ببراءة ممزوجة بخوف وقلق، تحدث أطفال من سوريا استقرت بهم رحلة اللجوء في مخيمات في الأردن ولبنان، عن واقعهم المرير وعن ظروف دراستهم وكيف تغيرت عليهم المناهج، كما تحدثوا عن أحلامهم في العودة إلى بلدهم الذي دمرته الحرب.

رؤى وليليان العساف، طفلتان من دمشق قتل قناص والدتهما عندما خرجت لجلب بعض الحاجيات المنزلية، واعتُقل والدهما بعد أيام من ذلك، ليتم نقلهما إلى الأردن ليعيشا تحت رعاية عمتهما وجدتهما اللاجئتين هناك.

تقول رؤى (12 عاما) لحلقة (25/11/2015) من برنامج "تحت المجهر"، إن حياتهم في سوريا كانت جميلة، وإنها ترفض أن توصف باللاجئة. بينما يصف أحمد إبراهيم (10 أعوام) المتواجد في بعلبك بلبنان حياتهم السابقة في سوريا بأنها كانت جنة، ويتكلم عن الحميدية وعن إدلب وحمص ودرعا ومخيم اليرموك.

ثائر الحوشان -وهو والد لثلاثة أطفال- يصف أوضاع أطفال سوريا في المخيمات بأنها مأساة، فالطفل لا يستطيع القيام بواجباته المدرسية على أكمل وجه بسبب الظروف السيئة، وعلى رأسها عدم توفر الكهرباء، ويقول إن جيلا كاملا ضاع في سوريا لأن التعليم دمر.

ملعب مدرسة في مخيم الزعتري (الجزيرة)

وبينما تشير مندوبة منظمة اليونيسيف في الأردن زين الطيّب إلى مشكلة الاكتظاظ في المدارس، تؤكد مديرة قسم الإعلام والاتصال في اليونيسيف بلبنان سهى بساط البستاني أن اللاجئين السوريين يعيشون في 1500 تجمع غير نظامي، وأن 80% من هؤلاء يعيشون في مناطق فقيرة في لبنان.

وبحسب سهى فإن هذه الظروف تؤثر بشكل كبير على الأطفال الذين يدرسون، إضافة إلى أن صور القصف والدمار الذي شاهدوه في بلدهم بقيت راسخة في أذهانهم وقلوبهم.

صعوبة مناهج
ويقر الأطفال الذين تحدثوا لحلقة "تحت المجهر" بأن عقولهم تكون شاردة خلال الدروس، وتقول أميمة الحوشان (14 عاما) إن جوارحها تكون مع سوريا ومع ما يمكن أن يحدث لأحد من أقاربها بسبب الحرب هناك. ونفس الشهادة أكدتها الطفلة رؤى والطفل سلام بيان وغيرهم.

وكشف بعض الأطفال عن الصعوبات التي تواجههم في المدارس التي التحقوا بها حاليا، فهناك من أشار إلى صعوبة المنهاج الدراسي في الأردن مقارنة مع المنهاج السوري، ومنهم من تحدث عن اللغة الإنجليزية التي حلت محل الفرنسية التي كانت تدرس في مدارس سوريا.

في حين قال أحد الأطفال إن عائلته لا تستطيع أن توفر له الكتب والقرطاسية.

ولكن رغم ما يمر به أطفال سوريا من معاناة قضت على طفولتهم وبراءتهم، فإنهم يتشبثون بالحلم بالمستقبل، فمنهم من قال إنه يحلم أن يصبح مهندسا حتى يبني بلده، وآخر قال إنه يريد أن يصبح طبيبا يعالج الناس، وكلهم حلموا أن يرجعوا إلى بلدهم سوريا.

ولدت فكرة حلقة "تحت المجهر" التي تحمل عنوان "مدارس بلا سقف" من الحاجة الملحة إلى تسليط الضوء على مشاكل إنسانية وحياتية عميقة يعاني منها النازحون السوريون، ومن بينها بالطبع قضية تعليم الأبناء.

بدأ العمل من خلال بحث جوانب هذه القضية في لبنان فقط، وفي مرحلة ثانية امتد البحث والعمل  إلى  الأردن التي أقيم على أرضها أكبر مخيم للنازحين السوريين: مخيم الزعتري.

تكاثفت عوامل البؤس لتزيد محنة السوريين اشتداداً، من ظروف الطقس القاسية، إلى الوضع الاقتصادي  السيء مروراً بتزايد أعداد النازحين، وكلها عوامل جعلتهم يعيشون واحدة من أسوأ المراحل في شتاء وربيع عام 2015.

قضية التدريس، تحولت إلى قصص لبنات وأولاد  شكلت أساس فيلم وثائقي مثلت فيه كل قصة  قضية ومحورا يرتبط بعضها ببعض. أبطال وبطلات  حلقة "مدارس بلا سقف" كلهم أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و16 ، حكوا قصصهم وقصص نزوح ومخيمات ومدارس بلا سقف.

خصصنا مرحلة طويلة من مرحلة الإعداد للفيلم للبحث وعمليات الإنتاج ما قبل التصوير في كل من الأردن ولبنان، وفي تلك المرحلة قمنا باختيار الشخصيات الأنسب للفيلم وموضوعه. كانت تلك عملية ممتعة، فالتواصل مع الأولاد والبحث عن شخصيات الفيلم بينهم أغنى العمل، لكنها كانت، بالمقابل، المرحلة الأصعب في عملية   الإنتاج.

 كان لزاما علينا  أن نبذل جهدا  كبيرا لكسر الجليد وإقامة علاقات متينة مع النازحين الصغار.  كان الحذر مسيطرا على الأولاد وأهاليهم، وكانوا يرفضون الظهور وعرض حالاتهم، خاصة أولئك الذين يعيشون فقراً مدقعاً. الأولاد أنفسهم كانوا يعانون من آثار صدمات الحرب والنزوح، وهي معاناة يمكن فهمها وتلمسها من خلال التلعثم في الكلام والصعوبة في التعبير عن الذات، حيث كان ردودهم على أسئلتنا  إجابات مكررة وبجملٍ قصيرة جداً.

جهِدنا لطمأنه شخصياتنا، ومساعدتها على التعبير بوضوح عن قصصها، واضطررنا مراراً إلى الاستغناء عن قصص معبرة أبدى أصحابها، عند التصوير، تراجعا وتمنعا عن الحديث أو ضعفا في التعبير،  ليتم استبدالهم بآخرين أكثر قدرة على الكلام والحكي.

حلقة  "مدارس بلا سقف" تجربة مميزة بالنسبة لي كمخرجة، فهي المرة الأولى التي أتعامل فيها مع أطفال كانوا أبطال الفيلم، بل إنهم هم شخصيات العمل الرئيسة، يُضاف إليهم أربعة راشدين يظهرون كشخصيات ثانوية في هذا الوثائقي.

تجربة غنية
"مدارس بلا سقف" هو فيلم عن  أطفال، وبلسان الأطفال، وهو بهذا المعنى فيلم أفتخر به في مسيرتي. أفتخر بهذه التجربة الغنية التي لامست فيها، أنا وفريق العمل كله، مستويات عميقة في البحث في ذات شخصياتنا، في مسعى  لفهم وتخيل مستقبل الشخصيات التي تحملت ولا تزال صدمات الحرب والنزوح ،  وواجهت في سن مبكرة  صعوبات الحياة التي تعتبر عمالة الأطفال وجها من أوجهها.

كانت التجربة غنية، لأن هؤلاء الصغار  قدموا لي ولفريق العمل دروساً مهمة  في التشبت بالأمل رغم قساوة ظروف العيش.

آمل أن يلعب الفيلم دوره في دق ناقوس الإنذار بالنسبة لمختلف الأطراف لدعم وحماية الأطفال السوريين الذين سُرقت منهم طفولتهم وتُركوا وحيدين في مواجهة قساوة الواقع قبل الأوان.

المخرجة: ميرنا شبارو