بعد عامين من استقلال السودان انتهى عمر الحكومة الديمقراطية الأولى وبدأ حكم العسكر، كان ذلك في 18 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1958 حين أعلن الفريق إبراهيم عبود -الرجل الأول في المؤسسة العسكرية في السودان آنذاك- استيلاءه على الحكم. لكن المظاهرات أجبرته على التنحي عام 1965.

بعد إعلانه عن تشكيل المجلس العسكري، أصدر عبود جملة من القرارات والمراسم حل بموجبها الأحزاب السياسية كلها ومنعها من ممارسة العمل وصادر دورها وضيّق على حرية الصحافة.  

ويقول يوسف حسين للحلقة المعادة من برنامج "تحت المجهر" إن السلطة الانقلابية ضربت الحريات السياسية والنقابية والصحفية، وبدأت في محاكمة عدد من الناس في النقابات.  

غير أن نظام عبود العسكري -ورغم صرامته- لم يستطع أن يمنع الانفلاتات داخل المؤسسة العسكرية فبدأ التململ داخلها، وشهد مارس/آذار عام 1959 أول محاولة انقلابية على نظام عبود، ثم تنوعت أدوات مقاومة النظام العسكري بالمذكرات والإضرابات وصولا إلى أولى المظاهرات الجماهيرية احتجاجا على قرار تهجير أهالي حلفا أقصى شمال السودان بموجب اتفاقية إنشاء السد العالي بين مصر والسودان.

وليس غريبا أن يبدأ النشاط المدني ضد العسكر في الجامعات وتحديدا من طلاب جامعة الخرطوم الذين صاروا فيما بعد أساس ثورة أكتوبر عام 1964.     

وقد أدت جملة التطورات التي حدثت في السودان إلى تغير موقف حزب الأمة -أكبر القوى السياسية آنذاك والذي أيد نظام عبود في البداية- إلى مطالبته في عام 1960 العسكر بتسليم السلطة للمدنيين. مع العلم أنه بعيد انقلاب عبود صدرت عدة بيانات من قيادات سياسية ودينية سودانية تؤيد الانقلاب، بينما عارض الحزب الشيوعي الانقلاب علناً.

والتفت القوى السياسية حول الإمام الصديق المهدي وبدأت تنظم صفوفها، وحاول النظام التفاوض معه لكنه رفض التنازل. وبحسب ربيع حسن، ففي ذلك الوقت كان اليسار بقيادة الحزب الشيوعي يبحث في خطوط التقاء مع نظام عبود. وقرر عام 1962 الانسلاخ عن جبهة الأحزاب ليتحول من المعارضة إلى مهادنة النظام ومحاولة المشاركة في صنع القرار.

على صعيد جنوب السودان يعتبر عام 1962 مفصليا هاما في مواجهته للنظام الذي لم تكن له سياسة واضحة تجاه خصوصية الجنوب.

ويقول الخبير الإستراتيجي، محمد حسين أبو صالح إن نظام عبود لم يتعامل بحكمة مع الجنوب الذي توجد به مصالح إستراتيجية غربية. أما زعيم حزب المؤتمر الشعبي حسن عبد الله الترابي فأكد في ندوة في جامعة الخرطوم أنّ ثمّة ظروفا قادت الجنوب إلى التمرد وأن حل مشكلات البلاد يكمن في ذهاب النظام العسكري ورجوع الجيش إلى ثكناته.

شرارة الثورة 
بدأ الطلاب العزل في الجامعات يواجهون قمع النظام وجهاً لوجه، ولأول مرة استخدمت الشرطة الرصاص الحي فسقط طالب كلية العلوم أحمد القرشي شهيداً ليعرف في كتب التاريخ لاحقاً بأول شهيد لثورة أكتوبر/تشرين الأول عام 1964 للميلاد.

وتحول تشييع الطالب أحمد القرشي إلى مظاهرة مهيبة يتقدمها القادة السياسيون، وتبعتها مظاهرات واحتجاجات عمت جميع مدن السودان وطالبت برحيل النظام، وفي الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول تدافع آلاف السودانيين إلى القصر مطالبين الفريق عبود بالتنحي، فتصدى لهم الحرس الجمهوري وسقط 22 من الشهداء و19 من الجرحى.

واستمرت المظاهرات حتى مارس/آذار عام 1965 وارتفع سقف مطالب الجماهير من حل المجلس العسكري إلى إزاحة الفريق عبود عن رأس الدولة وتشكيل حكومة انتقالية تشرف على إجراء انتخابات ديمقراطية، وهكذا أجبر الفريق إبراهيم عبود على إعلان تنحيه.

ويصف القيادي بحزب البعث العربي الإشتراكي محمد علي جادين ثورة أكتوبر بأنها أكبر حدث سياسي بعد الاستقلال، بينما تقول القيادية بحزب الأمة مريم الصادق المهدي: إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، "هذا درس قوي وفعلي وعملي أكدته وأظهرته وجددته مرة أخرى ثورة أكتوبر".

 اسم البرنامج: تحت المجهر.

عنوان الحلقة: ضد العسكر.. ضد عبود

ضيوف الحلقة:

- مريم الصادق المهدي/قيادية بحزب الأمة.

- حسن الترابي/زعيم حزب المؤتمر الشعبي.

- يوسف حسين/قيادي بالحزب الشيوعي السوداني.

- معتصم أحمد الحاج/باحث في التاريخ السياسي.

- محاسن عبد العال/شاهد عيان ثورة أكتوبر.

- . ربيع حسن/رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم 1964

- محمد علي جادين/قيادي بحزب البعث العربي الاشتراكي.

- زكريا أتيم/وكيل أمير دينكا نقوك.

- محمد حسين أبو صالح/خبير استراتيجي.

تاريخ الحلقة:  3/10/2014

المحاور:

- الدافع الأكبر للانقلاب العسكري

- دكتاتورية عسكرية تصادر الديمقراطية

- تزايد فرص الانقلاب على عبود

- إقصاء الحزب الشيوعي

- معارضة متنامية من القوى السياسية

- حرب عصابات تقودها حركة الأنانيا

- القرشي شرارة ثورة أكتوبر

تعليق صوتي: بعد عامين من الاستقلال انتهى عمر الحكومة السودانية الديمقراطية

الأولى وبدأ حكم العسكر، كان ذلك في 17 نوفمبر عام 1958 للميلاد حين أعلن الفريق

إبراهيم عبود الرجل الأول في المؤسسة العسكرية في السودان آنذاك استيلاؤه على

الحكم، قبل استيلاء العسكر كانت حكومة الائتلاف الحزبي بقيادة عبد الله خليل بيك

رئيس الوزراء قد وصلت إلى نقطة كثر فيها الخلاف بين الحزبين المؤتلفين حزب الأمة

والحزب الوطني الاتحادي، وتشير الوثائق إلى أن سحب الثقة عن رئيس الوزراء عبد

الله خليل كان سيطرح في جلسة البرلمان في ذات اليوم الذي أذاع فيه الفريق إبراهيم

عبود بيانه الأول.

]شريط مسجل[

البيان الأول للرئيس إبراهيم عبودـ 17/9/1958 : أيها المواطنون أحيكم جميعا أطيب تحية وبعد، كلكم يعلم ويعرف تماما ما وصلت إليه حالة البلاد من سوء وفوضى وعدم استقرار للفرد والمجموعة.

الدافع الأكبر للانقلاب العسكري

مريم الصادق المهدي/قيادية بحزب الأمة: رئيس الوزراء المنتخب واللي هو أحد

الأعمدة المهمة في تكوين حزب الأمة سيادة رئيس الوزراء عبد الله بيك خليل قام بتسليم

السلطة للجيش وده الأمر اللي أدى لإخراج البلد من مؤامرة كبيرة تحاك إقليميا داخلة

فيها أطراف سودانية وأطراف مصرية لإعلان غير متفق عليه لاتحاد مع مصر.

حسن الترابي/زعيم حزب المؤتمر الشعبي: الأحزاب تعوّل فقط على الولاء الطائفي

القديم، طبعا الحزب الاتحادي كان منشقا من أيام ثورة أكتوبر من قبل من المرحلة

الأولى، حزب الأمة كان متوحدا لكن موقع الإمامة يعني المعروف الأول رحمه الله

والذي ولاه بعد ذلك مات في عهد عبود الإمام الصديق من قبل والده الإمام عبد الرحمن

المهدي، طبعا عبود نصرها السيدان ببيانات يعني ما كانت ثورة ضد النظام لأنها بأمر

من النظام فهو واحد في النظام.

تعليق صوتي: بعيد انقلاب الفريق عبود صدرت عدة بيانات من قيادات سياسية ودينية

سودانية تؤيد الانقلاب من أبرزها زعيم كيان الأنصار السيد الإمام عبد الرحمن المهدي

وزعيم طائفة الخاتمية السيد علي المرغني وكذلك الإخوان المسلمون وبعض القوى

الأخرى، فريق واحد فقط عارض انقلاب عبود علناً وهو الحزب الشيوعي.

يوسف حسين/قيادي بالحزب الشيوعي السوداني: المقاومة الشعبية ضد سياسات حكومة

عبد الله خليل قربت بين أطراف الأحزاب الوطنية فحصل تقارب بين الوطني الاتحادي

وبين حزب الشعب الديمقراطي اللي كانوا انقسموا في فترة سابقة، والأحزاب التقليدية

هذه وجدت السند والدعم من الجماهير، جماهير ممثلة في الحزب الشيوعي في اتحاد

العمال.

مريم الصادق المهدي: رئيس الحزب آنذاك اللي هو الإمام الصدّيق المهدي كان رئيس

الحزب كان بعيد في رحلة استشفائية في خارج البلد وكان موجود والده الإمام عبد

الرحمن المهدي عليه رحمة الله يعني كان بعيد عموما عن العمل السياسي لكن رأى في

الموضوع تصالح كلهم أبناؤه هو بالنسبة له الإمام عبد الرحمن أبو الاستقلال زي ما

نقول عنه وهو من أتى بشعار السودان للسودانيين وعاش السودان حرا مستقلا، كل

المعاني هذه إنه المهم أنجزوا ما أرادوا إنهم جابوا استقلال بديمقراطية، صراع الأبناء

هذا صراع الأبناء فأخذ بالمنظور هذا وعمل البيان.

دكتاتورية عسكرية تصادر الديمقراطية

تعليق صوتي: بعد إعلانه تشكيل المجلس العسكري أصدر الفريق إبراهيم عبود جملة

من القرارات والمراسم حل بموجبها الأحزاب السياسية كلها ومنعها من ممارسة العمل

وصادر دورها وضيّق على حرية الصحافة بإصدار لائحة طويلة بالموضوعات التي

يمنع على الصحف تناولها من قريب أو من بعيد إلى جانب منع التجمعات والتضييق

على أنشطة الجمعيات والمؤسسات الأهلية.

حسن الترابي: القوة والطاقة المطلقة في الحكم تسلطك على الآخرين وتفتنك، السلطة

فتنة حتى لو كنت طيب المعشر مع أصدقائك أن تحكم بعد ذلك حجّاب لا يدخل عليك أحد

ولو تكلم أحد ضدك ورأيت أن حجته قوية أسكتوه أسكتوا صحيفته أدخلوه السجن أو

اقطعوا رقبته مرة واحدة.

معتصم أحمد الحاج/باحث في التاريخ السياسي: هؤلاء العسكريين الكبار والصغار

يدخلوا إلى مراحل تعليم مختلفة بعد ذلك، يدرسوا في مدرسة عسكرية تربيهم على تقاليد

عسكرية معينة لا نطلب منها إنها تكون هي المؤسسة الديمقراطية لأنه طبيعة تكوينها

وتربيتها تختلف عن طبيعة وتركيبة النظم التعليمية الأخرى المختلفة.

تعليق صوتي: في بدايات عام 1959 للميلاد أصدر نظام عبود لائحة قانون دفاع  

السودان، خوّلت لوزير الداخلية سلطات واسعة وجعلت من وزارة الداخلية مسؤولة عن

مراقبة الرسائل البريدية رقابة الصحف منع دخول الصحف الأجنبية، تفتيش أي منزل

أو مبنى أو عربة أو مركب أو طائرة بالقوة في أي وقت، اعتقال أي شخص بدون أمر

قبض، إرغام أي أحد للإدلاء بأقواله، منع المواكب حظر التجوال، حظر مغادرة أي

مواطن، التحفظ على أي شخص ولأي وقت دون تقديمه لمحاكمة.

معتصم أحمد الحاج: هذا ليس أول انقلاب يحدث في إفريقيا أو في العالم، تجارب

الانقلابات العسكرية أنها تبعد المجتمع المدني جانبا وتبدأ هي في العمل لذلك تكون من

أولى مقرراتها حل الأحزاب، حل النقابات وكذا وكذا.

يوسف حسين: صدر قانون النقابات لعام 1960 ، النقابات كانت محظورة طبعا، في

نقاط سيئة وسلبية كثيرة، لكن نحن في الحزب الشيوعي في النقابات قلنا نقبله لأنه يتيح

لنا فرصة لتنظيم النقابات أو لإعادة تنظيم النقابات ودي اللي بعد فترة وجيزة جدا من

قيام النقابات قام إضراب سكة الحديد في يوليو 1961 اللي استمر أسبوع.

تعليق صوتي: عُرف انقلاب عبود شعبيا بانقلاب 17 نوفمبر وقد أثبتت التجربة أن هذا

الانقلاب لم يكن يملك برنامجا ولا نظاما سياسيا فلم يكن له من جسم إلا المجلس

العسكري لذلك أخذ نظام عبود السياسي من شكل وأسلوب وتسلسل القيادة العسكرية،

فالقائد العام هو رأس الدولة ونائب القائد العام هو نائب رأس الدولة، وشغل العسكريون

الكبار حسب الأقدمية المناصب العليا في الوزارات فصبغ نفسه بصبغة عسكرية قحة

ولم يكن أمامه والحال هذه إلا أن يسير بالبلاد جميعا وفقا للأفق العسكري الذي اختاره.

يوسف حسين: نظام عبود رغم أنه ما سعى لقاعدة جماهيرية تلتف حوله إلا أنه بعدما

حل الاتحاد النسائي عمل هيئة نساء السودان بديل للاتحاد النسائي.

محاسن عبد العال/شاهد عيان ثورة أكتوبر: النظام حل كل المنظمات يعني كل

التنظيمات نسائية ورجالية بقت ما في حركة كلها تعطلت وكانت الحركة بتاعت المرأة

ذاتها بقت فيها صعوبات لأنه طبعا في نظام دكتاتوري.

تزايد فرص الانقلاب على عبود

تعليق صوتي: لم يستطع نظام عبود العسكري رغم صرامته أن يمنع الانفلاتات داخل

المؤسسة العسكرية فبدأ التململ داخلها، شهد آذار مارس من عام 1959 للميلاد أول

محاولة انقلابية على نظام عبود، ولم يكد النظام يحبط المحاولة الأولى حتى توالت

المحاولات بدوافع مختلفة حتى وصل الأمر بالنظام أن حكم على بعض قادة هذه

الانقلابات بالإعدام.

ربيع حسن/رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم 1964 : الجو السياسي جو رافض

لحكومة نوفمبر وكان يسعى لتغيير هذه الحكومة بأي وسيلة ممكنة، لكن أكثر فئة كانت

متصدرة للحركة ومنذ أن دخلنا الجامعة في 1959 بدأت من محاكمات وإعدام،

البكباشي علي حامد في محاولة الانقلاب.

تعليق صوتي: شهد عام 1959 للميلاد أول مواجهة مدنية ضد حكم عبود العسكري

وليس غريبا أن يبدأ النشاط المدني ضد العسكر في الجامعات وتحديدا من طلاب جامعة

الخرطوم الذين صاروا فيما بعد أساس ثورة أكتوبر عام 1964 للميلاد، فقبل أن يمر

عام على حكم عبود بادر طلاب جامعة الخرطوم بتسليم أول مذكرة للنظام في تشرين

الأول أكتوبر عام 1959 مطالبين بالحرية والديمقراطية.

محاسن عبد العال: العمل هذا بدأ من يوم 18 نوفمبر يعني بعد الانقلاب ثاني يوم طوالي

بعد الانقلاب كان في حركة جماهيرية متصلة، للحقيقة والتاريخ المرأة السودانية كانت

مشاركتها فاعلة وكان دورها عالٍ في النظام السياسي تحركت المرأة السودانية على

نطاق السودان وأعلنت إضراب معلمات وطبيبات وممرضات وفي كل القطاعات

شاركت في الإضراب السياسي.

تعليق صوتي: وبعد عام بالضبط من حكم العسكر تحرك العمال ذلك أن النظام كان قد

حل اتحاد نقابات العمال وأغلق دوره وصادر صحيفته فتقدم العمال بمذكرة يطالبون فيها

بحقوقهم وأعقبوا ذلك بإضراب جزئي عن العمل في الخرطوم بالتوازي مع إضراب

طلاب جامعة الخرطوم.

محمد علي جادين/قيادي بحزب البعث العربي الاشتراكي: في منطقة أيضا مهمة جدا

اللي هي النقابات، نقابات العمال والموظفين والمهنيين، كانت علاقتها قوية جدا

بالمنظمات المشابهة في المنطقة الإفريقية والعربية والعالمية وهي في عمومها حركات

نقابية مهنية لكن تلامس السياسة، تبحث عن تغيير الحياة السودانية إلى شيء جديد.

إقصاء الحزب الشيوعي

تعليق صوتي: كان حراك الحزب الشيوعي السوداني وسط العمال مؤثرا في حفزهم

على الإضراب فقد تمكن عمال السكك الحديدة عام 1961 للميلاد من تنفيذ أهم إضراب

شامل آنذاك امتد إلى أسبوع كامل مما أدى إلى شلل تام في حركة النقل الداخلي، لكن

النظام واجه ذلك وفقا لقانون دفاع السودان الذي أصدره بسجن قادة العمال وتشريدهم

كما عمد إلى خطط أخرى باصطناع قيادات بديلة غير أن حركة العمال لم تخمد.

يوسف حسين: السلطة الانقلابية ضربت الحريات السياسية والنقابية والصحفية، بدأت

محاكمة لعدد من الناس في النقابات على رأسهم الشهيد الشفيع أحمد الشيخ وعلى قادة

الحزب الشيوعي على رأسهم محمد إبراهيم نقد وحكمت عليهم بالسجن، وكانت الذريعة

التي وضعوها اتحاد النقابات الديمقراطي أو اتحاد العمال الديمقراطي العالمي أنه هذا

تنظيم غير معترف به وغير شرعي وبالتالي الاجتماع بتاعهم كان غير شرعي.

معارضة متنامية من القوى السياسية

تعليق صوتي: تنوعت أدوات مقاومة النظام العسكري فبدأت بمحاولات الانقلاب

العسكري ثم المذكرات ثم الإضرابات وصولا إلى أولى المظاهرات الجماهيرية ضد

النظام احتجاجا على قرار تهجير أهالي حلفا أقصى شمال السودان بموجب اتفاقية إنشاء

السد العالي بين مصر والسودان، حسب الدراسات جاءت توصية النظام السوداني نقل

أهالي مدينة وادي حلفا لموطن جديد خوفا من أن تغرقها بحيرة السد العالي، ووفقا

للدراسات الفنية وبعد زيارة الفريق إبراهيم عبود لمنطقة حلفا فقد مُنح المواطنون حق

اختيار موطنهم الجديد ووعد عبود بدفع تعويضات مجزية ومتفق عليها، لكن نظام

الفريق عبود نكث بوعوده، ما حصل لأهالي حلفا أن أجبروا على مكان موطن جديد لم

يختاروه وأجبروا على الرحيل وانتزعت حصة كبيرة من التعويضات المتفق عليها

فثارت ثائرة الأهالي على نظام عبود وخرجت المظاهرات عام 1960 في حلفا

والخرطوم وبعض المدن الأخرى ليستخدم الشعب وسيلة جديدة لمقاومة النظام العسكري

وهي المظاهرات، أدت جملة التطورات التي حدثت في السودان إلى تغير موقف حزب

الأمة أكبر القوى السياسية آنذاك والذي أيد نظام عبود في البداية إلى مطالبته في عام

1960 للميلاد العسكر بتسليم السلطة للمدنيين، فأرسل الصديق ابن الإمام عبد الرحمن

المهدي زعيم حزب الأمة بمذكرة شهيرة لعبود هي الأولى من زعيم سياسي إلى النظام

طالبه فيها بتسليم الحكم والرجوع إلى الثكنات بعدما زالت برأيه حسب بيان الانقلاب

الأول أسباب بقاء الحكم العسكري، تبع ذلك مذكرة أخرى بعثها أول رئيس لجمهورية

السودان بعد الاستقلال الزعيم إسماعيل الأزهري مطالبا الحكم العسكري بالتنحي بيد أن

عبود تجاهل المذكرتين مما مهد لقيام جبهة الأحزاب في ذات العام 1960 للميلاد.

معتصم أحمد الحاج: إذا كان الحزب محلول الدور بتاعته مصادرة رقابة صارمة عليهم،

فأين يتجمعوا، أين يبادروا؟ فكانت غالبية التحركات هي تحركات فردية، كان هنالك

تنظيم يجمع الأحزاب وحجتها الوطنية المتحدة كانت هذه تجتمع اجتماعاتها السرية في

قبة الإمام المهدي وهي قديمة وعريقة، المقاومة لم تتوقف.

مريم الصادق المهدي: الانقلابيون في 1958 رأوا أنه يجب أن تقمع أي مطالب

بصورة سلطوية وعملوها في الجنوب وعملوها في الشمال، عملوها في كل أنحاء

السودان بقى خذلان كبير جدا للاتفاق مع أهلنا في الجنوب، هؤلاء طلعوا في الخارج

وبقوا في المنافي وهم الذين أسسوا الرؤية السياسية للحركة العسكرية بتاع أنانيا المتمردة

ومسألة فرض التغيير في الجنوب بالقهر واستعمال القهر في الحكم وكل المعاني هذه

خلّت موقف الإمام الصديق يقوى يوما بعد يوم.

تعليق صوتي: التفت القوى السياسية حول الإمام الصديق المهدي وبدأت تنظم صفوفها

بما في ذلك أحزاب الوطني الاتحادي وطائفة الخاتمية، على أن نظام عبود بدأ تأسيس

علاقات جديدة مع الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وبعض الأنظمة الإفريقية القوية آنذاك

مثل نظام عبد الناصر في مصر ونكروما في غانا وهيلاسلاسي في إثيوبيا، وبات من

الواضح أن النظام باتجاه بسط علاقات دولية وإقليمية يجعل العمل الحزبي المعارض

المشكك في شرعيته متعثرا.

]فاصل إعلاني[

تعليق صوتي: مثّل الإمام الصديق المهدي قلب المعارضة السياسية وحاول النظام

التفاوض معه لكنه رفض التنازل خاصة بعد أحداث احتفالات المولد النبوي بأم درمان

صيف 1961 التي واجه فيها النظام متظاهري الأنصار وحزب الأمة المدنيين

مواجهات دموية قُتل فيها 17 سوداني واعتقل العشرات ونفي بعدها عدد من الزعماء

السياسيين إلى جوبا في جنوب السودان.

مريم الصادق المهدي: حزب الأمة دفع في ذلك بصورة أساسية عدد كبير من الشهداء

في العمل المدني الجهاد المدني نتيجتها الإمام نفسه الصّديق رئيس الحزب حصلت له

أزمة قلبية وعلى إثرها هو حتى مات صغير السن في أوائل الخمسينات من عمره.

ربيع حسن: في ذلك الوقت كان اليسار في السودان بقيادة الحزب الشيوعي يعني

متراجع في مسألة المعارضة وكان بدأ يبحث في خطوط التقاء مع نظام عبود.

يوسف حسين: قلنا ننزل الانتخابات عشان الفرصة بتاعت الحرية في الانتخابات في

ظل الدكتاتورية أنت ممكن تعمل ندوات ممكن تطلع بيانات نستفيد منها في كشف القانون

الرجعي بتاع المجلس المركزي وفي فضح النظام العسكري الدكتاتوري ذاته وهذا تم.

حرب عصابات تقودها حركة الأنانيا

تعليق صوتي: بعد عام من وفاة الإمام الصديق المهدي كانت جذوة مقاومة النظام

العسكري قد خبأت وقرر الحزب الشيوعي السوداني عام 1962 للميلاد الانسلاخ عن

جبهة الأحزاب ليتحول من المعارضة إلى مهادنة النظام ومحاولة المشاركة في صنع

القرار في أعقاب زيارة بريجنيف زعيم الاتحاد السوفيتي إلى السودان آنذاك، وكان

الحراك ينتقل مجددا لجامعة الخرطوم، على صعيد جنوب السودان يعتبر عام 1963

للميلاد مفصليا هاما في مواجهته للنظام ذلك أن القادة السياسيين والعسكريين الجنوبيين

استطاعوا التوحد وتوجيه عدد من الضربات في مدن مثل فشلا وواو، لم تكن لنظام

عبود سياسة واضحة تجاه خصوصية الجنوب لكن ما نفذه من سياسات متفرقة عملت

على مفاقمة الأوضاع سياسيا وعسكريا في الجنوب، فقد تعامل مع حركة الأنانيا

الجنوبية بانفلات داخلي يجب أن يحسم عسكرياً إلى جانب قيامه بإلغاء عطلة يوم الأحد

واستبدالها بالجمعة وانتزاع المدارس من البعثات التبشيرية.

زكريا أتيم/وكيل أمير دينكا نقوك: أصدر عبود قرار بخروج القساوسة والأجانب وقام

بطردهم من كنائس جنوب السودان وهذا مما أدى إلى إغلاق وتعطيل الكنائس في جنوب

السودان، بعدما أغلقوا المدارس في جنوب السودان كانت كنائس الشمال ما تزال

موجودة في الخرطوم في مدينة الأبيض والنهود وبورت سودان باستثناء كنائس

وقساوسة الجنوب وهذا القرار أثر كثيراً في نفوس الجنوبيين المسيحيين.

تعليق صوتي: وفيما بعد قام نظام عبود بحل مجلس الكنائس وطرد البعثات التبشيرية.

محمد حسين أبو صالح/خبير استراتيجي: لم يدركه الكثيرين من نظام عبود وإلى اليوم

أنه الجنوب يعني هو جزء من المسرح بتاع الصراع يعني عندما هو حاول يفرض

العربية كانت هناك الكنائس التبشيرية الأجنبية فبالتالي هناك مصالح أجنبية في المنطقة،

هناك المناطق المقفولة كان موجودا، وبالتالي كان هناك مصالح إستراتيجية غربية

أميركية ما ممكن نتعامل مع هذه المصالح بهذه الطريقة اللي ما كانت فيها حكمة، لذلك

برأيي أنه التعامل مع الجنوب بهذه الطريقة أدى إلى تعزيز عدم الثقة بين الشمال

والجنوب.

حسن الترابي: قضية الجنوب استعرت طبعاً العسكر يعرفون دائم اً إلا الضبط في أيما

إقليم وشعبة سياسية بدأت تشد في معارضتها لا يعرفون إلا الضبط والربط، القوة، هم لا

يعلمون الجدال، العساكر لا يجادلون أحدا، الأعلى يأمر الأدنى والأدنى يطيع ويفعل،

اتسعت الرقعة في الجنوب من الناحية العسكرية فقط وأدرك العسكريون أن القضية هذه

تحتاج للدراسة فشكلوا لجنة قومية كاملة لقضية الجنوب.

معتصم أحمد الحاج: أنا أعتقد أنّ هنالك حس قومي لدى الجنوبيين يختلف عن الحس

القومي لدى الشماليين، والطبقة المتعلمة في جنوب السودان رسخت هذا الفهم، السياسة

البريطانية في السابق رسخت هذه الفوارق بين الشمال وبين الجنوب.

تعليق صوتي: في عام 1963 للميلاد احتلت قضية الجنوب موقعها في الأجندة الدولية

مع مخاطبة السياسي السوداني الجنوبي البارز وليم دينق الأمم المتحدة وجولته التي

وصل فيها إلى الفاتيكان وبريطانيا واسبانيا حيث تحدث عن الاضطهاد الديني الذين

يعانيه الجنوبيون المسيحيون، وعن حرب الإبادة التي يشنها الشمال العربي المسلم على

الجنوب الإفريقي المسيحي مطالباً بدعم دعاة ومقاتلي التحرر في الجنوب، ومع الحرب

بين الشمال والجنوب أصبح الشمال يعاني واقع فقدان جنوده وضباطه فدخلت حرب

الجنوب أغلب بيوت الشمال، كانت أقدم الجامعات السودانية جامعة الخرطوم رأس

الحربة في مواجهة نظام عبود العسكري منذ اليوم الأول مما جعل عبود يُعين نفسه

راعياً للجامعة، ومن ثمّ عين مديراً للجامعة بعد أن كان ينتخب من مجلس الأساتذة ثمّ

أتبع الجامعة لوزارة التربية بعد أن كانت مستقلة وأخيراً رفض النظام الاعتراف باتحاد

الطلاب، وجد الطلاب وهم طلائع التغيير دائماً في خضم بحث النظام عن مخرج من

أزمة الجنوب فرصة ليكون لهم صوت فاعل فعقد اتحاد الطلاب ندوة في العاشر من

أيلول/ سبتمبر عام 1964 لمناقشة قضية الجنوب تحدث فيها عدد من قيادات القوى

السياسية المختلفة لكن متحدثاً بارزاً هو عميد كلية القانون حينها دكتور حسن عبد الله

الترابي لخص المسألة في نقاط مختصرة قائلاً: إنّ قضية الجنوب هي قضية دستورية

أولاً وأنّ الاعتداء على الحريات حادث في الشمال والجنوب على حد سواء.

حسن الترابي: الثورات في العالم كله تقوم فجأة تعتلي قوى كثيرة من رد الفعل تبدأ في

نفوس الأفراد والمظلومين والمضطهدين والمنسيين.

تعليق صوتي: وأضاف الدكتور حسن عبد الله الترابي في ندوة في جامعة الخرطوم أنّ

ثمّة ظروف قادت الجنوب إلى التمرد وأن حل مشكلات البلاد يكمن في ذهاب النظام

العسكري ورجوع الجيش إلى ثكناته.

مريم الصادق المهدي: وعلى الأجهزة المدنية أن تدير العمل الديمقراطي بأجهزتها

التنفيذية وبأجهزتها التشريعية وأجهزتها القضائية العدلية وغيرها من أجهزة الدولة.

حسن الترابي: كنت أستاذ في الجامعة وسألونا عن الآثار الاجتماعية لمسألة الجنوب في

القاعة الكبيرة في قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم، وتحدثت عن أن قضية الجنوب

هذه هي ظلامة ضد نظام استبدادي يريد الاستبداد دائماً يريد أن يحتكر السلطة فكان

كلاماً غريباً جداً غريباً لكن ما كنت أدعو إلى ثورة.

القرشي شرارة ثورة أكتوبر

تعليق صوتي: كان من المقرر أن تتبع ندوة أخرى في الجامعة غير أنّ وزارة الداخلية

أصدرت أمراً بمنع قيام الندوات فقدم اتحاد الطلاب مذكرة حادة إلى المجلس العسكري

الحاكم متحدياً إياه مما دفع النظام إلى اعتقال لجنة اتحاد الطلاب في الخامس عشر من

تشرين الأول/ أكتوبر عام 1964 فكون طلاب جامعة الخرطوم لجنة للإتحاد بديلا

للمعتقلات، وبدا وكما لو أنّ الندوات سلاح خطير وأعلن عن موعد ندوة جديدة في

الحادي والعشرين من أكتوبر تحدياً للمجلس العسكري، حضر الطلاب والمواطنون

للندوة متحدين قرار وزارة الداخلية وإدارة الجامعة المتواطئة معها فرّد النظام بحشد

أعداد كبيرة من رجال الشرطة حول الجامعة بهدف منع الطلاب من إقامة الندوة، لكن

الاتحاد أصر على قيام الندوة فداهمت الشرطة مكان الندوة مستخدمة الهراوات والغاز

المسيل للدموع وبدأ الطلاب العزل يواجهون قمع النظام وجهاً لوجه، ولأول مرة

استخدمت الشرطة الرصاص الحي فسقط طالب كلية العلوم أحمد القرشي شهيداً ليعرف

في كتب التاريخ لاحقاً بأول شهيد لثورة أكتوبر عام 1964 للميلاد.

معتصم أحمد الحاج: الندوة التي تقرر قيامها للحديث ومناقشة قضية الجنوب ومقترحات

الحلول لهذه القضية والمواجهة العنيفة التي ووجهت بها هذه الندوة ثمّ الاشتباك مع

الشرطة ثمّ سقوط ضحايا وكان هذا شيء جديد على أهل السودان، نحن قاعدين نموت

كثير في نضالنا السلمي وعملنا السلمي، هذا مثل أكبر استفزاز وخاصة في ذلك المجتمع

الضيق جامعة الخرطوم، هذا هو الذي أدى أن يتحرك الطلاب في كل مؤسساتهم

للخروج في التظاهرات والصدام مع الشرطة.

تعليق صوتي: استمرت المواجهات بين الشرطة والطلاب حتى الحادية عشرة ليلاً، كان

بعض الأساتذة يقومون بإجلاء جرحى الطلاب إلى مستشفى الخرطوم وحين انتهت

المواجهة كان عدد المصابين تسعة عشرة جريحاً.

ربيع حسين: نحن في اتحاد طلاب جامعة الخرطوم قرر أن يقيم ندوة والندوة فشلت لأن

تدخلت قوات الأمن ونتيجة لذلك قاموا الطلاب رفعوا مذكرة إلى وزارة الداخلية تحتج

على دخول الشرطة.

حسن الترابي: أنا شعرت أنه عندما طالب استشهد في داخليات الجامعة والجامعة عندها

كانت حرمة يومئذ وأغلب الأساتذة طبعاً كانوا من الغربيين فدعوتهم في الليل وحُمت

على كل رؤساء القوى السياسية كل الأحزاب حدثتهم أنه غداً نحن سنسلم الجثمان إلى

أهله لعلهم خارج الخرطوم، ولكن نريد أن نخرجها يعني ليس موكب جنازة يعني هادئ

فقط لكن له مظهر حتى نرد السلطة لبعيد، وبالفعل كانت في الجامعة تتهيأ مباشرة

حركات بين كل الأساتذة أجانب وسودانيين أنّ حرمة الجامعة لا بد أن تحترم، فطلبنا من

المستشفى أن يمر على السوق العربي أول ظاهرة طبعاً في المجتمع الجنازة طبعاً كل

الناس يشتركون في الجنازة جنازة من؟ طالب قتله الشرطة قتلوه قتلوه، بدأت مباشرة

أشعر بأنّ شيئا قد بدأ يحدث، عدد من سيارات الشرطة قلبت وحرقت، فالنار اشتعلت

حول الميدان عندئذٍ في نفسي وقع انقلاب وقعت ثورة.

تعليق صوتي: تحول تشييع الطالب أحمد القرشي إلى مظاهرة مهيبة يتقدمها القادة

السياسيون الإمام الهادي الزعيم إسماعيل الأزهري السيد محمد عثمان المرغني وطائفة

من أساتذة جامعة الخرطوم، اندمجت جموع الناس في موكب التشييع وبدأت تردد

هتافات مطالبة بالانتقام ثمّ رحيل النظام كانت قد بدأت ثورة، كان التشييع المظاهرة

الكبرى الأولى لكن تبعتها مظاهرات واحتجاجات عمت جميع مدن السودان طالبت

برحيل النظام وبعد أسبوع من المظاهرات في اليوم الثامن والعشرين من أكتوبر

تحركت الحشود من مختلف مناطق الخرطوم وتجمعت في جامعة الخرطوم زاحفة نحو

القصر.

محاسن عبد العال: بعد إعلان الإضراب السياسي كان في تجمع في دار أساتذة جامعة

الخرطوم، والمرأة السودانية كانت من ضمن المتجمعين في ذلك اليوم، وأنا طبعاً مع

المرأة السودانية في ذلك التجمع فأعلنت القوى الوطنية للجماهير اللي كانت محتجة برا

أنه والله الرئيس عبود رحمه الله رفض أنه يسلم السلطة، ولذلك طوالي انتفضت

الجماهير وسارت نحو القصر وكان الهتاف إلى القصر حتى تم النصر.

تعليق صوتي: وتدافع آلاف المواطنين السودانيين إلى القصر مطالبين الفريق عبود

بالتنحي، فتصدى لهم الحرس الجمهوري وسقط اثنان وعشرون من الشهداء وتسعة

عشرة من الجرحى، لم يعد في وسع النظام إلاّ أن يدخل في مفاوضات مع ممثلي الشعب

عبر مجلس يمثل الأحزاب والقطاعات والنقابات فتوصل المفاوضون إلى قرارات هامة

في الثلاثين من أكتوبر تقضي بإجبار الفريق عبود على حل المجلس العسكري لكن عبود

راوغ وسّوف وأجل، كان حرص مؤسسة الجيش واضحاً على الاستمرار في السلطة

واستمرار رمزية إبراهيم عبود رئيساً للدولة بزعم الحفاظ على هيبته وكرامة القوات

المسلحة بعد انتصار الثورة في أكتوبر عام 1964 واستمر رئيساً حتى عام 1965 غير

أنّ الموقف الشخصي للرئيس عبود كان أميل للتنحي موافقاً لمطالب الجماهير التي

خرجت مجدداً للشارع تعبر عن تصفية كل مظاهر الحكم العسكري.

محاسن عبد العال: أنا أذكر جيداً أنه نحن كنا أربعة ماشيين مع بعض وكنا مع

المتظاهرين ماشيين على القصر فالجيش السوداني كان كله منتظم في داخل القصر

موجهين البنادق بتاعتهم برا نحو الجماهير، لكن اتضح لنا أنه الجيش السوداني اللي كان

منتظم في وزارة التجارة كانوا يقودوه الضباط الأحرار الضرب كان من وين؟ من اتجاه

القصر، فلما الضرب توقف وقفنا عشان نقوم طبعاً هدومنا كلها دماء فكنا نهتف، أنا

أفتكر أنه ثورة أكتوبر موقف مثالي بالنسبة للشعب السوداني لأنه الشعب السوداني قدم

تضحيات ما سهلة في ذلك اليوم قتلى وجرحى ويعني أعداد كبيرة يعني.

حسن الترابي: أؤكد لك تماماً يعني أنا أعرف أحياناً الأشخاص الذين احترقوا في هذه

الثورة ولم يكن كلهم من بعد ذلك من اسمهم لم يذكر أصلاً، ودائماً في جنود مجهولين،

دائماً الثورات هذه يقوم بها الجماهير.

تعليق صوتي: استمرت المظاهرات حتى آذار/ مارس من عام 1965 وارتفع سقف

مطالب الجماهير من حل المجلس العسكري إلى إزاحة الفريق عبود عن رأس الدولة

وتشكيل حكومة انتقالية تشرف على إجراء انتخابات ديمقراطية، وهكذا أجبر الفريق

إبراهيم عبود على إعلان تنحيه.

محاسن عبد العال: أكتوبر يعني ما كانت صدفة أكتوبر كانت فيها تحضير، أكتوبر كان

فيها يعني استعداد فكري من المواطنين من الطلاب من المزارعين من العمال من كل

النساء.

حسن الترابي: أيما صلاح وقع في ثورة أحداث ثورة أكتوبر صلاح في المجتمع أحدثته

الحرية الحرية الحرية الحرية هي أساس الحياة.

محمد علي جادين: ثورة أكتوبر هي أكبر حدث سياسي بعد الاستقلال ولا أقل من

الحدث بتاع الثورة المهدية قبل 100 سنة.

مريم الصادق المهدي: إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، هذا درس

قوي وفعلي وعملي أكدته وأظهرته وجددته مرة أخرى ثورة أكتوبر.

معتصم أحمد الحاج: أنا أفتكر عندما يتكامل الوعي يفقد النظام مبررات وجوده وهذه

طبيعة التكوين تكوين الثورة.

تعليق صوتي: هنا يرقد أحمد القرشي الذي باستشهاده في حرم جامعة الخرطوم أشعل

غضبة الجماهير السودانية فثارت فيما عرف بأول ثورة شعبية في إفريقيا والعالم العربي

ضد نظام عسكري دكتاتوري بعد استقلال البلاد، ولأنّ دروس التاريخ تعيد نفسها كان

القرشي لثورة أكتوبر عام 1964 للميلاد كما البوعزيزي لثورات الربيع العربي اليوم

التي أثبتت أنّ القوة الكامنة في الشعوب يمكن أن تتحدى قمع دبابات الأنظمة العسكرية

وسطوتها وأنّ الثورة حين تكتمل عناصرها لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها.