لم يجد اليهود المغاربة المهاجرين والمُهجّرين إلى إسرائيل في استقبالهم "الجنة" التي توقعوها، فعانى كثير منهم من التجاهل والتهميش، وكان رد فعلهم الطبيعي التشبث أكثر فأكثر بمكونات هويتهم المغربية يتناقلونها جيلا بعد جيل.

بلغ عدد اليهود المغاربة 250 ألفا عام 1940، وفي أوائل الخمسينيات وأثناء الاستعمار الفرنسي والإسباني، نشط داخل المغرب عمل الموساد (جهاز الاستخبارات الإسرائيلي) وعمل الوكالة اليهودية، الجهاز التنفيذي للحركة الصهيونية. وكان الهدف واضحا وهو تهجير يهود المغرب إلى إسرائيل.

وتقول فاني مرعي، وهي يهودية مغربية عادت من إسرائيل إنه بين العامين 1948 و1961 هاجر مائة ألف يهودي مغربي إلى إسرائيل، وتشير إلى أن الدعاية الإعلامية الصهيونية كانت ضخمة، حيث تم التركيز على عنصر الشباب من خلال إقامة نواد لهم في الأحياء اليهودية بالمغرب.

بينما يؤكد أندريه أزولاي، وهو يهودي مغربي ومستشار ملكي أن حروب الشرق الأوسط خلقت مناخا من التوتر والقلق لدى يهود المغرب، وهو الأمر الذي استغل لترحيلهم إلى إسرائيل.

ويستذكر الفلسطيني المقيم في المغرب داود منصور صبح، كيف هاجم اليهود قريتهم "أم الزينات" في فلسطين المحتلة في 15 مايو/أيار 1945 وأرغموهم على الخروج من ديارهم.

ويقول صبح إن هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل كانت قوية، وقدمت دعما وطاقة بشرية لإسرائيل خصوصا في الجيش. ويضيف هذا الفلسطيني أنه يغضب في البداية من هجرة اليهود ليسكنوا داره.

تقول مرعي إنها سافرت إلى إسرائيل في سن السابعة عشرة وعوملت في البداية كإسرائيلية مثالية، لكن الأوضاع تغيرت لاحقا، حيث عومل يهود المغرب كمواطنين من الدرجة الثانية لأنهم عرب.

فاليري بينجيو يهودية مغربية عاشت في إسرائيل لسبع سنوات لأنها أرض أحلام والدها -كما تؤكد هي نفسها لحلقة "تحت المجهر"، لكن وسط ظروف صعبة، ولذلك قررت العودة إلى المغرب. تحمل هذه السيدة الجنسية الإسرائيلية، لكنها نادرا ما تفصح عنها أمام الناس.   

علاقات 
يذكر أن المغرب شريك تجاري رئيسي لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولا توجد علاقات رسمية بين الرباط وتل أبيب، لكن العلاقات التجارية تزدهر منذ الثمانينيات.

ويستورد المغرب من إسرائيل تكنولوجيا الزراعة والاتصالات، بالإضافة إلى المعدات العسكرية.  

وخلافا للدول العربية الأخرى، قررت المملكة المغربية عام 1976 عدم إسقاط الجنسية المغربية عن اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى إسرائيل أو أي بلد آخر، وبذلك يمكنهم العودة إلى المغرب متى شاؤوا باعتبارهم مواطنين مغاربة.

وتنشط في المغرب حاليا عدة دعوات لمقاطعة إسرائيل على أكثر من مستوى، منها منع دخول الإسرائيليين إلى المغرب.

عندما وصلت إلى المغرب للاشتغال على بحثي حول تاريخ وحاضر حياة اليهود في البلاد، أدهشتني قوة ارتباط المكون اليهودي بوطنه المغرب. وبدا وكأن لا أحد يفهم حقا كيف أن هذه الجالية التي كانت مزدهرة كادت تنقرض من البلد.

لم تكن صناعة هذا الفيلم سهلة بالنظر للتسييس القوي الذي أحاط بمصير هذا المكون الديني منذ أواسط القرن العشرين. لم يكن تأسيس دولة إسرائيل سببا رئيسيا وراء بداية نهاية الوجود اليهودي في البلاد بل الحملات الدعائية القوية التي أطلقتها المخابرات الإسرائيلية عشر سنوات بعد ذلك.

لقد تمكنت الدعاية الإسرائيلية من إقناع اليهود المغاربة بالخطر الذي سيمثله المسلمون عليهم بعد استقلال المملكة عن فرنسا. هكذا غادر معظم اليهود المغرب في اتجاه إسرائيل وأوروبا وشمال أميركا. في إسرائيل عانى اليهود المغاربة من التمييز فور وصولهم، ولعبت السياسة دورا كبيرا في التعريف بهويتهم وتاريخهم.

في الواقع، كثير من اليهود المغاربة يناصرون إسرائيل، لكنهم يخفون حقيقة أن هذه الدولة لم تستقبلهم كما ينبغي. كما أنهم يعتبرون كل من يعارض السياسات الإسرائيلية من بينهم مشبوهين.

يصعب في المغرب أيضا الدفع بالحياد في قضايا الشرق الأوسط رغم أن اليهود المغاربة هناك يدفعون دوما بضرورة التفريق بين الانتماء للمغرب والانتماء لإسرائيل. لكن هؤلاء يجدون أنفسهم أيضا داخل قضايا خلافية داخلية أخرى كقضية الأمازيغية وموالاة النظام الملكي. هكذا كانت لقاءاتي بشخصيات الفيلم ممزوجة بين الأحاسيس الشخصية والخلفيات السياسية وكذا الخوف من سوء الفهم أو التحجيم بسبب آرائهم السياسية المختلفة.

كنت سعيدة جدا بلقاء فاني وبنحاس الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم. شعرت بأنهما مجبران للتحول إلى نشطاء سياسيين للاستمرار في العيش بالطريقة التي اختاراها. أبهرتني شجاعتهما وتصميمهما على تنفيذ خياراتهما، وهو ما أثر في نفسي بالنظر إلى قسوة هذا الواقع الذي يعيشانه كل يوم.

في النهاية، يظهر هذا الفيلم جيدا كيف أن الأديان المختلفة كانت تتعايش في المغرب، وكيف أن هذا التعايش شكل جوهر الهوية المغربية. هذه الفسيفساء المغربية تذكرنا بأن الحاجة الإسرائيلية إلى الهجرة اليهودية اقتلعت مكونات يهودية بأكملها من بيئاتها الأصلية، حيث تعايشت اليهودية مع الإسلام في سلام، وأجبرت اليهود على العيش في دولة علمتهم أن المسلمين هم الأعداء.

لم يكن الفلسطينيون وحدهم من عانى من المشروع الاستعماري اليهودي الأوروبي بل كثير من العرب والأمازيغ واليهود والفرس. قد لا يكون هناك مجال للعودة إلى الوراء، لكن الفيلم يعلمنا بالتأكيد درسا يمكن أن يلهمنا كلما حاول البعض خداعنا بوجود ضرورة لبناء جدران الفصل في منطقة الشرق الأوسط.

المخرجة: تشارلوت برونو