بتعدد فرق كرة القدم في المغرب، تتعدد المجموعات المشجعة أو ما يطلق عليها الألتراس والتي تنتشر في مختلف المدن المغربية وتضم في صفوفها حشودا من الجماهير تجتمع على هدف واحد داخل المدرجات والملاعب، وهو تشجيع فريقها بأهازيج وطقوس معينة.

حلقة (23/12/2015) من برنامج "تحت المجهر" سلطت الضوء على ظاهرة الألتراس في المغرب، ونقلت آراء ومواقف خبراء وعلماء النفس والاجتماع حول هذه الظاهرة، إضافة إلى نظرة بعض أعضاء الألتراس أنفسهم لما يقومون به داخل الملاعب.

وكما هو معلوم فقد ظهر مصطلح الألتراس في السياسة العربية قويا، بعد ثورة 25 يناير في مصر عام 2011، حيث شارك الألتراس في المظاهرات ضد الشرطة والنظام الحاكم، وكان تحولا من الرياضة للسياسة.

وتتعدد أسماء الفرق المشجعة في المغرب وفق النوادي الرياضية، فهناك الوداد والرجاء والتطواني وطنجة وغيرها، وكلها تحظى بالتشجيع من طرف الشباب المنتمي لهذه النوادي.

أستاذ علم الاجتماع النفسي د. محسن بنزاكور، يرى أن العاطفة هي التي تحرك الألتراس، ولا يتردد في اتهام الشباب المنضوي تحت هذه المجموعات المشجعة بممارسة العصبية والتطرف، وبأنهم يعيشون فراغا كليا من الجانبين العلمي والمعرفي.

الألتراس في المغرب-تحت المجهر (الجزيرة)

من جهته، الأستاذ الباحث بالسياسات الرياضية العمومية منصف اليازغي يرى أن ظهور الألتراس "شرعن العنف" وأعطاه غطاءً محددا حتى صار مرادفا للعنف، وقال إن هذه المجموعات لا تتوفر على ضوابط  قانونية.

نبذ العنف
غير أن رضى محمد من ألتراس لوس ماتادوريس-نادي المغرب التطواني يرفض أن يكون شباب الألتراس أصحاب عنف وشغب، ويؤكد أنهم ينبذون العنف داخل وخارج الملاعب، ويملكون أفكارا سلمية، كما أنهم يتطرقون لمواضيع مختلفة، سياسية واجتماعية، داخل الملاعب لكن في إطار محدود.

ويؤكد أن الشباب المنتمي لهذه المجموعات عنده طموحات، لكنه لا يحظى بالاهتمام.   

أما أستاذ الحكامة الرياضية د. عبد الرحيم غريب، فيقول إن المشجع يجد في الألتراس الانتماء الذي افتقده خارج الملاعب ويعوض من خلاله ما لم يجده من خلال الانتماء للمجتمع أو الحي أو الوطن. وهو ما يزكيه محمد بسام عقيل، ناطق باسم ألتراس هيركوليس، الذي يعتبر فريقه اتحاد طنجة "نمط عيش لا يقتصر على أيام المباريات بل يتعداه إلى أيام الأسبوع كاملة لحظة بلحظة".

ويضيف غريب أن الجماهير المشجعة فاعل أساسي في صنع الفرجة داخل الملاعب الرياضية، وأن الألتراس تملك قدرة على التعبئة أكثر من الأحزاب السياسية.

هل أنت مشجع لكرة القدم؟ هل التقيت مع مشجعي كرة القدم في الملاعب والشوارع؟ أمام التدفق اليومي للصور والأخبار حول مدرجات الملاعب في المغرب وفي دول عربية أخرى، كان لابد من طرح  تساؤلات حول الأسباب التي  أمكنها أن تحفز شيبا وشبابا على التعلق بفريق كرة قدم، والانتظام في تتبع أدق تفاصيل تسييره وإدارته، والمداومة على تشجيعه داخل وخارج مدينته الأصلية، بل   يتعدى الأمر ذلك إلى مرافقته خارج الوطن.

لم يعد حب فريق لكرة القدم، مجرد اختيار لانتماء، بل تحول إلى نمط تفكير بطقوس محددة أصبحت تشكل مظهرا من مظاهر التباهي بين جماهير الفرق المختلفة في مواجهة بعضها البعض.

ولأن سطوة الصورة صارت أقوى، و صارت معها مشاهدة مظاهر هذه الممارسة داخل مدرجات الملاعب طقسا شبه يومي ، فقد ارتأيت أن  يكون مجموع هذه التفاصيل  أساسا لحكي قصة وثائقية تساعد على فهم الظاهرة وتقريبها من المشاهد، عبر اختيار حالات تمثل عينات مختلفة من أصناف هذا الجمهور، من مدن الدار البيضاء والجديدة وطنجة وتطوان.

إنجاز عمل من هذا النوع لم يكن سهلا بالمرة، فالتوجس كان مسيطرا على أغلب أعضاء "ألتراس" ممن اقترح عليهم فريق العمل المشاركة في الحلقة، حتى أن غالبيتهم أبدت الموافقة الرسمية قبل أن تتراجع دون اعتذار بعد الاتفاق على  تفاصيل التصوير وعلى محاور النقاش.

كما أن غياب دراسات ومراجع كافية حول الظاهرة في المغرب حتم علينا التدقيق في اختيار بروفايلات محللين وباحثين بإمكانهم إغناء العمل علميا وأكاديميا.

من الناحية البصرية، كانت توقعاتنا أن ما  يقدمه جمهور كرة القدم في مختلف الملاعب المغربية من مظاهر احتفالية، سيضفي جمالية على الصور المسجلة. لكن رغبتنا في ضمان أكبر قدر من  جمالية  تلك  الصور شكلا ومضمونا،  فرض علينا التركيز على مواعيد مباريات بعينها، لأن طبيعة رهاناتها كانت تضمن حماسا وفرجة أكثر في المدرجات.

وفي مقابل كل هذا، تزامن تصوير موضوع الحلقة مع قرار مقاطعة جمهور الوداد لمباريات الفريق احتجاجا على طريقة تدبير رئيس الفريق وقتها لشؤون القلعة الحمراء ما وضعنا أمام موقف محرج مهنيا وأخلاقيا. فالحديث عن جمهور كرة القدم في المغرب  لا يستقيم في غياب جمهور الوداد. وأي تغييب له  سيضع العمل في مرمى اتهامات الانحياز لجمهور الرجاء، الغريم التقليدي للوداد في عاصمة المغرب الاقتصادية: الدار البيضاء. 

لكننا استطعنا تحويل هذا التخوف إلى مادة محايدة  أغنت القصة في مضمونها،  بالرغم من  أن ذلك  كلفنا زمنيا على المستوى الإنتاجي.

هذا العمل هو الأول من نوعه في المغرب، وبلا شك فهو سيكون إضافة مهنية لي وتجربة إنسانية لن تنسى. وآمل أن يغني النقاش، مهنيا وفنيا، دوافع وتطلعات أناس يتنفسون هواء اسمه كرة القدم.  فالتناول الإعلامي  لجمهور الكرة في المغرب، لا يتعدى حدود نقل أعداد حضوره في المباريات، والفرجة التي قد يصنعها قبل أن يصير ذكره ملازما لأعمال عنف داخل وخارج الملعب كظاهرة مستجدة في السنوات الأخيرة.

من خلال تجربة هذا الفيلم الوثائقي، صرت مقتنعة فعلا بأن لكرة القدم  طعما آخرا، ليس بالضرورة في حياة الجميع، لكن لي اليقين بأنها هي كذلك في حياة الكثيرين، إن لم أقل  الغالبية.

المخرجة: لبنى اليونسي