الاستعمار الفرنسي في الجزائر دام 130 سنة (الجزيرة)

تتطرق حلقة "عندما فر المستوطنون" من برنامج "تحت المجهر" الذي يبث الخميس إلى موضوع الاستيطان الفرنسي في الجزائر، من حيث ظروفه التاريخية وتجلياته الحضارية والنتائج التي انتهى إليها المشروع الاستيطاني في هذا البلد، متجلية في فرار المستوطنين ومغادرتهم الجزائر منبوذين ليستقبلوا على الأراضي الفرنسية بغير حفاوة.

وتعتمد الحلقة على أرشيف الحقبة الاستعمارية وشهادات مؤرخين ورجال عاصروا المرحلة، وتقدم  قراءة وتحليلا لمرحلة نكاد نجد لها واقعا مطابقا على أرض فلسطين في انتظار تحقق انحسار المد الاستيطاني والقضاء عليه.

تنطلق حلقة "عندما فر المستوطنون" من احتفالية السلطات الاستعمارية الفرنسية بمئوية الحضور الفرنسي بالجزائر في بداية ثلاثينيات القرن الماضي، حيث أعلن عن إقامة "الجزائر الفرنسية" تلاه مد استيطاني فرنسي غير مسبوق حاول -كما أشار إليه المؤرخون والباحثون المشاركون في البرنامج بشهاداتهم- تحويل أسس الدولة الجزائرية لغة وعمرانا ومظاهر حياة إلى "طابع فرنسي" كامل.
 
وقد صار للمستوطنين دولة خاصة بحقوق استثنائية على حساب السكان الأصليين الذين سموهم "الأهالي" وبنوا مجتمعا أوروبيا مصغرا على نقيض المجتمع الجزائري الفقير، وهو ما أثر على حركية الاستعمار الدولي وقتها، ودفع بالدول الاستعمارية إلى تشديد قبضتها على المستعمرات تأسيا بالنموذج الفرنسي في الجزائر.

وتشير الوثائق التاريخية التي استعان بها برنامج "تحت المجهر" في حلقته، من صور وأفلام، إلى دلائل على نزوع الفرنسيين إلى التنكيل بالشعب الجزائري وتقتيله والاستيلاء على أراضيه في سبيل رفاهية حفنة من القادمين الجدد، الذين صاروا بفضل تنظيمهم وتكتلهم يسيطرون على القرار السياسي بباريس. وهكذا صارت المستعمرة تؤثر على المركز، وفق المؤرخين المشاركين.

ولأن الضغط يولد المقاومة دوما، فقد ركز برنامج "تحت المجهر" على التوثيق لبدء المقاومة السياسية والمسلحة الجزائرية، ابتداء بالدورالذي لعبته جمعية العلماء المسلمين بقيادة عبد الحميد بن باديس في الحفاظ على الهوية الإسلامية الجزائرية، مرورا بتأسيس أول الأحزاب الوطنية وهو حزب "نجم شمال أفريقيا" الذي تحول إلى الحزب الشعبي الجزائري كأول حركة سياسية منظمة في كل التراب الجزائري، وانتهاء بالمقاومة المسلحة التي استطاعت أن تنهي الفترة الاستعمارية في ملحمة المليون شهيد.

كما استعادت حلقة "عندما فر المستوطنون" الصراع السياسي الداخلي الفرنسي بين الجنرال شارل ديغول وأطراف العملية السياسية المختلفة بمن فيهم ممثلو المستوطنين الذين رفضوا الخضوع لقرار تقرير المصير الذي أقره الجنرال، وأسسوا منظمة الجيش السري التي أرهبت الجزائريين.

بعد تقرير المصير الذي اختار فيه الجزائريون الاستقلال عن فرنسا، وجد المستوطنون أنفسهم أمام مطرقة الهرب من الجزائر وسندان التجاهل الرسمي الفرنسي، وصار "الأقدام السوداء" -وهو الاسم الذي أطلق عليهم غداة الهرب إلى فرنسا- مبعدين عن دولة يعتبرونها دولتهم حيث ولدوا وعاشوا في الجزائر، ومضطرين للاندماج في مجتمع فرنسي عاملهم بعنصرية واعتبرهم غرباء.

ومن خلال شهادات أطفال تلك الحقبة التاريخية الذين صاروا كبارا، يمنح برنامج "تحت المجهر" الفرصة لأبناء "الأقدام السوداء" للحديث عن وجهة نظرهم تجاه تلك الأحداث وما تلاها.

"عندما فر المستوطنون" وثيقة تاريخية مهمة من الماضي، لها امتداد واضح في الحاضر العربي حيث لا يزال الاستيطان اليهودي سرطانا يسري في الجسد الفلسطيني منذ أكثر من ستين عاما. 
 
ويذكر البرنامج أن الاستعمار الفرنسي للجزائر دام 130 سنة لكنه انكسر في النهاية، ووجد المستوطنون أنفسهم يهربون ويهرعون خارجا دون أن يلاقوا الاستقبال من أحد.