطل عن العمل، عبر لحلقة 4/2/2015 من برنامج "تحت المجهر" عن سخطه من الوضع الذي تعيشه البلاد، وقال إن الحكومة حولتهم إلى متسولين في بلدهم، بينما تساءل آخر قائلا: هل نحن أصحاب إعاقة حتى لا توفر الحكومة لنا وظائف؟ وأشار إلى أن عائلته تفرقت بسبب الفقر.  

وفي ظل تفاقم الأزمة، اندفع اليونانيون إلى ساحة سينتاغما وسط العاصمة أثينا للاحتجاج على أوضاعهم المعيشية، كما فعل الإسبان ودول الربيع العربي في تللك الفترة، ورفعوا شعارات تطالب بالعدل والخبز.

ولأول مرة في اليونان منذ سقوط إيديولوجية الطغمة العسكرية، تأسست حركة سياسية مستقلة ومتنوعة الأفكار، وقال وزير المالية إيفنجيلوس فنيزيلوس (2011 ـ 2012 ) إن الحركة تشير إلى تآخ بين مختلف التيارات الشعبية، اليمين واليسار واليمين المتطرف.

غير أن السلطات اليونانية قمعت الحركة الاحتجاجية باستخدام الغاز المسيل للدموع، وسيطرت على ساحة سينتاغما، لتصبح قائمة الضرائب والتقشف الحاد قانونا للدولة، وبحسب الكاتبة والصحفية نعومي كلاين فقد تم حل الحركة الغاضبة بعد ثلاثين يوما.

يذكر أنه تم منح اليونان قرضا ضخما بقيمة 110 مليارات يورو، كان أكبر قرض من نوعه يقدم لأي بلد من قبل، وساهم الاتحاد الأوروبي فيه بـ80 مليارا، وصندوق النقد الدولي بـ30 مليارا.

على مدى أكثر من 13 عاما أسافر حول العالم، أصور وأخرج أعمالا تقدم للجمهور قصصا عن ظلم العالم والتعذيب والظلام والعنف، صوّرت في أكثر الأماكن خطورة في العراق أثناء الحرب وفي باطن أفريقيا.

واجهت الإحباط الإنساني والجوع والمأساة والحرب والموت، وتصديت من خلال أعمالي الوثائقية لجشع الحكومات والشركات المتعددة الجنسيات التي تعد بـ"التنمية" في اليد اليمنى بينما تقدم الفقر باليد اليسرى، لكنني دائما وجدت الأمل والقوة والمقاومة شعاعا.

في هذا الفيلم، "أزمة أثينا"، ضمن برنامج تحت المجهر، في جزأيه (ساعتين تلفزيونيتين) أقدم لأول مرة وطني "اليونان". على مدى أربع سنوات كاملة عملت على هذا العمل، بإنتاج مشترك بين قناة الجزيرة الإخبارية وقناة "دبليو دي آر" (WDR) الألمانية، واكتشفت أن ما صورته وكنت شاهد عيان عليه في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، أصبح في حديقتي الخلفية.

هذا العمل هو ردي الشخصي على الأزمة الاقتصادية التي عصفت ببلدي، هو وقفتي ضد انعدام المساواة والظلم، هو محاولتي لرفع صوت من لا صوت لهم. وأخيرا، هذا العمل يرى النور.

منذ بداية الأزمة في عام 2010، قررت مع فريق من سبعة أشخاص أن نبدأ التصوير فورا، تصوير كل حدث مهم في هذه الأزمة، بالتركيز على حياة الناس، أبطال الطبقات الاجتماعية المختلفة، شهود العيان الذين تغيرت حياتهم مع الزمن بسبب الأزمة وكانوا ضحاياها المباشرين.

في الوقت نفسه، كنا نتبع الخط الدرامي للأزمة نفسها، نسأل السياسيين وأصحاب القرار والمتحكمين بمداخل ومخارج الأزمة أصعب الأسئلة، في اليونان وخارجها، في أوروبا وأميركا، ونتبع في الوقت نفسه بالتوازي خط العنصرية والحركات السياسية التي تعمقت عنصريتها مع الأزمة.

إن هذا العمل هو سؤال في البحث عن معنى "أجورا" (الساحة الرئيسة في أثينا باليونان)، مثل ساحة التحرير في القاهرة، وغيرها من ميادين الحرية في أماكن أخرى من العالم. أثينا هي رمز للديمقراطية تاريخيا، لكن اليوم أصبحت أثينا تباع في مزاد السوق العالمي. 

* يورغوس أفغيروبولوس