نجوا من الموت، لكنهم فقدوا أبناء وأحبة لهم غرقوا في البحر وهم يتوجهون إلى أوروبا هربا من الحرب ومن الأوضاع السيئة في بلادهم.. إنهم لاجئون سوريون وفلسطينيون وجدوا أنفسهم في مراكز لجوء بأوروبا وسط معاناة إنسانية صعبة ومصير مجهول، معاناة تنقلها حلقة 8/10/2014 من برنامج "تحت المجهر" وهي معادة.

في الحادي عشر من أكتوبر/تشرين الثاني 2013 غرقت سفينة كانت تحمل على متنها مهاجرين فلسطينيين وسوريين، ركبوا البحر بحثا عن حياة أفضل، مما أودى بحياة خمسين شخصا.

أبو شام، رجل سوري فقد ابنته وزوجته الحامل في حادث غرق السفينة، ولم تنج معه سوى ابنته لامارا ذات الخمس سنوات. يقول هذا الرجل السوري إن حياته ضاعت مع فقدان أحبته.

أحمد خالد الدهشي، وهو فلسطيني من مخيم اليرموك بالعاصمة السورية دمشق، فقد هو الآخر في نفس الحادث ثمانية من أفراد أسرته، زوجته وزوجة ابنه واثنتين من بناته واثنين من أولاد ابنته واثنين من أبناء ولده. وقد دفن زوجته وزوجة ابنه في إيطاليا، وإحدى بناته دفنها في مالطا.

أما محمد الحاج، الذي نجا هو أيضا من الغرق، فحالته لا تقل بؤسا، حيث فقد زوجته التي لم يستطع إنقاذها، وحرم من ابنه بعدما أخذته السلطات الإيطالية وفرضت عليه إجراءات وعراقيل في سبيل رؤيته. حالة الحاج نفسها عاشها أحمد الشيهابي وزوجته اللذان نجوا من الغرق، فلم يتمكن الزوجان اللذان يعيشان في السويد من رؤية أولادهما الثلاثة إلا بصعوبة، وذلك بحجة حماية الأطفال.  

يجمع هؤلاء على هول الكارثة التي عاشوها في عرض البحر، وكيف أنهم شاهدوا أحبتهم يصارعون الموت دون أن يتمكنوا من إنقاذهم، وكيف أنهم شاهدوا جثثا تسبح في الماء.

معاناة اللجوء
غير أن معاناة اللجوء لا تقل ألما عن معاناة البحر، حيث يعاني اللاجئون الذين يتم أخذهم إلى مراكز اللجوء من ظروف إنسانية صعبة، وهي المعاناة التي صور الشاب السوري علي قيرو جانبا منها عن طريق الفيديو بمركز استقبال لامبيدوزا وأرسلها إلى وسائل الإعلام الإيطالية، وأثارت وقتها ضجة كبيرة.

يقول هذا الشاب إنه أراد نقل معاناة المهاجرين وتقديم صورة صغيرة عن الطريقة التي تعاملهم بها أوروبا والاتحاد الأوروبي، وبحسب رأيه فإن إيطاليا تنقذ المهاجرين من البحر لكنها تجعلهم يندمون على قدومهم إليها.

عبودي الحلبي، مهاجر سوري عبر البحر الأبيض المتوسط، يعبر لحلقة 8/10/2014 من برنامج "تحت المجهر" عن تذمره من طريقة معاملة العرب للسوريين. فـ"الأوروبيون يعاملوننا معاملة إنسانية بينما العرب يعاملوننا بسوء".

عبودي نقل مع من كانوا معه في مركز لامبيدوزا إلى ميلانو بعد تدخل البرلماني الإيطالي من أصل عربي خالد شوقي، وهناك اجتمع مجددا مع قيرو ليحددا معا وجهتهما القادمة.

ويقول الصحفي بقسم التحقيقات في صحفية لاريبوبليكا الإيطالية فابريستو جاتي إن هناك اتفاقية أوروبية قال إنها تثير الضحك وتنص على أن البلد الذي ينقذ أو يأتي بمهاجرين يجب عليه أن يعمل لهم إجراءات اللجوء السياسي والإقامة وأوراق التحرك في أنحاء أوروبا، لكنه لا يسمح لهم إلا بالعيش في هذه الدولة. وهو إجراء اسمه "دبلن 2".

ويعارض رئيس جزيرة صقلية روزاريو كروتشتا "دبلن 2" لأنها لا تعطي الحق لمن يطلب اللجوء لأي بلد أوروبي في التجوال والإقامة في البلدان الأخرى مثل المواطن الأوروبي، وتساءل عن سبب عدم تطبيق اتفاقية شنغن على من يطلب اللجوء ويعيش في أوروبا مثلما تطبق على الأوروبيين.

من جهتها، انتقدت الناشطة الحقوقية نوال الصوفي طريقة معاملة اللاجئين في أوروبا، وقالت إن الشخص الذي يصل عبر البحر يكون هاربا من البحر، واعتبرت أن الهجرة السرية جريمة كبيرة.

ويعرب الصحفي الإيطالي عن أمنيته في نسيان الحواجز والأديان والاختلافات والنظر للبشر كبشر ومعالجة مشاكلهم بوصفهم بشرا وليس بسبب جنسيتهم أو موطنهم.

امتدت مواقع تصوير هذا الفيلم بين ثلاث دول هي إيطاليا ومالطا والسويد. وكان الهدف ممثلا في الوصول إلى عائلات الناجين من غرق سفينة اللاجئين الفلسطينيين والسوريين يوم ١١ أكتوبر/تشرين الأول 2013، تم توزيعهم على مالطا وإيطاليا.

بدأنا التصوير في صقلية وحاولنا التحدث مع السلطات المختصة بحماية الأقليات، غير أن دواع أمنية لم تمكنا من تصوير لحظات لمّ شمل العائلات.

وفي المقابل سمح لنا بالتصوير على مركب غادر من لامبيدوزا باتجاه الأرجنتين وعلى متنه مهاجرون سوريون صغار.

قضينا أكثر من أسبوعين في لامبيدوزا وقابلنا العديد من المهاجرين المقيمين في مركز الاستقبال والإسعافات الأولية، ووفقنا في ربط علاقات صداقة معهم سهلت مهمة حكي القصص علينا وأيضا مهمة الوصول إليهم في ميلان بعد مغادرتهم لامبيدوزا.

لم يكونوا راغبين في البقاء في إيطاليا بل كانوا يرومون الوصول إلى دول شمال أوروبا كالسويد باعتبارها أول دولة في الاتحاد الأوروبي منحت إقامة دائمة للاجئين من سوريا. لكن حلمهم يواجه بعدم قانونية تنقلهم داخل الاتحاد الأوروبي، طبقا لاتفاقية دبلن، مما يحولهم إلى لقمة سائغة للمهربين الذين يتكاثرون بشكل رهيب.

قررنا مغادرة ميلان في اتجاه مالطا للوصول إلى العائلات التي نجت من مأساة أكتوبر. رووا لنا قصصا مريعة أثرت فينا بشكل كبير. منهم من فقد الزوجة أو الأبناء أو هما معا. ألمهم كان كبيرا لدرجة أنهم لم يسمحوا لنا بتصوير وجوههم فاحترمنا مشاعرهم وقرارهم.

في السويد كانت عائلتان أخريان بانتظارنا. حكايتهما تلخصت في أن الآباء أنقذوا من قبل السلطات في مالطا، وتم إنقاذ الأطفال عن طريق السلطات الإيطالية، مما تسبب في انفصالهم عن بعض لأسابيع حتى تمكنوا من الاستقرار بالسويد.

أطفالهم كانوا لا يزالون تحت الصدمة وكانت حالتهم النفسية سيئة نتيجة للتجربة القاسية التي تعرضوا لها. هؤلاء أطفال واجهوا المأساة في البحر في البدء وفصلوا عن آبائهم في ما تلا من أحداث..

في المدينة الفاضلة يحق لكل فرد إنقاذ نفسه وعائلته لكن الواقع مختلف. أجبروا على السفر إلى أوروبا عن طريق البحر لغياب وسيلة قانونية ومشروعة للوصول إلى هناك، والحكومات الأوروبية لا تساعد المهاجرين إلا حين يصيرون على أراضيها.

حلمهم هو العودة إلى سوريا يوما ما فبعضهم يساوره الشعور أنه سمكة أخرجت من مياهها الطبيعية. لقد تأثرنا بحكاياتهم على طول رحلتنا. كانوا يشعرون باليأس وأكثرهم لم تعد لديه رغبة في الحياة. نجاتهم من الغرق ليس نهاية الحكاية فلا يزال أمامهم نضال مضني لاستكمال رحلتهم إلى بر الأمان المادي والنفسي.

إخراج: كريستينا بوكيليني وأيمن الجازوي