يعيش المتقاعدون بين شاطئي المتوسط مفارقة إنسانية وقانونية وسياسية، حيث إن المتقاعد الأوروبي يستطيع الهجرة ناقلا معه حقه التقاعدي كاملا، بينما المتقاعد المغاربي في أوروبا تواجهه قوانين صارمة تمنعه من العيش بشكل دائم في وطنه، لأن ذلك سيفقده جزءا كبيرا من تعويضاته التقاعدية.

حلقة (7/10/2015) من برنامج "تحت المجهر" سلطت الضوء على هذه المفارقة الإنسانية.

أكثر من ثمانمئة ألف متقاعد من الدول المغربية وجنوب الصحراء يعيشون في فرنسا ولا يحملون الجنسية الفرنسية، ووفق قوانين فرنسا فإن أيا منهم إذا أقام في بلده الأصلي أكثر من ستة أشهر يُقطع عنه الجزء الأكبر من حقوقه التقاعدية المتمثلة في التقاعد التكميلي والتغطية الصحية وتعويضات السكن.

عمر أيت الصغير متقاعد مغربي من مواليد 1950 يعيش في مونت لاجولي في فرنسا، يقول إنه يعيش في سجن وجحيم، وإن آلاف المهاجرين المغاربة الذي جاؤوا إلى فرنسا وعملوا بها يعيشون حياة التشرد.

محامد آيت واكريم (75 عاما)، متقاعد مغربي عاش في فرنسا 45 عاما وحصل على التقاعد عام 1993، لكنه اليوم يعيش متنقلا بين بلده الأصلي وفرنسا لأنه مضطر لتحمل هذا الأمر حتى لا يجرد من حقوقه التقاعدية.

ناضل المتقاعدون من شمال أفريقيا وخاضوا الإضرابات في فرنسا لإسماع صوتهم (الجزيرة)

الحاج بلقاسم شميث متقاعد تونسي يعيش في ضاحية أوبرفيلييه في العاصمة الفرنسية باريس، جاء إلى فرنسا عام 1972، واشتغل في ظروف قاسية من أجل الحصول على تقاعد، لكنه أيضا يعاني مثل أقرانه المهاجرين الآخرين.

ويصف المحلل الاقتصادي محمد الشرقي الوضع في فرنسا بالصعب جدا لأن هناك أناسا تجاوزت أعمارهم الثمانين ويطلب منهم البقاء في فرنسا لتقاضي معاش بسيط بدل تقاعد.

وكانت ما تعرف بقضية "الشيبانيين" أي كبار السن، قد انفجرت مع بداية القرن الـ21 في فرنسا، بسبب الظلم الكبير الذي يعانيه آلاف المهاجرين الذين تحملوا طيلة إقامتهم بفرنسا ظروفا معيشية ومهنية صعبة، وكان أملهم الحصول على تقاعد كريم.

حقوق للأوروبيين
وبخلاف ما يعانيه أيت الصغير وغيره من المهاجرين المغاربة في الدول الأوروبية، يعيش المهاجرون الأوروبيون في المغرب وتونس في ظروف جيدة، وهو حال آنا ماري لوغران، المتقاعدة الفرنسية التي تعيش في مراكش المغربية، وروبير ستيرز المتقاعد البلجيكي الذي يعيش في ريف مراكش، و ماورو سانسويني المتقاعد الإيطالي الذي يعيش في الحمامات بتونس.

وبحسب المتقاعد الإيطالي، فإن نسبة الضريبة على دخل التقاعد في إيطاليا تتراوح بين 40 و45%، وفي تونس فهو لا يدفع سوى ما بين 4 و5%، ولذلك فهو يوفر مبالغ كبيرة.

ويعيش في المغرب خمسون ألف متقاعد فرنسي بشكل دائم، وفي عام 2014 أقرّ البرلمان الفرنسي قانون التعويضات التقاعدية، الذي نصّ على فتح الباب أمام المتقاعدين الفرنسيين للعيش خارج دول الاتحاد الأوروبي، متمتعين بكامل تعويضاتهم الاجتماعية، بينما يحرم هذا القانون المتقاعدين من جنسيات أجنبية من هذا الحق، حتى ولو عاشوا وعملوا في فرنسا عقودا طويلة.

حلقة "تحت المجهر" وعنوانها "جمرة التقاعد" رحلة في عمق قضية نمت وراء ظهور الدول التي تصدر المهاجرين وتلك التي تستقبلهم. فعندما كان الاهتمام منصبا على جذب العمالة الرخيصة إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كان التركيز على العمال الشباب الذين يوافقون على العمل ساعات طويلة وفي ظروف صعبة.

 لم يفكر أحد آنذاك أنهم سيعملون عقودا في أوروبا، وسيبلغون سن التقاعد على الأراضي الأوروبية.

خلال إنتاجنا لـ "جمرة التقاعد" تكشف لنا حجم الإشكالية، وكان من الصعب الإحاطة بكل تفاصيل مشكلة المتقاعدين المغاربيين في أوروبا، لذا قررنا التركيز على الحالتين الهولندية والفرنسية لاعتبارين: الأول أن قوانين هولندا الخاصة بالتقاعد التي بدأت منذ عام 2014 تميل نحو مزيد من التشدد ضد المتقاعدين الأجانب مقارنة بباقي الدول الأوروبية

والاعتبار الثاني هو أن علاقة فرنسا بدول المغرب العربي متداخلة جدا، إلى درجة أن المتقاعدين الفرنسيين يفضلون العيش في تونس والمغرب بسبب رخص الحياة وسهولة الاندماج، ولهذا كان البعد الثاني للفيلم يسلط الضوء على الحياة المرفهة للمتقاعد الأوروبي في بلاد المغرب العربي ومقابلتها بحياة المتقاعد المغاربي الصعبة في أوروبا.

لم تكن القضية في عمقها سهلة، لأنها قضية قانونية إنسانية سياسية، كما واجهتنا مشكلة إيجاد الضيوف للحديث أمام الكاميرا، فمعظم المتقاعدين المغاربيين في فرنسا وغيرها غير متعلمين وأفنوا حياتهم في العمل فقط ولا يعرفون حتى حقوقهم، لذا استعنا بجمعيات وخبراء وسياسيين لهم علاقة مباشرة بهذا الموضوع وجربنا في فرنسا الحديث لحوالي 15 متقاعدا لنختار منهم اثنين في النهاية، يستطيعان شرح القضية بتفاصيلها، وحكاية قصتهما أمام الكاميرا.

كما أن التصوير في تونس والمغرب وهولندا وفرنسا جعلنا أمام إشكالية تنسيق عناصر الفيلم خاصة وأن الحالة المغربية والتونسية متشابهة كثيرا، وكذلك الحالة الفرنسية والهولندية من حيث القوانين ومن حيث تخبط المشرِّع في كلتا الدولتين في بلورة قوانين هدفها الأول خفض الإنفاق العام ولا بأس إن أجحفت في حق المتقاعد.

إنتاجيا عملنا مع عدة مصورين كون الإنتاج في أربع بلدان، وساعدنا كثيرا اعتمادنا على منتجين ميدانيين متخصصين في كل دولة على حدة. بالطبع يتعلم الإنسان من أخطائه، ولن أنسى في إخراج هذه الحلقة كيف صورنا في فرنسا ثلاثة أيام، ثم عدنا للمونتاج لنكتشف أن كل التصوير غير مناسب لخطأ تقني في الكاميرا، مما اضطرنا إلى العودة مرة أخرى لفرنسا، وإعادة التصوير.

في المغرب وتونس كانت مشكلتنا أن المجتمع المدني والسياسيين والخبراء لازالوا غير مهتمين بإشكالية المتقاعدين المغاربيين، ولم نجد سوى نائبة برلمانية واحدة فقط بدأت تثير النقاش حول هذه القضية بمحض صدفة جمعتها في إحدى المناسبات بناشط اجتماعي من أصل مغربي يعمل في فرنسا وهما معا من أبطال فيلمنا.

في المقابل أصبحت ظاهرة توافد المتقاعدين الأوروبيين بكثرة إلى المغرب - وبوتيرة أقل إلى تونس - معروفة لدى الجميع وتفاجأنا بحجم الاهتمام السياسي بالموضوع وكثرة المشاريع الموازية التي بدأت تنمو.

يسعدني أن أشير هنا للموسيقى التصويرية في هذه حلقة " جمرة التقاعد" التي ساهم فيها الملحن السوري زياد حلبي، فقد اختار ألحانا تعبر عن الأمل والعتاب وأعتقد أننا وفقنا في ذلك لأن الفيلم هو شرح لقضية أبطالها على كلا ضفتي المتوسط يأملون في حياة أفضل، بينما أمل المغاربة من جنوب المتوسط المضطرون للتقاعد في دول الضفة الشمالية مفعم باللوم على دولهم التي تنكرت لهم في أرذل العمر.

بعدما أنقذوا ملايين الأسر من الفقر لعدة عقود، وهم اليوم عاجزون عن العودة إلى الوطن والموت على أرضه بسبب قوانين قابلة بجرة قلم أن تتغير إذا توفرت الإرادة السياسية والقانونية لذلك.