بنياط أورسبيغي (27 عاما) الحاصل على دبلوم في الهندسة، هو واحد من الشباب الإسباني الذين قرروا الهجرة إلى بلدان أخرى ومن بينها المغرب، بعدما أجبرتهم الأزمة الاقتصادية في بلادهم على الرحيل.

فقد عصفت الأزمة المالية في إسبانيا منذ عام 2008 بستة ملايين وظيفة، ووصلت معدلات البطالة إلى أكثر من 29% وفق إحصائيات عام 2013، مما جعل هذا البلد يتصدر قائمة الدول الأوروبية التي تعاني من ارتفاع كبير في معدلات البطالة.

كما تسببت الأزمة المالية في فقدان الإسبان للخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة، وهناك 600 ألف أسرة لا تملك أي نوع من الأجور.

وبحسب أورسبيغي، فإن إسبانيا تفقد تدريجيا قوتها الصناعية، وأنه إذا تفاقمت الأوضاع سيواجه المواطن الإسباني في مختلف المجالات صعوبات في سوق الشغل، مما يدفعهم للهجرة إلى بلدان أخرى.

يتوقع هذا الشاب الإسباني أن يواجه صدمة ثقافية قوية في المغرب، ويعتبر هجرته تجربة مثيرة جدا في بلد مسلم، لكنه يصر على العيش هناك.  

أما نتاليا، وهي مصممة أزياء إسبانية بالدار البيضاء وتعيش في المغرب منذ أربع سنوات، فتقول لحلقة 8/1/2015 من برنامج "تحت المجهر" إنها واجهت في البداية صعوبات بسبب اللغة خاصة، لكنها استطاعت أن تتأقلم مع المجتمع المغربي، وهي تصوم خلال شهر رمضان الكريم احتراما منها للمغاربة الذين تؤكد أنهم غير منغلقين.  

ماركوس وأنطونيو عاملان في صناعة الرخام بطنجة، فقدا وظيفتيهما وأحلامهما في بلادهما بسبب الأزمة المالية، ولهما أيضا تجربتهما مع المجتمع المغربي، ومع المغرب الذي يعتبره أنطونيو طوق نجاة للإسبان.

من جهته، استطاع خوان كارلوس، صاحب مطعم إسباني بطنجة، أن يستقر في المغرب، ويقول إن طنجة هي القاعدة الأولى لتنفيذ مشاريع أخرى له.

مع العلم أن معدلات البطالة في المغرب تقدر بحوالي 10% وفق إحصائيات عام 2014. ومعدل الأجور في المغرب يقل ثماني مرات عن إسبانيا.

عشرة آلاف
ويؤكد بيري نافارو، وهو ملحق اجتماعي بالسفارة الإسبانية بالرباط، أن هجرة الإسبان إلى المغرب ليست جديدة، فهناك تاريخ طويل للوجود الإسباني في هذا البلد العربي، ويشير إلى أن هذه الهجرة تراجعت في وقت من الأوقات ثم عادت في المدة الأخيرة بسبب الأزمة المالية.

وقدر نافارو عدد الإسبان العاملين في المغرب بعشرة آلاف شخص، وهو نفس تقدير وزارة الخارجية المغربية، رغم أن الواقع يشير إلى أن عددهم يقدر بأكثر من ذلك، لأن بعضهم يفضل العمل بطريقة سرية.

وبحسب أستاذ الاقتصاد بجامعة عبد الملك السعدي بطنجة الصديقي عبد الرحمن فلا توجد دراسات علمية متعلقة بهجرة الإسبان، وهي الهجرة التي يعتبرها غير منافسة لمناصب شغل المغاربة وإنما مكملة لهم.

بينما ترى رئيسة المركز الدولي لتعزيز الشراكة الأوروبية الأفريقية سعيدة العثماني أن هذه الهجرة غير واضحة المعالم للمواطن المغربي العادي، الذي لا يزال ينظر للإسباني كسائح أو كرجل أعمال.

يذكر أن علاقة إسبانيا والمغرب معقدة، وتحتل إسبانيا منذ القرن السادس عشر  مدينتي سبتة ومليلة.

الأزمة التي ضربت إسبانيا لعدة سنوات، دفعت أعدادا كبيرة من المواطنين الإسبان إلى الهجرة. العديد من هؤلاء هم من الشباب الذين يشعرون بالإحباط جراء توقعاتهم المستقبلية، ولا بديل لديهم لكسب العيش إلا الهجرة كما فعل أجدادهم. 

ولكن على عكس أسلافهم، اختاروا الذهاب لموانئ و مدن أخرى لبدء رحلتهم من جديد. المغرب هو واحد من تلك النقط الرئيسية التي تعرف تدفقات الهجرة الجديدة للشباب الإسبان.

موجات الهجرة من الجنوب، و خاصة من المغرب العربي إلى أوروبا، تغيرت الآن. وها هم الإسبان  يقررون السفر للبلدان الأفريقية. مضيق وبضع كيلومترات تفصل بلدين وقارتين وثقافتين وطريقتين لرؤية العالم، على مسافة واحدة من التحامل والأحكام المسبقة، توحدهما الجغرافيا والتاريخ.

بلباو وسان سيباستيان، والدار البيضاء وطنجة، هي المواقع التي صورنا فيها  قصص شخصيات حلقة "الشاطيء الآخر" من برنامج "تحت المجهر".

فكرة مرافقة شاب باسكي في رحلته إلى الدار البيضاء بالمغرب، جذبت اهتمامنا، فهو واحد من هؤلاء الخريجين الشباب الذين لا يتوقعون شيئا من بلادهم. يسافر باسكي مدعوما بتكوينه المهني ورغبته في الغوص في ثقافة أخرى.

في نفس المدينة، الدار البيضاء، التي تعتبر المركز الصناعي الرئيس والمعقل الأساس للمجتمع المغربي، تعيش ناتاليا، مصممة ملابس إسبانية شابة، منذ بضع سنوات. تشتغل وهي محاطة ببريق عالم الموضة وقيم المرأة الإسلامية. هنا خبرت معنى التسامح وقبول الآخر.

قصتان أخريان تمثلان نماذج مختلفة من الاندماج، طاه إسباني بمدينة  طنجة الذي فتح مطعمه الخاص لتقديم الطعام الإسباني للعمال ورجال الأعمال الإسبان. مطعمه جزيرة ثقافية وسط هذا الجيب الأفريقي، وعلاقته  مع المجتمع المغربي تبدأ و تنتهي مع عمله. هدفه الوحيد هو العودة يوما ما.

شخصيتنا الرابعة، وجدت طريقة لإعادة بناء حياتها من جديد هنا. ماركوس، شخصيتنا الأكبر سنا، يعمل في عالم البناء، وهو خير مثال على الاستيعاب، لا يرى مستقبلا له إلا على  الجانب الجنوبي من المضيق.

كل هذه القصص تمثل حالات اختلفت  أنماطها في طريقة الاندماج، و هدفنا كان هو تسليط الضوء على كيفية استجابتهم لدورات الهجرة التي لا تحدث عشوائيا، والتي تتزامن مع الركود الاقتصادي في بلدانهم، والتي تتكرر على مر التاريخ، لكنها تختلف عن الهجرات الأخرى. المغرب ليس فقط أرض الفرص ولكن أيضا بلدا يوفر استقبالا، وتوأمة قائمة على الصداقة والرعاية.

مع كل هذه المعاناة الاقتصادية والاجتماعية وحتى الوجدانية، سر اندماج المهاجرين يكمن في علاقة التفاهم المتبادل بينهم وبين البلدان التي تستقبلهم، وأيضا التأمل الذاتي لظاهرة الهجرة والسعي لإعادة النظر في مواقفنا داخل حدودنا.

نفس التكوين ينطبق على فريق العمل، الذي جمع بشكل متناسب، مغاربة وإسبان. كانت فرصة سانحة للمعرفة والتعلم. وحيث أن الفيلم صنع بين المغرب و إسبانيا، فإن هذه الميزة جلبت العديد من الإيجابيات والمخاوف كذلك. فالمسافة و صعوبة فهم بعضنا البعض، وكذلك المدة المخصصة للتصوير، جعلتنا  نذهب في اتجاه بعيد عن الارتجالية، مركزين على صناعة مشاهد محدودة في وقتها، لكنها أكثر إدراكا للواقع.

باختصار، يمكننا القول أن دينامية العمل، جعلتنا نتحدى ونثري الموضوع دون أن نكون على علم مسبق بالعديد من الأشياء. الفريق اشتغل لتحقيق هدف مشترك، وهو تطوير تجربة خطاب موحد.

المخرج: خوليو أسكاراتي