تروي الأسطورة أن سفينة أبحرت من لبنان متجهة إلى أميركا الشمالية، لكنها توقفت في الطريق عند ساحل أفريقيا الغربي، فنزل لبنانيون، غير أن السفينة أبحرت ونسيتهم في القارة السمراء.

هذه الأسطورة رددها مهاجرون لبنانيون في حديثهم لحلقة (14/10/2015) من برنامج "تحت المجهر" عن بداية تدفق أجدادهم على القارة السمراء منذ القرن الـ19، وكيف اندمجوا في المجتمعات الأفريقية وكونوا مصادر رزق تعيلهم وأولادهم.

غسان نحلة، صاحب مطعم في أبيدجان بساحل العاج، جاء إلى هذا البلد الأفريقي رفقة عائلته وأسس حياة خاصة به، لكن الحنين إلى الوطن الأم لا يفارقه، وتقول زوجته فدوى إنها تزور لبنان هي وأولادها كل عام وتبقى هناك شهرين.

محمد لقيس، طبيب وعضو بلدية، ولد في قرية صغيرة في ساحل العاج في مايو/أيار 1963، كان والده قد هاجر من لبنان إلى هذا البلد الأفريقي عام 1956، بينما ولدت والدته هناك.

نجح هذا الطبيب في الاندماج في المجتمع الذي ولد فيه، وعيادته يقصدها الناس من أصول لبنانية وأفريقية، حتى أنه لم يزر بلده الأصلي إلا وهو في سن 32.

من جهتها، تقول الأخت تيريزا ماري، مديرة مدرسة في أكرا بغانا، إن انتماء اللبنانيين في الدول الأفريقية هو لوطنهم الأصلي لبنان الذي تجد فيه روح العائلة.

والانطباع نفسه تحمله زيتا فضّول، دبلوماسية من غانا، لكنها نصف لبنانية من جانب والدها. تقول زيتا إن اللبنانيين شعب يعمل بكد ولا مشكلة لديه في الاندماج مع المجتمع.

وبحسب مديرة مركز دراسات الانتشار اللبناني غيتا حوراني فإن عدد المهاجرين اللبنانيين في القارة السمراء يتراوح بين 220 و270 ألفا، وكلهم هاجروا خلال ثلاثين وأربعين سنة.

أسباب 
ويرجع رئيس تحرير مجلة المغترب في لبنان زهير الدبس أسباب هجرة اللبنانيين إلى الدول الأفريقية إلى الأوضاع الاقتصادية والسياسية، والخوف من وقوع خلافات وصراعات بين مختلف الطوائف.

كما يربط نعمان الأشقر، رجل أعمال لبناني في أكرا بغانا، موجة الهجرة بالجوع الذي حل بلبنان في فترة من الفترات. مع العلم أن الهجرة تزايدت خلال اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، وما تلاها من حروب إسرائيلية ضد لبنان.

ورغم نجاح اللبنانيين في دول القارة السمراء في بناء مستقبل لهم ولأولادهم ومساهمتهم في اقتصادات تلك الدول، فإنهم يتعرضون أحيانا لمشاكل ومضايقات، حيث تأثروا بالانقلابات العسكرية التي شهدتها بعض الدول.

ولم يسلم المهاجر اللبناني خلال الاشتباكات التي وقعت في ساحل العاج عام 2011، ومع ذلك لم تتحرك الدولة اللبنانية لإجلائهم مثلما فعلت فرنسا مع رعاياها.

عرف المجتمع اللبناني ظاهرة الهجرة منذ مئات السنين، ولعل كل عائلة تجد فيها مهاجراً ترك لبنان لأسباب عدة تصب جميعها في تحسين معيشته. أفريقيا كانت إحدى محطات الهجرة القديمة والحديثة، وقد ارتبطت هذه المحطات بأحداث تاريخية مرّ بها لبنان.

كان الهدف من هذه الحلقة لبرنامج "تحت المجهر" إلقاء الضوء على تجربة مهاجرين لبنانيين في أفريقيا، وتحديداً غرب القارة. خلال الفيلم يروي الضيوف قصصهم وقصص أجدادهم الذين قدموا قبلهم والصعوبات التي واجهتهم وتواجههم اليوم في اندماجهم بالمجتمع المهاجر، وكيف استطاعوا الحفاظ على علاقتهم بالوطن الأم.

تبين خلال عملية البحث أن هناك غيابا لإحصاءات دقيقة لأعداد اللبنانيين وطبيعة أعمالهم، وكذلك لتاريخ الهجرة، كما أن معظمهم حصل على جنسية البلد المهاجر إليه وذلك لكونه أصبح من جيل ثالث ورابع من المهاجرين، كذلك ضعف دور السفارات اللبنانية في بلاد الاغتراب جعل عملية التواصل مع المهاجرين لها أطراف وأبواب عدة.

حاول الفيلم متابعة عائلة آل نحلة، عائلة جنوبية تركت لبنان إلى ساحل العاج في موجات هجرة أخيرة، بعد التدهور الاقتصادي والاجتماعي جراء حرب إسرائيل عام 2006، إذ شكّل الجنوب اللبناني خزاناً بشرياً لساحل العاج منذ بداية الحرب الأهلية عام 1975 وحتى اليوم. وتشكل عائلة نحلة نموذجاً كلاسيكيا لمهاجرين لبنانيين في أفريقيا.

ويروي الفيلم أيضاً قصة رجال أعمال في أفريقيا، نعمان الأشقر ومحمد قعفراني ونهاد قلومني، لكل منهم حكاية وعلاقة خاصة بلبنان، يحملون جنسية البلد المهاجر، أنشؤوا أعمالاً مزدهرة ولهم حضور اقتصادي قوي في بلد المهجر.

ومثالاً على اندماج اللبنانيين في مجتمعاتهم، تتحدث السيدة زيتا فضول -وهي من أب لبناني وأم أفريقية-عن أهمية الجذور، وكيف يمكنها أن تحمل هوية بلدين في آن معا، وخاصة أنها تولت حقيبتين وزاريتين واليوم تمثل غانا في سفارتها في التشيك.

كذلك محمد لقيس، طبيب من أصل لبناني ولد في ساحل العاج ويحمل جنسيتها، انخرط في العمل البلديّ إضافة إلى عمله طبيبا، يتحدث عن سيرته محاولاً تغيير الصورة النمطية للمهاجر، فاللبناني المهاجر ليس بالضرورة ثرياً، ثمة بؤس حتى عند المهاجرين.

ومن شخصيات الفيلم، الأخت تيريز ماري، مديرة مدرسة لبنانية في غانا، تتحدث عن أهمية التربية في المجتمعات المهاجرة، وكيف يمكن الحفاظ على هوية المهاجر عبر اللغة والنظام التربوي والتعاليم الدينية والاجتماعية، فالمدرسة -المنزل الثاني- يمكنها أن تكوّن العلاقة مع الجذور.

رصد الفيلم مشاهد لأفريقيا وسكانها وقدّم رواية مهاجرين لكل منها أحداث وظروف مختلفة، نقلت واقعاً لا يعرفه الكثيرون، ليس كل مهاجر صاحب رأس مال وأوضاعه المادية أو حتى الاجتماعية ممتازة، منهم من يعيش حياة نعيم، يبقي علاقة مع البلد ولكن يعرف أن مستقبله في أفريقيا، ومنهم من يفكر دائماً بهاجس العودة.

وفي بلاد المهجر يتمسك المهاجرون بتقاليدهم وينقلون مجتمعاتهم معهم، يخافون الانسلاخ عن جذورهم فيزرعونها هناك.

صلاح شعيب