تركوا بلادهم بسبب الحروب واضطهاد الحكام ولجؤوا إلى السودان بحثا عن الأمن والاستقرار، لكنهم وجدوا أنفسهم سجناء داخل معسكرات تفتقد أدنى شروط الحياة، إضافة إلى ما يعترضهم من عمليات خطف ومتاجرة بأعضائهم.. إنهم لاجئون قدم معظمهم من إرتيريا ويعيشون مأساة إنسانية كبرى سلطت عليها الضوء حلقة 20/8/2014 من برنامج "تحت المجهر".

أميرة يوسف تحلم بإكمال دراستها (الجزيرة)

يعيش أكثر من مائة ألف لاجئي إرتيري في شرق السودان، بعضهم منذ 1976 والبعض الآخر منذ 2010، حيث بدأ اللجوء إلى السودان منذ عام 1952، لكن الفرار الجماعي كان عام 1967 بسبب ما زال مستمرا حتى اليوم.

وبحسب مدير معتمدية اللاجئين حمد الجزولي فإن أعدادا كبيرة من اللاجئين عادت لبلدها طوعا بعد تحرير إرتيريا، لكن بعد خمس أو أربع سنوات بدأت موجة جديدة من اللجوء لشباب تتراوح أعمارهم بين 18 وثلاثين سنة.

كما يؤكد مدير الحماية بمعتمدية اللاجئين السر خالد محمود أن الموجة الجديدة بدأت عام 2004، حيث يستقبل السودان ما بين مائتين و250 طلب لجوء يوميا وما بين ثمانمائة وألف طلب شهريا.

أسباب
وهناك أسباب عديدة للجوء، منها القمع والحرب في إرتيريا، وكذلك الخدمة العسكرية الإجبارية القاسية غير المحددة بمدة والتي تفرض على كل من ينهي دراسته الثانوية، وهو ما يشير إليه عبد الله صالح علي -وهو لاجئ في معسكر خشم الجربة منذ عام 1978- بقوله إن المدن الإرتيرية أصبحت مدن أشباح ليس بها سوى شيوخ تتراوح أعمارهم بين سبعين وثمانين.

وللاجئة أشير زروم في معسكر الشجراب منذ عام 2010 سبب آخر في ترك بلدها، فقد تعرضت للاغتصاب من طرف أحد أبناء المسؤولين وحملت منه، مما جعلها تهرب إلى السودان. 

وتتولى مفوضة الأمم المتحدة لدعم اللاجئين دعم وتمويل معسكرات اللجوء في شرق السودان وعددها تسعة، ويقول كاي نيلسن مندوب المفوض السامي إن مهمة منظمته تتمثل في مساعدة الحكومة السودانية على التعامل مع اللاجئين والوافدين الجدد، وأكد أن تسعين ألف لاجئ يوجدون في شرق السودان، معظمهم من إرتيريا.

معاناة ومصير مجهول للاجئين الإرتيريين (الجزيرة)

غير أن هذا الدعم لا يلبي احتياجات اللاجئين الذي عبروا عن مأساتهم لحلقة "تحت المجهر"، فاللاجئ ميرهتور زكرياس يقول "سلمت نفسي للمنظمة الأممية للحماية وليس للمعاناة"، أما محمود عبد الحميد اللاجئ بمعسكر خشم الجربة منذ عام 1979 فيقول إنه لا يملك عشاء أولاده ويمضي قائلا "الشعب الإرتيري يموت.. البهيمة أفضل منه!"، ثم يجهش بالبكاء على حاله وحال شعبه.

خطف ومتاجرة
كما توجد مشاكل عديدة بمعسكرات اللجوء، فلا وظائف والتعليم لا يشمل كل الناس، إضافة إلى الأمراض الكثيرة التي يسببها تردي الخدمات الصحية، عدا شح المياه وعدم وجود الكهرباء، وفوق كل ذلك يمنع اللاجئ من الخروج من المعسكر إلا عن طريق التهريب. 

ويرجع مدير الحماية بمعتمدية اللاجئين أسباب تردي الأوضاع إلى أن مفوضية اللاجئين التي قال إنها رفعت يدها عن دعم هذه المعسكرات لتصبح هذه الأخيرة عبئا على السودان، ويقول "لن نسمح ولن نتولى ملفات يفترض أن تقوم بها الأمم المتحدة"، فيما يرد مندوب المفوض السامي بالقول "لا تغيير في الخطط الخاصة بدعم اللاجئين".

وزيادة على مشاكلهم الكثيرة، يتعرض سكان المعسكرات لعمليات خطف من قبل قطاع طرق من "الرشايدة" الذين يتهمونهم بخطف الناس وتعذيبهم وأحيانا بقتلهم بعدما يتم نقلهم إلى سيناء المصرية، ويؤكد أحد المخطوفين أنهم تعرضوا للتعذيب على يد الخاطفين الذين يطالبون بالفدية، وأن الذي لا يمكنه الدفع يسرقون أعضاءه، ويقول إن أحد الأطباء المعروفين يتولى العملية بدون تخدير، مما أدى لوفاة العديد من الأشخاص.

ووسط هذه المشاكل يبقى اللاجئ الإرتيري معلقا بمصير مجهول، وهو ما يشير إليه أحد اللاجئين بمعسكر الشجراب بقوله "أحب إرتيريا، ولكن في مرات كثيرة أشعر بأنني لا أملك لا هوية إرتيرية ولا هوية سودانية.. هناك مصير مجهول".

تبدو قضية اللجوء الإرتيري إلى السودان قديمة زمنيا، فالبداية كانت مع الغزو الإثيوبي لإريتريا في مطلع الستينيات، لكنها رغم ذلك لا تزال  تعكس واقعا مأساويا للعديد من شعوب أفريقيا التي ترزح تحت نير الفقر والجهل والمرض، وتعاني ويلات النزاعات الطائفية والحروب الإثنية والأنظمة السياسية الدكتاتورية ولا سبيل أمامها سوى الشتات والهروب ولو إلى مصير مجهول.

كانت البداية ملاحظة كثرة الأخبار الواردة في الصحف ووسائل الإعلام عن العثور على جثث بعض الأفارقة في صحراء سيناء منزوعة الأعضاء، مشوهة من آثار التعذيب، حكى لنا أحد الشبان الفارين من مخازن عصابات الاتجار بالبشر كيف تم خطفه من معسكر الشجراب للاجئين في شرق السودان واقتيد إلى مصر لتقايض أعضاؤه بفدية من طرف عصابات للاتجار بالبشر، فهناك من يؤمن بأن هؤلاء اللاجئين المعدمين حياتهم زهيدة، ولا يجد بأسا في أن يجعل لموتهم قيمة بانتزاع أعضائهم وبيعها في الأسواق العربية والإسرائيلية.

 لم تكن المعلومات كافية لدينا بشأن حجم تلك المعسكرات ولا المشكلات التي توجد بها؟ كيف يدبرون أمور غذائهم وما هو طبيعة الدور الذي تقوم به الدولة السودانية من ناحية، والمفوضية الدولية لشؤون اللاجئين في سبيل تحسين ظروف معيشتهم من ناحية أخرى ؟ ممَ يهربون؟ المعسكرات خاضعة لإشراف الأجهزة الأمنية السودانية التي تتولى مهمة تأمين المعسكرات وحماية نزلائها فكيف يتم اختطافهم من داخل المعسكرات من طرف عصابات الاتجار بالبشر؟

لم تكن مهمة الوصول إلى المخيمات والبحث عن حالات من القاطنين بها شاقة فلقد استطاع هؤلاء الشبان الإرتيريون التواصل سواء من داخل معسكرات اللاجئين أو حتى أولئك الذين رست بهم سفن الهرب في أحد الموانئ الأوروبية ليملؤوا الفضاء الإلكتروني بأناتهم وشكواهم، ويطلقوا دعوات الاستغاثة تخاطب الضمير العالمي، وللفت نظر المهتمين إلى مجموعات عالقة بين وطنين في حالة من الجمود فلا قيظ البلد الأم إرتيريا مرحب بهم ولا نار بلد اللجوء كانت دافئة عليهم، هو برزخ من الأرض فرض عليهم البقاء في حالة المنزلة بين المنزلتين.

ساعدنا على المهمة التواصل مع الشبان الإرتيريين المتواجدين في دول أوروبا، حيث مكّنونا من قدر كبير من المعلومات عن ظروف الحياة داخل المعسكرات، ووفروا لنا اتصالا ببعض أقرانهم داخل المعسكرات حيث التقينا بهم في إحدى المدن السودانية بعيدا عن أعين أجهزة الاستخبارات الإرتيرية التي قيل لنا إنها تداهم معسكرات اللاجئين داخل الأراضي السودانية لتقوم بالقبض على بعض شخصيات المعارضة السياسية من حين لآخر، توثقنا من المعلومات وتوسعنا في فهم أبعادها، وقررنا الانتقال للتصوير داخل المعسكرات.

بدأ الانتقال إلى معسكرات اللاجئين، وكانت المهمة الأصعب، فظروف الحياة صعبة للغاية على من اعتاد نعيم المدنية، وعصابات الاتجار بالبشر المعروفة بـ"الرشايدة" وغيرها تحيط بالمعسكر في انتظار أن تطل فريستها برأسها، والكهرباء التي تنقطع طوال الليل وأكثر ساعات النهار والتي لم تكن تتيح لنا سوى عدد قليل من ساعات العمل نهارا، وفوق ذلك كله كان علينا أن نقضي ليالينا في المعسكر الذي يبعد عن ولاية كسلا نحو ثلاثمائة كيلومتر في قلب صحراء السودان الشرقية في أكواخ صغيرة من الطين والقش، تلك التي يسميها أهل السودان "الغوطية"، وهي مفتحة الأجناب تكشف أكثر مما تستر، وتعلن أكثر مما تحجب، فهل تمنع عنا غدر عصابات الخاطفين؟

في النهاية تمكنا بفضل التعاون الكبير بين فريق العمل وقدرته على التضحية من أجل إخراج عمل متميز حول قضية باتت مع الزمن قضيتنا. وأصبح تركيزنا بشأن نقل قصص هؤلاء اللاجئين المنسيين للوجود، وأن نعطي الفرصة للمرة الأولى لبعضهم لرواية قصة الفرار واللجوء والمستقبل الغامض والذي يهدد جيلا كاملا من الإرتيريين، والذين حلموا بدولة مستقلة يعيشون فيها بحرية وكرامة تحولت إلى نظام دكتاتوري غيب قصتهم وآمالهم في العيش الكريم، ومجتمع دولي أسقطهم من حساباته السياسية وتركهم فريسة لمصير مجهول.