استعادت حلقة 19 سبتمبر/أيلول من برنامج "تحت المجهر" فصولا من ممارسات العقيد الليبي الراحل معمر القذافي في مواجهة ثورة 17 فبراير، حيث كانت خطته مبنية على ضرب المدن الثائرة بأبناء المدن الموالية ليوقع أكبر قدر من الحقد والضغينة بين أبناء البلد الواحد.

وشكلت مصراتة واحدة من قلاع الثورة في مواجهة حكم العقيد فنالها من العقاب أشده، وحوصرت لأشهر عديدة وتعرضت للنهب والتخريب، واغتصبت النساء على يد كتائب النظام.

ولم يكن أفراد الكتائب غير أبناء المدينة المحاذية مدينة تاورغاء، مما أسقط من التاريخ مشاركة جزء من أهلها في الثورة ضد النظام. كان ألمُ "العار" أشد إيلاما من الخراب الذي ألمَّ بمصراتة وسكانها، فكان "الانتقام" بحجم المعاناة تشريدا في أرض ليبيا الجديدة.

الحلقة التي حملت عنوان "الطريق إلى تاورغاء" أعادت تسليط الضوء على جذور معاناة سكان المدينة التي اتُّهمت بالانتماء كليا إلى كتائب نظام القذافي، التي حاصرت وهاجمت بوحشية غير مسبوقة مدينة مصراتة وأهلها، فقتلت واعتقلت وعذبت ونهبت واغتصبت الحرائر من بنات المدينة الصامدة.

واعتمدت الحلقة على شهادات المصراتيين التي لم تترك مجالا للشك في وحشية المهاجِمين، ومشاهد الدمار التي نقلتها كاميرا المخرج باحترافية وانسيابية رائعة شهدت على مرور الكتائب من هناك بشكل حوَّل المدينة إلى متحف حي لتخليد ملحمة مصراتة.

معاناة نازحي تاورغاء (الجزيرة)

أبناء تاورغاء سكان سود البشرة بخلاف سكان الساحل البيض، عرفوا بالاعتماد كليا على مصراتة لتأمين احتياجاتهم اليومية المعيشية، عاشوا نوعا من القهر الاجتماعي وهو ما قد يفسر انخراط جزء من أبنائها في الكتائب النظامية.

مهجَّرون
وهم الآن مهجرون داخل ليبيا، وممنوعون من العودة إلى مدينتهم مخافة التعرض للانتقام، ولم تفلح مساعي العقلاء ووجهاء المنطقة في إصلاح ذات البين وطي صفحة الماضي الأليم. وصارت تاورغاء شتاتا في مخيمات داخل البلاد ورديفا للمطاردة والنبذ.

وعايش فيلم الجزيرة مأساة نازحي تاورغاء واستعاد مأساة أبناء مصراتة في ظل مؤسسات دولة غائبة تكتفي بالتنظير للمصالحة الوطنية وتقصّي الحقائق والعدالة الانتقالية دون أثر فعلي على الأرض.

وحدهم بعض الناشطين المنتمين لتاورغاء، الذين شاركوا في الثورة، يواصلون الجهد بتوثيق معاناة أبناء بلدتهم الموزعين بين مخيمات النزوح التي لا تسلم من التعرض لهجمات مسلحة كما المسيرات السلمية للنازحين. الطريق إلى تاورغاء لا تقاس بالمسافة ولا بالزمن بل بخطوات بناء الدولة والمجتمع الجديدين في ليبيا، وهي طريق تبدو طويلا جدا.

في حلقة تحت المجهر "الطريق إلى تاورغاء" معالجة فنية حميمية لموضوع شائك ومؤلم، جمعت بين الوثيقة التاريخية والشهادة الحية والصورة الفنية المبدعة البعيدة عن التبئيس فنا وموضوعا.