فتح الفيلم التسجيلي "عالقون في اليمن"  الذي بث يوم 10/9/2014 ضمن سلسلة "تحت المجهر" ملف مأساة اللاجئين الصوماليين الذين فروا من جحيم الحرب الأهلية في بلدهم إلى اليمن، لكن الظروف كانت أقسى وأمر.

محمد أبو بكر، مواطن صومالي معاق اضطرته ظروف بلده السيئة إلى اللجوء لليمن، لكن حاله لم تكن أفضل هناك. ومثله العديد من الصوماليين الذين يتوزعون على مخيمات في ربوع اليمن يعيشون حياة قاسية لم يجدوا من ينقذهم منها.

أبو بكر يعيش وحيدا في مخيم خرز لحج يعبر عن همومه ومشاكله بالرسم، ويشده الحنين إلى وطنه، ويقول إنه يتمنى الموت على أرض الصومال لأنه لن يجد أهلا يدفنونه في اليمن.

يقر أحد المهربين اليمنيين بأنهم يعذبون ويضربون الصوماليين لسلب أموالهم، وهو حال لاجئة قالت إنها تعرضت ومن كانوا معها بعد نزولهم من القارب الذي جاء بهم لليمن للضرب والتعذيب والاغتصاب
وقد لجأ العديد من الصوماليين إلى اليمن في فترة التسعينيات وحتى قبلها بسبب الحرب الأهلية في بلدهم، وما نجم عنها من انفلات أمني واغتيالات، إضافة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية.

سياسة الباب المفتوح
وحسب الدكتورة سارة العراسي، المدير العام لمركز دراسات الهجرة واللاجئين في جامعة صنعاء، يعود اختيار الصوماليين لليمن لقربها من الصومال، والعلاقات الممتدة بين البلدين، إضافة إلى أن صنعاء اتبعت منذ العام 1991 ما تسمى بسياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين الصوماليين.

هذا الواقع المزري في الصومال كان سببا لهجرة راحة شريف أبو بكر من مخيم البساتين بعدن، والتي كشف الفيلم أنها لجأت إلى اليمن بعد مقتل زوجها واغتصاب ابنتها أمام عينيها، لتصبح حاملا وهي في سن الحادية عشرة.

قالت هذه السيدة إنها شدت الرحال إلى اليمن رفقة ستمائة شخص على متن مركب وسط معاناة كبيرة قبل وصولهم إلى السواحل اليمنية حيث رفض دخولهم في بداية الأمر.

ويقول أحد المهربين الصوماليين إنه يتقاضى عن تهريب الشخص الواحد ما قيمته مائة دولار، وإن الرحلة من بوصاصو بالصومال إلى اليمن تستغرق عشرين ساعة وتكون حمولة السفينة بين 80 و90 شخصا.

ويقر عبد الله جامح صالح، وزير الموانئ والنقل البحري ومكافحة القرصنة في حكومة بونتلاند بالصومال بوجود مهربين، لكن بعدد قليل بسبب الجهود التي تبدلها حكومته مع دول الجوار في مكافحة هذه الظاهرة، حسب قوله.

مشاكل ومعاناة
ويشتكي اللاجئون الصوماليون في المخيمات من مشاكل عديدة، منها نقص الخدمات والرعاية الصحية وعدم توفر فرص العمل، وهو ما تؤكده اللاجئة راحة شريف أبو بكر بقولها إنها تتسول في الطرقات من أجل إعالة أولادها وأحفادها.

كما لم يعثر اللاجئ بركات أحمد على وظيفة تليق بمستواه رغم أنه يملك الخبرة ويتكلم خمس لغات أجنبية.

ويلخص محمد نور جعل، مستشار الشؤون السياسية لرئيس الوزراء الصومالي حال هؤلاء اللاجئين بالقول إنهم يعيشون حياة دون المستوى الإنساني بدرجة كبيرة، واتهم الهيئات المسؤولة عنهم بالتقصير في عملها.

غير أن يوهانس فان ديركلاوو، ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بصنعاء يتحدث عما سماه خططا وضعت منذ عشر سنوات لمساعدة الصوماليين، وقال إنهم يحتاجون لخدمات عامة كأبناء الشعب اليمني.

في ظل هذه الظروف الصعبة، اضطر بعض اللاجئين الصوماليين في اليمن إلى العودة طوعا إلى بلدهم رغم مشاكلها الكبيرة، وينطبق هذا الواقع على اللاجئة حليمة التي تقول إنها رجعت حتى لا تكون تحت رحمة أحد

وحسب المسؤول الأممي ليس وضع اليمنيين أفضل من الصوماليين، حيث يعانون بدورهم من مشاكل وفقر.

تهريب ونهب
وزيادة على مشاكلهم اليومية داخل المخيمات، يتعرض اللاجئون الصوماليون لعمليات تهريب من أجل نهب الأموال التي تكون بحوزتهم رغم قلتها.

ويقر أحد المهربين اليمنيين بأنهم يعذبون ويضربون الصوماليين لسلب أموالهم، وهو حال لاجئة قالت إنها تعرضت ومن كانوا معها بعد نزولهم من القارب الذي جاء بهم لليمن للضرب والتعذيب والاغتصاب.

ويتحدث مدير أمن محافظة الحديدة، العميد الركن أحمد المقالح عن ضبط عدة حالات للتهريب في منطقة الزهرة.

كما يؤكد المدير العام لمديرية الزهرة بمحافظة الحديدة عبد الرحمن الرفاعي عثورهم على عدة أوكار للمهربين وقعت فيها حالات تعذيب للصوماليين.

وفي ظل هذه الظروف الصعبة، اضطر بعض اللاجئين الصوماليين في اليمن إلى العودة طوعا إلى بلدهم رغم مشاكلها الكبيرة، وينطبق هذا الواقع على اللاجئة حليمة التي تقول إنها رجعت حتى لا تكون تحت رحمة أحد.

ويناشد اللاجئ أبو بكر بدوره الحكومة الصومالية بأن تلتفت للصوماليين الذين يموتون في البحر ثم ينشد "استيقظوا أيها الصوماليون.. استيقظوا وساعدوا بعضكم بعضا..".

بدأت رحلة احتكاكي بفكرة فيلم "عالقون في اليمن" عند قراءتي للمادة البحثية الأولية الخاصة بالفيلم التي احتوت على شرح للأوضاع التي يعيشها اللاجئون الصوماليون على الأراضي اليمنية، وجذبتني وقتها القصص الإنسانية التي تعبر عن حجم معاناتهم ومحاولاتهم التشبث بأي أمل، مهما كان بسيطا، في الحياة.

ومن ثم انطلق فريق العمل لمعاينة الواقع على الأرض، فزرنا الشواطئ ومخيم خرز والمناطق التي يعيش فيها الصوماليون، والتقينا عددا من المنظمات الإنسانية التي تعمل على خدمة اللاجئين.

سمعنا من بعض اللاجئين الصوماليين، الذين يعيشون على الأراضي اليمنية، قصصاً كثيرةً لم تحظَ بمتابعة إعلامية تظهر حجم المعاناة التي يعيشونها، وهذا ما زاد اهتمامنا بالقضية أكثر فاكثر.

استغرقت عمليات البحث والتطوير للاستقرار على أفضل القصص المعبرة أكثر عن حجم معاناة اللاجئين الصوماليين على الأراضي اليمنية سبعة أشهر، بدأنا بعدها في محاولة عكس هذه المعاناة وتوثيقها وإبرازها من كافة جوانبها. وكان لزاما علينا إستخراج التصاريح اللازمة والتنسيق مع السلطات الأمنية، وكذا المفوضية المعنية بهؤلاء اللاجئين، لبدء مراحل التصوير في اليمن والصومال.

وشكلت الظروف الأمنية السيئة التي يعيشها البلدان أبرز التحديات التي واجهت فريق العمل ، حيث بذلنا جهداً كبيراً في إنتاج هذا الفيلم، وحاولنا كفريق الوصول إلى أكثر الشخصيات قرباً وتعبيرا عن هذه القضية، إن كان على مستوى القصص الشخصية وتتبع الحالات، أو كان على مستوى المعنيين بقضايا حقوق الإنسان ومسؤولي المفوضية والجمعيات المختلفة العاملة مع اللاجئين.

صورنا الفيلم على مدار شهر كامل ، غطينا فيه ما يقارب (80 - 90%)  من الساحل اليمني لرصد آلام وآمال هؤلاء الصوماليين منذ لحظة وصولهم على متن القوارب ضمن النقاط المختلفة التي يصلون إليها، وانتقالهم إلى المدن اليمنية ومنها إلى مخيم خرز والمناطق الحضرية وصولا إلى الحدود السعودية. وكان هذا من أكبر التحديات التي واجهتنا، أي الانتقال بين المناطق المختلفة، بسبب انتشار قطاع الطرق بها.

تعتبر معظم المناطق الساحلية اليمنية مناطق عسكرية، فكان لزاما علينا الحصول على الكثير من التصاريح. أُوقفنا التصوير عدة مرات ووقعت بعض الإشكالات مع بعض القيادات حتى يسمح لنا التصوير، لكننا سجلنا، بشكل عام تعاونا من قبل الحكومة اليمنية، والمنظمات المعنية لتسهيل مهمتنا في التصوير، بالرغم من اضطرارنا إلى التواصل مع كل محافظة يمنية على حدة.

ولأن الفيلم يتناول هذه القضية من خلال تتبع القصص، فقد تطلب ذلك الكثير من الوقت لانتظار وصول اللاجئين مع عدم معرفة النقاط التي يصلون عبرها، حيث أنهم يصلون عن طريق التهريب إلى نقاط مختلفة كل مرة، لكننا تمكنا في الأخير من تصوير لحظات الوصول إلى الشواطئ اليمنية.

تطلب تخوف اللاجئين من الإعلام جهداً إضافياً لإقناعهم بالتصوير للتمكن من إيصال صورة الواقع بأفضل قدر ممكن، كما أن تجمهرهم أمام الكاميرا خلق صعوبة في التقاط صور طبيعية تظهر نمط حياتهم اليومية المعتادة.

واجهنا صعوبة أيضا في التصوير مع أحد المُهرِبين حيث كنا نسعى للوقوف بشكل قريب على كيفية تعامل هؤلاء المهربين مع اللاجئين بما فيها طرق التعذيب التي يلجؤون إليها. تطلب ذلك وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً للوصول إليهم وتسجيل شهاداتهم وتصوير أماكن احتجاز الصوماليين وتعذيبهم. وفي سبيل ذلك تعرض فريق عملنا في بوصاصو بالصومال إلى إطلاق النار أثناء التصوير ونجا بصعوبة.

كما أن وجودنا في مناطق عسكرية وعدم اعتياد الناس على تقنية التصوير بالطائرة لم يسمح لنا باعتماد معالجة بصرية جديدة تستخدم تقنية التصوير من أعلى. لكننا استطعنا أخيراً، وعلى مدار الشهر الذي استغرقه التصوير، ورغم كل العقبات المناطقية والمسافات الكبيرة المقطوعة والمخاطر الأمنية ، الإلمام بأكثر الجوانب أهمية في قضية اللاجئين الصوماليين العالقين بالأراضي اليمنية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المخرج محمد عمر