شهدت الملاعب العالمية الرياضية حالات عديدة لتعاطي المنشطات المحظورة بمختلف أنواعها، تورط فيها لاعبون أحرز بعضهم أرقاما قياسية. ولم يسلم العالم العربي من هذه الظاهرة التي باتت تهدد الرياضة بمفهومها التنافسي النبيل، وتحولها إلى نشاط تجاري هائل تتحكم فيه آليات السوق.

الكندي بن جونسون، والأميركي كارل لويس، كانا ضمن ستة من العدائين الثمانية المتنافسين على اللقب الأولمبي في سول عام 2003، تورطا في ظاهرة تعاطي المنشطات، حيث إن الأول جرد من لقبه الأولمبي (أحرزه عام 1988 في سول) والرقم القياسي بعد اكتشاف تناوله مادة "ستانوزولول" المنشطة المحظورة.

اعترف بن جونسون لاحقا أن مشواره كان ملطخا بتعاطي المنشطات المحظورة لأعوام طويلة حيث تم توقيفه عن المشاركة بالمنافسات مدى الحياة عام 1991 لينتهي "منبوذا" في الوسط الرياضي العالمي.

في خريف 2013 انعقد المؤتمر الدولي الرابع للوكالة الدولية لمكافحة المنشطات المعروفة باسم (وادا) في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا، خلص إلى إقرار قانون جديد يشدد العقوبات على من يثبت تعاطيه المنشطات، كما حدد لائحة المنشطات الممنوعة.

وفي المؤتمر الذي حضرته الجزيرة، كشف الرئيس السابق للوكالة العالمية لمكافحة المنشطات، جون فاهي، أن الوكالة بدأت عملها رسميا عام 1999 عندما تزايدت التجاوزات في مناسبات رياضية، كطواف فرنسا الدولي للدراجات.

أنواع وأضرار
تختلف نوعية المنشطات التي يستخدمها الرياضيون باختلاف الرياضة التي يمارسونها، فهناك هرمونات النمو لمن يبحث عن كتلة عضلية أضخم، وهرمون يساعد على زيادة تقوية العضلات وزيادة اللياقة، وأخرى تساعد على رفع درجة التركيز وتحمل الألم.

video

وأشار مدير نشر مجموعة رياضة نظيفة بالمغرب، لحسن كرام، إلى ما أسماه الجيل السادس من تعاطي المنشطات، أي تعديل الجينات، بحيث يصبح الجسم قادرا على إنتاج مواد منشطة من الداخل، وهو ما يُعد جريمة كونه يؤدي إلى استنفاد تلك الغدة التي تنتج مادة معينة.   

أما عضو اللجنة الطبية للألعاب المتوسطية بتونس، د. زكية برطاجي، فتتحدث عن هرمونات قد تسبب أمراض السرطان، وتؤثر على القدرة الإنجابية للرجل والمرأة، وهناك هرمونات تؤثر على المخ والأعصاب، وأخرى قد تؤدي للموت المفاجئ.

وعن أضرار المنشطات، يقول د. محمد الصيرفي (الرئيس التنفيذي لمختبر مكافحة المنشطات في قطر) إن التأثيرات الصحية تتراوح بين إضعاف البنية الجسدية في سن مبكرة وبين العجز الجنسي والموت المفاجئ في سن مبكرة، وكذلك نقل الأمراض الوراثية لأولادهم.

وفي الجزائر، اتهم لاعبون الاتحاد الجزائري لكرة القدم في الثمانينيات بإعطائهم منشطات دون علمهم تحت إشراف طبيب روسي، وكانت النتيجة أن أنجبوا أولادا بإعاقات.

العرب والمنشطات
يؤكد مدير نشر مجموعة رياضة نظيفة بالمغرب أن تسعين مليون جرعة من المنشطات يستهلكها الوطن العربي سنويا.

المغربي صفوان عطاف، وصيف بطل العالم في الجودو 2011، يعترف بأنه ارتكب خطأ فادحا عندما تناول مكملا غذائيا يحتوي على جزء ضئيل من مادة منشطة لم يتعرف عليها، وذلك في بطولة الألعاب العربية التي أقيمت بالعاصمة القطرية الدوحة عام 2011.

وأوقفت لجنة مكافحة المنشطات عطاف لمدة شهرين فقط بعد تيقنها من حسن نواياه.

وبعد ثبوت تعاطي 14 رياضيا للمنشطات بالدورة العربية، صرحت اللجنة الطبية والرقابية -في بيان صارم- بأنه سيتم إلغاء أي ميدالية أو نتائج أو جوائز للرياضيين المتورطين.

وقد أنشأت قطر مختبرا لمكافحة المنشطات معتمدا من طرف الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات، ويؤكد الصيرفي أنه الوحيد في غرب آسيا والمنطقة العربية. بينما يشير عصام عبد الحافظ (من المنظمة المصرية لمكافحة المنشطات) إلى أن المنطقة العربية باتت خالية من معمل دولي لمكافحة المنشطات بعد إلغاء المعمل التونسي الذي كان الوحيد المعتمد دوليا.

كانت البداية المحفزة للبحث عن إمكانية إنجاز فيلم وثائقي يعالج مضار المنشطات في المجال الرياضي بقراءتي صدفة مقالا يتناول حالة اللاعبين الجزائريين المنتمين للنخبة الوطنية لكرة القدم سنوات ثمانينيات القرن الماضي، الذين اتهموا اتحادهم المحلي بإعطائهم منشطات دون علمهم طوال سنوات الممارسة الكروية التي توجوها بألقاب وبطولات ومشاركة مشرفة بكأس العالم 1982.

النتيجة، وفق قول اللاعبين، ولادات لأبناء معاقين منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. لم يكن بالإمكان أن يمر موضوع كهذا دون أن يحرك في القارئ فضولا لمعرفة تفاصيل أكثر، وفي تحويل هذه القصة المأساوية إلى فيلم. من هنا جاءت فكرة البحث عن المضار الصحية التي تواجه الرياضيين المتعاطين للمنشطات، رغبة في دق ناقوس الخطر بالنظر إلى ما قرأته بعدها عن حالات وفاة أو إعاقة دائمة أصابت شبابا بمقتبل العمر لا يدركون خطورة الفعل الذي يقدمون عليه.

كان المؤتمر الدولي الرابع للوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (وادا) الذي نظم بجوهانسبرغ بجنوب أفريقيا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي فرصة لائقة للقاء الفاعلين بالمجال على المستوى العالمي وعلى رأسهم جون فاهي، الرئيس السابق للوكالة الذي انتهت ولايته الثانية باختتام أعمال المؤتمر.

كما شكل المؤتمر فرصة لنقل النقاشات الهامة التي بدأت منذ سنوات بين مختلف المتدخلين بميدان مكافحة المنشطات، وأفضت إلى القانون المعدل لـ وادا الذي أقر في المؤتمر باعتبار ذاك النقاش ملخصا لما يعتمل بالأوساط الرياضية العالمية، ومؤشرا على حجم الظاهرة ومدى إيمان العالم وانخراطه الفعلي في محاربتها.

لم يكن بالإمكان التطرق للمنشطات دون إفراد جزء هام من الفيلم للوطن العربي. وكانت التجربة المغربية، التي عرفت بنتائجها الرياضية الكبيرة بالبطولات العالمية، محورا هاما في التجربة العربية بالنظر إلى تسجيل البلد حالات تعاطي إيجابية بلغ صداها المحفل الدولي أيضا. وتكتسي التجربة المغربية أهميتها من المآل الذي وصلته من انحسار للنتائج وتصاعد لعدد حالات التعاطي الذي اختاره الرياضيون سبيلا أقصر إلى النتائج الإيجابية بما يحمله ذلك من أخطار صحية وأخطار متعلقة بالسقوط في الاختبارات المفاجئة التي تجرى خلال المنافسات وخارجها. والنتيجة تلطخ سمعة الرياضة المغربية بعد أن كانت مثالا عربيا فريدا في تحقيق الإنجاز دوليا.

وبالبحث المتواصل في الموضوع، وجدنا كيف أن المنشطات صارت سلاحا في الحرب السورية يتبادل أطراف الصراع فيها التهم بالاتجار فيها لشراء السلاح وتزويد الجنود والمقاتلين بها لمساعدتهم على تحمل فصول الصراع الدامي. لكن المفاجأة تمثلت أيضا في فضيحة خيول إسطبلات غودولفين البريطانية المملوكة لحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد، التي تناولتها وسائل الإعلام باهتمام كبير، حيث تم توقيف مدرب الخيول هناك محمد الزرعوني لثبوت إعطائه الخيول منشطات لتحسين الأداء، وهو ما ألقى بظلاله على صدقية النتائج التي حققتها خيول غودولفين طوال سنوات، ما حدا بحاكم دبي إلى إغلاق الإسطبلات والدفع بحملة علاقات عامة كبيرة لتفادي آثار "القضية" وتداعياتها.

خلال مراحل التصوير، واجهتنا صعوبة إقناع لاعبين تورطوا في تعاطي المنشطات للحديث أمام الكاميرا. وحده بطل الجودو المغربي قبِل الحديث إلينا ليروي قصته مع المنشطات خلال دورة الألعاب العربية الـ11 المقامة بالدوحة عام 2011 حيث أدى تناوله لمكمل غذائي إلى سحب الميدالية الذهبية منه، لكن قناعة لجنة العقوبات ببراءته جعلتها توقع عليه عقوبة مخففة لم تتجاوز الشهرين. غيره امتنع الكثيرون عن الحديث بمن فيهم مسؤولون رسميون حاليون وسابقون تلقينا منهم وعدا بالمشاركة قبل أن تتحول هواتفهم وهواتف مستشاريهم إلى هواتف صماء ترن دون مجيب.

لكننا صدمنا من امتناع لاعبيْن جزائريين اثنين عن الحديث إلى الجزيرة رغم اتفاقنا المسبق معهما. وهو أمر مثير للدهشة والاستغراب خصوصا وأن قضيتهما تم تداولها كثيرا في وسائل إعلامية أخرى. لكنها كانت ستكون المرة الأولى التي يجري الحديث عنها في فيلم وثائقي. وبالرغم من أن الموضوع لا يزال محرما في كثير من البلدان العربية ولدى الفاعلين الرياضيين والسياسيين، فقد تمكنا من الإحاطة بجوانب كثيرة من الوضع العام بالدول العربية ومدى تجذر ظاهرة تعاطي المنشطات بها.

الخلاصة أن موضوع المنشطات في الرياضة وخارجها موضوع متشعب يحتاج إلى تسليط الضوء على مختلف جوانبه، بما يخدم تأسيس بيئة تنافسية رياضية شريفة تحقيقا لمبدأ الرياضة النظيفة.

أوشن طارق، منتج في فريق برنامج "تحت المجهر"