"كانت الجامعات العراقية حتى 1979 من أفضل جامعات المنطقة بدليل شهادة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو).. كانت هناك حركة علمية ومختبرات وتكنولوجيا متطورة متوفرة للطالب، ودعم حكومي كبير".. هذه شهادات أساتذة جامعات عراقيين عاشوا فترة العصر الذهبي للجامعات العراقية قبل أن تتحول اليوم -حسب قولهم- إلى منبر للطائفية والفساد والرداءة.

في منتصف سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كانت الجامعات العراقية تملك مختبرات متطورة بشكل ملفت للنظر مثلما يؤكد الدكتور هلال الدليمي أستاذ الهندسة وعضو هيئة الطاقة الذرية العراقية سابقا، حتى إنها فاقت ما كانت تملكه الجامعات البريطانية التي كانت تستخدم ثمانية مختبرات في السنة، بينما تستخدم الجامعات العراقية ثلاثة في الأسبوع.

عصر ذهبي
ويضيف الدليمي أن جامعة بريطانية أجرت دراسة عن عدد الطلاب القادمين من خارج بريطانيا، فوجدت أن المرتبة الأولى للطلاب الصينيين والثانية للطلاب العراقيين، كما أجرت تقييما علميا بشأن التقدم لشهاداتي الماجستير والدكتوراه فخلصت إلى أن الطالب الأول يكون دائما إما عراقيا أو صينيا.

وقد عمد العراق في السبعينيات والثمانينيات -يواصل الدليمي- على إنشاء قاعدة علمية رصينة تدعم القاعدة الصناعية وبنى على ما هو موجود، فمثلا أنشئت منظمة الطاقة الذرية في الخمسينيات ولم يكن لها علاقة بنظام الحكم، وإنما كانت تلك سياسة دولة. 

نفس الأمر يؤكده محمد الربيعي (طالب دراسات عليا) بقوله إن الجامعات العراقية كان بها تعليم حقيقي وجاد واستقرار في التربية والتعليم العالي.

ويرجع الدليمي تطور الحركة العلمية في ذلك الوقت إلى الحكومة التي قال إن دورها كان كبيرا في طريقة معالجة القضية العلمية وخلق الكادر العلمي، وإنها أسهمت بإيفاد عدد كبير من الاختصاصات إلى مختلف دول العالم لنيل شهادة الماجستير والدكتوراه، وبعد عودة هؤلاء ساهموا في إغناء القاعدة العلمية في العراق.

وبحسب عميد كلية الهندسة بجامعة بغداد الدكتور قاسم دوس فإن العصر الذهبي للجامعات العراقية كان نهاية السبعينيات والثمانينيات، حيث كان هناك دعم مالي كبير، وكان وضع العراق جيدا، وتم تجهيز كلية الهندسة على سبيل المثال بمختبرات حديثة.

منذ العام 2003 خرج 7935 عالما عراقيا من البلاد نسبة عالية جدا منهم من الأستاذة المتميزين، وتمت تصفية علماء متميزين جدا حيث قتل أكثر من 500 عالم، وكانت هناك عملية مبرمجة لتهجير العقول العراقية باتجاه الغرب

وأجمع أساتذة الجامعة العراقيون الذين تحدثوا لحلقة 1/10/2014 من برنامج "تحت المجهر" على أن الحصار الاقتصادي والحرب العراقية الإيرانية، وأخيرا الاحتلال الأميركي كانت كلها عوامل لتراجع أو تدهور الحركة العلمية في العراق، وهو ما يشير إليه أستاذ الكيمياء الطبية السابق بجامعة بغداد الدكتور زهير محيي الدين الذي يقول إن الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) أثرت على الأموال التي كانت تدفع للجامعات، فقل البحث العلمي وتدهور وضع الجامعات.

كما أن الحصار الاقتصادي وغياب دعم الحكومة لمختبرات الكليات وهجرة العقول، كلها عوامل أثرت على مستوى الطلاب، بحسب عميد كلية الهندسة بجامعة بغداد. وبحسب مدير التعليم المستمر بجامعة بغداد الدكتور فراس طعيمة فقد انقطعت الجامعات العراقية لنحو 15 سنة عن العالم، فلا تواصل مع الجامعات العالمية ولا مشاركة في مؤتمرات عالمية.

وبينما يشير الربيعي  إلى أن الوضع الاقتصادي أثر على مستوى التعليم وعلى الطالب والمدرس الذي وصل راتبه الشهري إلى دولارات معدودة، يؤكد الدليمي أن الأمم المتحدة لعبت دورا كبيرا في التضييق على الجانب العلمي، وكانت تتدخل في أسلوب البحث العلمي حتى إنها كانت تدخل على الأستاذ وهو يعطي محاضرته لتعرف ماذا يقدم للطلاب.

دور الاحتلال
لعب الاحتلال دورا كبيرا في تراجع الحركة العلمية بالعراق، ويؤكد  الدكتور باسل حسين نائب مدير المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية أنه منذ العام 2003 خرج 7935 عالما عراقيا من البلاد نسبة عالية جدا منهم من الأستاذة المتميزين، وتمت تصفية علماء متميزين جدا، حيث قتل أكثر من 500 عالم، وكانت هناك عملية مبرمجة لتهجير العقول العراقية باتجاه الغرب، حيث فتحت الدول الغربية أبوابها لهجرة هذه العقول لإفراغ العراق منها.

ونتيجة للتدهور الذي طال الجامعات العراقية ولغياب سياسة تعليمية، قامت الحكومة البريطانية -كما يؤكد أشرف الدهان خريج جامعة بغداد- بإلغاء الاعتراف بشهادة الجامعات العراقية.

وبعد العام 2003 تغلغل الفساد في الجامعات العراقية، ويؤكد الدهان أن عدة إحصائيات رسمية تشير إلى وجود عشرين ألف شهادة مزورة، بعضها يعود لمسؤولين في الحكومة وأعضاء في البرلمان العراقي.

كما أصبحت الجامعات منبرا للطائفية والفتنة -حسب الدليمي- وفقدت هيبتها وقدسيتها، ولم تكن تعرف مذهبية الطالب خاصة في المنابر العلمية. "العراق ليس طائفيا والأميركان هم سبب الطائفية لأنهم زرعوا الطائفية والتقسيم"، كما يقول الدكتور زهير محيي الدين.

يكتسب وضع التعليم الجامعي في كل البلدان اهتماما مضاعفا، ليس فقط لأنه مرتبط بحاضر ومستقبل الفئة الأكثر أهمية في الحراك المجتمعي، وهم الشباب، بل لأنه يعطي أيضا مؤشرا قويا على مستقبل البلد ومؤشرات نهضته أو ركوده.

من هنا تبرز أهمية موضوع حلقة "جامعات بلاد الرافدين" التي تناولنا فيها مسيرة الجامعات العراقية منذ ستينيات القرن الماضي إلى اليوم، حيث استطلعنا عبر ساعة تلفزيونية شهادات أربعة أجيال مرت على الجامعات العراقية، طلابا وأساتذة وعمداء ورؤساء جامعات.

لم يكن إنجاز الفيلم سهلا، ففي بلد أصبحت التفجيرات فيه حدثا شبه يومي وسط انقسام مجتمعه أفقيا وعموديا إلى مجموعات متباينة تنظر بعين الريبة والشك بعضها إلى بعض، يبدو طرح موضوع الجامعة العراقية محفوفا بالمخاطر لما له من أبعاد متعددة، حيث إن مواضيع السياسات التعليمية والتغييرات التي طرأت عليها أو الطائفية المتفشية داخل أسوار الحرم الجامعي، وكذا تردي مستوى التعليم والبحث العلمي وسيادة صفقات الفساد في تدبير ملف التعليم العالي العراقي في العقد الأخير، تعد مواضيع حساسة يبدأ طرف خيطها داخل الجامعة لكنه ينسحب ويتشعب إلى مستويات القرار المتعددة في جسم الدولة العراقية.

حاولنا تسليط الضوء على ملف الجامعات العراقية من خلال الحديث عن ثلاث حقب امتدت الأولى من نهاية الستينيات إلى بداية الثمانينيات، وهي الحقبة التي تميزت بإنفاق سخي على الجامعات في ظل وجود توجه من الحكومات المتعاقبة لإحداث نهضة في التعليم العالي وإرساء بنية تحتية تدعم صناعة وطنية قوية. لكن الفترة ذاتها تميزت بالتضييق على الحريات الطلابية وسيادة خطاب أحادي للحزب الحاكم.

أما الحقبة الثانية فقد انطلقت مع الحرب العراقية الإيرانية مرورا باحتلال الكويت وما لحقها من حصار دولي للبلد خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، وفيها ركزنا على أثر هذه الأحداث في تخفيف اندفاعة الدولة نحو دعم الجامعات التي أصبحت في مرتبة متأخرة على سلم الأولويات، نتيجة التركيز على المجهود الحربي والصراعات الإقليمية واستنزاف طاقة البلد في معارك وحروب متتابعة.

ومع الاحتلال الأميركي عام 2003 وما بعده، دخلت الجامعات العراقية مرحلة جديدة شكلت المحور الثالث الذي ناقش فيه الفيلم التراجعات الكبيرة التي ميزت مسيرة الجامعة العراقية مما جعلها تتراجع في التصنيف الدولي العالمي للجامعات، بعد أن كانت في طليعة جامعات المنطقة. كما وضعنا التأثيرات الأخرى للاحتلال على الحرم الجامعي العراقي تحت المجهر، من قبيل تفشي الطائفية وتمظهراتها داخله وكذا عمليات التهجير والاغتيال التي طالت عددا كبيرا من الأساتذة والعلماء العراقيين وصولا إلى واقع الطلبة اليوم.

رغم الصعوبات الإنتاجية التي واجهناها ومنع فريق التصوير من دخول بعض الجامعات والتضييق عليه في أخرى، فإننا حاولنا أن نقدم وثيقة بصرية تناقش واقع الجامعات العراقية الآني من خلال تصوير الحياة الجامعية في مختلف مرافقها الأكاديمية وغيرها. وبالرغم من الخلاصة النهائية التي تؤكد المأزق الذي وصل إليه التعليم العالي في العراق اليوم، فإن اندفاع شباب الجامعات وتشكل وعي جماعي بتحديات المرحلة الحالية لديهم -كما نقلتها حلقة "جامعات بلاد الرافدين" من برنامج تحت المجهر- يمنحان بارقة أمل لغد مختلف يكون فيه هؤلاء الشباب عماد التغيير بعيدا عن معادلات السياسة وصراعاتها.

المخرج: بشار غنام