بحثت حلقة "حزب الكنبة" من برنامج "تحت المجهر" في ظروف وملابسات ظهور هذا الحزب في مصر، وكذلك الحيثيات التي دفعت الملايين من منتسبي الحزب على امتداد البلاد لترك الكنبة، والنزول للشارع بعد سنوات طويلة من الاكتفاء بالجلوس أمام شاشات التلفاز وتصديق كل يتلقونه عبره، وبناء مواقفهم وآرائهم اعتمادا على ما يصلهم منه.

واستعرضت الحلقة آراء شرائح مختلقة من الشعب المصري من منتسبي هذا الحزب، الذين عاشوا لسنوات طويلة في حالة من القهر السياسي تحت حكم أنظمة أبوية، استطاعت إقناعه بأنها الأب الحامي والقادر على الإنجاز ومنح العطايا، وبذلك ارتضت الملايين من الشعب أن تمارس دور الابن المطيع، الواثق بقدرة ولي أمره على تسيير شؤون حياته.

وكشفت الحلقة التي بثت بتاريخ 16/4/2014 كيف أن الواقع السياسي المتردي في مصر انعكس على الحياة العامة، سواء كان ذلك في البيت أو بالمدرسة أو العمل، مما أدى لزيادة تقهقر الفرد، واختياره الانطواء على ذاته، والاكتفاء بالجلوس على الكنبة والمراقبة، بينما ترك "الأب/النظام" حرا طليقا يسير سفينة الوطن كيفما يشاء، في حين أصبحت المواطَنة وممارستها في ذيل الأولويات.

وضمن هذا المفهوم، تقول محامية التحكيم التجاري الدولي علياء الشناوي، التي كانت أحد منتسبي حزب الكنبة، إن التربية في البيوت لا تعطي للأبناء في كثير من الأحيان حرية التعبير الحر عن الآراء السياسية ضمن فهم أن الساسة والمعنيين هم وحدهم القادرين على الحديث في الشأن العام والشأن السياسي، وما دون هؤلاء قد يواجهون بحزم إذ تجرؤوا على ذلك.

حق التصويت
أما المشاركة في الحياة السياسية من خلال التصويت فلا قيمة لها لدى حزب النكبة، فهم فيها مجرد  مجاميع انتخابية تدلي بصوتها أو يدلى لها به في حال الغياب -وهو الأمر الشائع- إذ لا حاجة للانتقال إلى المركز الانتخابي وتكبد المعاناة للتعبير عن الرأي، فالدولة وأجهزتها تتكلف بالأمر تزويرا.

ويقول صياد في الأربعينيات من عمره، إنه لا يذكر أنه رأى والده يتوجه لصندوق اقتراع للإدلاء بصوته، وهو اختار أن يسير على خطى والده، وذلك -حسب رأيه- أفضل في كسب الرزق بدلا من مضيعة الوقت في أمور لا علاقة لهم بها.

وفي الصعيد حيث ينتشر الكثير من أعضاء حزب الكنبة، فإن القبيلة لا تخرج عن رأي كبيرها، الذي يحدد هو إلى من ستذهب أصوات القبيلة، وفي هذا يقول شيخ إحدى القبائل محمد حمدي هديب إنه هو الذي يحدد لأفراد قبيلته التصويت لشخص بعينه، أو التزام الكنبة.

شعب الكنبة
لكن يبدو أن الزلزال السياسي الذي شهدته مصر في يناير/كانون الثاني 2011 حرك الكنبة وأجبر جالسيها على النزول للشارع للتعبير عن آرائهم جهارا وعدم الاكتفاء بالمراقبة فقط.

يقول مؤلف كتاب "من الكنبة إلى الميدان" أمين عزت إن مصطلح "حزب الكنبة" ظهر بعد أن نشر رسالة على صفحته بفيسبوك بعنوان "إلى شعب الكنبة العظيم"، وانتشر التعبير بسرعة على صفحات فيسبوك ومنها انتقل لأجهزة الإعلام.

والمفارقة أن عزت كان لوقت طويل أحد أعضاء حزب الكنبة، الذي كان يصدق كل ما يقوله النظام له، ويعتبر المعارضة خائنة وتسعى لحرق البلاد ودمارها.

وتظهر الحلقة كيف أن التراكمات الكبيرة والمعقدة من القهر السياسي دفعت الفئات الشبابية التي تربت في أحضان "الكنباويين" لتتحرك وترى في الأفق أملا في التغيير، حيث شهدت مصر نوعا من المصالحة السياسية "الرومانسية" بعد 25 يناير/كانون الثاني 2011 بين المواطن وصندوق الاقتراع فشاهد العالم طوابير طويلة تنتظر الدور لممارسة الحق الانتخابي "الحر".

وشهد كثيرون أنهم رأوا فيما تلا فعل التصويت انحسارا وعودة إلى ممارسات الماضي -ولو برداء مختلف- فانتفضوا ضد النظام الجديد مدعومين ومدفوعين بالآلة الإعلامية، التي لا تتوقف في استقطاب رواد جدد للحزب الأكبر بمصر، ثم عادوا إلى كنباتهم سالمين في انتظار دعوة تظاهر جديد أو تفويض أو مبايعة.

وبعد أن وقع الانقلاب وعاد العسكر لحكم مصر، تعزز الحزب بوافدين جدد لم تكن تجمعهم بالسابقين أية رابطة ولكن وحّدهم الواقع السياسي، في وقت وجد آخرون أنفسهم بين المنزلتين، فلا هم قادرون على النزول للشارع ولا هم راغبون في العودة إلى الاستقرار على الكنبة.

وفي ذات الوقت يواصل المتبقون رحلة الخروج اليومي للتظاهر في انتظار انتخابات رئاسية قريبة ينتظر أن يحسمها الكنباويون بالشكل الذي يريده الفرعون ويوجه إليه سدنته الإعلاميين.