سلطت حلقة برنامج "تحت المجهر" (وهي معادة) الضوء على جذور وأبعاد الصراع في إقليم  دارفور السوداني، وظهور الحركات المتمردة، والتدخلات الخارجية التي يرى البعض أنها زادت من تعقيد هذه الأزمة، وصولا إلى مساعي السلام بين الحكومة والحركات المتمردة.

ورغم أنه يضم أكثر من ربع سكان السودان، فإن إقليم دارفور لا يحظى بأي تمثيل في مواقع السلطة الرئيسة في السودان، وفي عام 2003 أصدر بعض أبناء الإقليم ما عُرف بالكتاب الأسود والذي شرح وجهة نظرهم حول تقاسم السلطة والثروة.

الصراع في دارفور بدأ على الموارد الطبيعية (الجزيرة)

وعن خلفية الصراع في دارفور، يقول آدم يوسف -وهو من أبناء الإقليم ونائب رئيس الجمهورية- إن صراعا تاريخيا طويلا كان بين المزارعين والرعاة في الموارد الطبيعية، وكانت هذه الصراعات يحلها المجتمع بآلياته التقليدية والمحلية من خلال الصلح والتقاليد.

بينما يرجع عضو المكتب السياسي لحركة العدل والمساواة، محمد زكريا فرج الله جذور الصراع إلى ما قبل مجيء حكومة الإنقاذ الوطني، حيث بدأت مسيرة التهميش بالنسبة للإقليم الغربي منذ استقلال السودان في 1956، واستمر هذا التهميش عبر الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان.

وأدى غياب التوزيع العادل للسلطة والثروة إلى ظهور حركات التمرد المسلح في دارفور، وكان أولها حركة سوني عام 1965 والتي أخمدت مباشرة لتتوالى بعدها حركات التمرد المسلح.

مواطنون من دارفور (الجزيرة)

وجرت اتهامات متبادلة بين الحكومة وحركات التمرد حول حجم الانتهاكات وأسبابها، وما بين 12 ألف قتيل حسب الحكومة، ومائة ألف حسب حركات التمرد المسلح لم يخسر إنسان دارفور الأرواح فحسب بل فقد أيضا الأمن والسلم الأهلي.

وكان مئات الآلاف من المهجّرين والنازحين الوجه الأبرز لمأساة دارفور التي تنامت ففتحت بابا واسعا للتدخل الدولي والإقليمي، لكن تغير موقف تشاد من دعم المعارضة الدارفورية شكل التحول الأهم والذي مهد فيما بعد لأول جولة من المفاوضات في أبوجا.

ويؤكد رئيس السلطة الإقليمية لدارفور التيجاني السيسي أتيم أن التدخلات الأجنبية المختلفة هي التي عقدت قضية دارفور. بينما يشير آدم حامد موسى -رئيس مجلس الولايات، وهو من أبناء دارفور- إلى أن هناك برامج معدة من قبل منظمات عالمية منذ سنة 1948 لتقسيم السودان إلى خمس دويلات بفصل دارفور، مشيرا إلى أن منظمات صهيونية تقف على رأس هذه المنظمات، وتسعى للوصول إلى منابع النيل.

غازي صلاح الدين -مستشار سابق لرئيس الجمهورية السودانية- يقول من جهته إن هناك دولا في الإقليم ساندت العمل المسلح في دارفور، وأن هناك دولا خارج الإقليم على المستوى الدولي أيضا ساعدت إما بالدعم السياسي أو حتى بالدعم المعلوماتي لتلك الحركات.
د. غازي صلاح الدين: دول ساعدت حركات التمرد بدارفور (الجزيرة)

التفاوض
وبعدما لم تحقق حركات التمرد أهدافها بعد ست سنوات من العمل العسكري جنحت مرة أخرى للتفاوض في العاصمة القطرية الدوحة، ولكن رغم الجهود الكبيرة من رعاة المفاوضات والوسطاء فإن تشرذم وانقسام حركات التمرد منع الوصول لاتفاق شامل مع كل الحركات.

ويضيف صلاح الدين أنه بعد عامين من المفاوضات الشاقة والمتقطعة، وقعت جميع فصائل التمرد -التي زاد عددها عن عشرين- وثيقة الدوحة باستثناء حركة العدل والمساواة التي انسحبت في المراحل النهائية من المفاوضات.

يُشار إلى أن وثيقة الدوحة لسلام دارفور تنص على تقاسم الثروات والسلطة بين حكومة الخرطوم وحركات دارفور، فضلا عن التصدي لقضايا أساسية للنزاع المسلح بالإقليم كإقرار تعويضات للنازحين، وموضوع اللجوء ووضع الإقليم من الناحية الإدارية.

مقابل قضايا المركز التي تشغل كل مجتمع أو منطقة في العالم هناك ما يمكن أن نسميه "قضايا الهامش" ذلك الهامش السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الجغرافي والذي تعاني فيه فئة مغيبة عن التأثير وحتى عن المشاركة في رواية القضية، رغم أن هذه الفئة قد تكون هي الأغلبية.

ورغم أن قضية دارفور احتلت العناوين أحيانا بقدر ما نزفت من دماء، إلا أن ما حفزني على خوض تجربة هذه الحلقة من برنامج "تحت المجهر" وعنوانها "دارفور المنعطف" هو محاولة رؤية الجانب الآخر من الرواية والجزء المختلف من الجغرافيا، والوجه الآخر من الرواية التاريخية، وكل ذلك في بيئة بصرية مختلفة بعيدة عن رتابة المدن وهو ما كنا نأمل أن يمنحنا الكثير.

إن العمل على قضية من قضايا الصراع الداخلي مرهقة لحساسياتها المتعددة، خاصة في أي من دول العالم الثالث حيث يبدو الحصول على معلومة صحيحة تحديا بحد ذاته، وهو ما شكل لنا تحديا إضافيا، خاصة أننا بدأنا العمل على الفيلم كفريق فيما القضية تتطور كل يوم ما فرض استمرار عمليات البحث وتطوير الإعداد حتى اللحظات الأخيرة.

كمخرج فإن عملي في بيئات النزاعات والحروب يحمل أهمية تبدو وقتية بقدر ما ظل الحدث ساخنا، وأحاول فيها كصانع للفيلم أن اقتنص ما يجعلها قصة صالحة للرواية والعبرة الدائمة، لكن هذه البيئات بنفس الوقت لا تسمح لصانع الفيلم -لأسباب لوجستية وإنتاجية بالغالب- بتحقيق كامل الرؤية الفنية والجمالية ولا حتى الرواية السردية كما كان يريد، رغم محاولات التكيف والتحلي بالقناعة البصرية والتي هي بحد ذاتها مبعث معاناة كافية.

بدأنا العمل في وقت كانت فيه قضية دارفور على مفترق طرق، فإما أن تدخل في مسار الحل أو تتشظى إلى عدة قضايا وجبهات ملتهبة في شرق السودان وولاياته الجنوبية إضافة إلى غربه المشتعل أصلا، وهنا يكتسب تحقيق الموضوعية في الآراء وتنوعها أهمية خاصة سيما ونحن نعالج صراعا سياسيا تاريخيا بامتياز، يتداخل فيه المحلي مع الإقليمي والدولي وتختلط فيه مأساة الواقع بإرث السالف.

إن العمل مع فريق متنوع ومحب للعمل هو بحد ذاته مبعث إلهام لأي مخرج، وهو ما حظيت به كمخرج في تجربة هذا الفيلم، وآمل أننا استطعنا أن نفي هذا الجانب من وطننا العربي الكبير بعض ما يستحق من اهتمام.

المخرج: بشار غنام