تسببت الأزمة الاقتصادية في اليونان بانتشار ظاهرة الانتحار في هذا البلد الأوروبي، فقد أقدم بائع خضار على قتل نفسه، لأن ديون البنوك اليونانية دمرته كما يقول ابنه ستيليوس بتراكيس الذي يضيف أن البلد أفلس من طرف أولئك الطفيليين الذين يعملون من أجل إشباع بطونهم.

جورجيا بتراكيس -زوجة بائع الخضار المنتحر- قالت لحلقة (11/2/2015) من برنامج "تحت المجهر" إن البنوك تخنقهم.. "إنهم يتصرفون مثل مصاصي دماء.. بيتنا في خطر".  

وخلال الأزمة الاقتصادية التي تعيشها اليونان ارتفع معدل الانتحار بنسبة 27%، حيث انتحر 3423 شخصا بين عامي 2009 و2012.

ويقول فانجليس -وهو بنّاء شردته الأزمة المالية- إنه لا يوجد سبب يجعله يستمر في الحياة التي يعيشها، لكن وجود ابنته منعه من الانتحار. كان فانجليس يشتغل في شركة بناء أفلست وأغلقت أبوابها ليفقد وظيفته ثم بيته، وفي عام 2012 أصبح مشردا في الشوارع.

يخرج فانجليس يوميا ويبقى يجول في الشوارع دون أن يحظى بمساعدة أحد، بل إنه يعامل -كما يصرح هو بنفسه- على أساس أنه كومة من النفايات، وهو نفس حال تاكيس باناجيوتوبولس العاطل عن العمل الذي يقضي أوقاته متجولا بين الحافلات لأنه لا يملك سكنا يؤويه.

يقول باناجيوتوبولس إنه كإنسان يشعر بالخزي لأنه وصل إلى الحضيض، ويتساءل قائلا: إلى أي حد يمكنك أن تنحدر أكثر؟

وفي خضم الأزمة التي تعيشها اليونان انتشرت النزعة الطائفية والجريمة في أوساط بعض المواطنين، وارتفعت أصوات تطالب بإخراج كل المهاجرين من البلاد، وهي الدعوة التي أطلقها زعيم حزب "الفجر الذهبي" نيكولاس مايكلوليالوس.

ولأول مرة يدخل النازيون الجدد بزعامة حزب "الفجر الذهبي" إلى البرلمان بـ18 عضوا، ويستخدم أعضاء هذه الجماعة العنف في نشاطاتهم دون رادع من الشرطة والسلطات.

ديون مرتفعة
وبعد سنوات من التضحيات التي أفقرت الضعفاء ودمرت الدولة الاشتراكية وعمقت عدم المساواة وغذت النزعة الفاشية في اليونان استمر الدين في الارتفاع، ففي عام 2009 كانت الديون اليونانية تشكل 129.7% من ناتجها القومي، وأصبحت في 2013 تشكل نسبة 175.1%.

يذكر أنه في عام 2007 كان الأغنياء يشكلون 1% من الشعب اليوناني، ويستحوذون على ما نسبته 48.6% من الثروة، وفي عام 2014 أصبح الأغنياء أنفسهم يسيطرون على 56.1% من الثروة.

على مدى أكثر من 13 عاما أسافر حول العالم، أصور وأخرج أعمالا تقدم للجمهور قصصا عن ظلم العالم والتعذيب والظلام والعنف.. صوّرت في أكثر الأماكن خطورة في العراق أثناء الحرب وفي باطن أفريقيا.

واجهت الإحباط الإنساني والجوع والمأساة والحرب والموت، وتصديت من خلال أعمالي الوثائقية لجشع الحكومات والشركات المتعددة الجنسيات التي تعد بـ"التنمية" في اليد اليمنى بينما تقدم الفقر باليد اليسرى، لكنني دائما وجدت الأمل والقوة والمقاومة شعاعا.

 في هذا الفيلم، "أزمة أثينا"، ضمن برنامج تحت المجهر، في جزأيه (ساعتين تلفزيونيتين) أقدم لأول مرة وطني "اليونان". على مدى أربع سنوات كاملة عملت على هذا العمل، بإنتاج مشترك بين قناة الجزيرة الإخبارية وقناة "دبليو دي آر" (WDR) الألمانية، واكتشفت أن ما صورته وكنت شاهد عيان عليه في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، أصبح في حديقتي الخلفية.

 هذا العمل هو ردي الشخصي على الأزمة الاقتصادية التي عصفت ببلدي، هو وقفتي ضد انعدام المساواة والظلم، هو محاولتي لرفع صوت من لا صوت لهم. وأخيرا، هذا العمل يرى النور.

 منذ بداية الأزمة في عام 2010، قررت مع فريق من سبعة أشخاص أن نبدأ التصوير فورا، تصوير كل حدث مهم في هذه الأزمة، بالتركيز على حياة الناس، أبطال الطبقات الاجتماعية المختلفة، شهود العيان الذين تغيرت حياتهم مع الزمن بسبب الأزمة وكانوا ضحاياها المباشرين.

في الوقت نفسه، كنا نتبع الخط الدرامي للأزمة نفسها، نسأل السياسيين وأصحاب القرار والمتحكمين بمداخل ومخارج الأزمة أصعب الأسئلة، في اليونان وخارجها، في أوروبا وأميركا، ونتبع في الوقت نفسه بالتوازي خط العنصرية والحركات السياسية التي تعمقت عنصريتها مع الأزمة.

 إن هذا العمل هو سؤال في البحث عن معنى "أجورا" (الساحة الرئيسة في أثينا باليونان)، مثل ساحة التحرير في القاهرة، وغيرها من ميادين الحرية في أماكن أخرى من العالم. أثينا هي رمز للديمقراطية تاريخيا، لكن اليوم أصبحت أثينا تباع في مزاد السوق العالمي.

          * يورغوس أفغيروبولوس