إن العروبة في لبنان سائدة.. من أخمص البحر حتى مفرق الجبلِ

هذا البيت الشعري لصاحبه إلياس فرحات -الذي كانت ثقافة الإسلام جزءًا من عروبيته- يلخص واقع اللغة العربية في لبنان، والتي تسلط عليها الضوء حلقة 24/12/2014 من برنامج "تحت المجهر".

عرف لبنان رجالا أحبوا لغة الضاد وأسهموا في تطويرها، بينهم ناصيف اليازجي الذي ولد قبل قرنين ونيِّف في قرية كفرشيما، وكذلك نجله إبراهيم الذي كان عالم فلك منتسباً للأكاديمية الفرنسية، وكان يُصلح لكُتَّاب الجرائد بمصر لغتهم، وقد جمع الأساليب العربية القديمة في رُجعة الرائد، وكان يتقن خمس لغات، لكن العربية ظلت لغته المفضلة.

وإن عرفت مصر المطبعة مع حملة نابليون بونابرت قبل قرنين، فقد عرفها لبنان قبل أربعة قرون، حيث ظلت أديرة تحفظ العربية ألف سنة. ويؤكد يوسف سليمان أن المطبعة الأولى في العالم العربي كانت في دير مار أنطونيوس قزحيا في لبنان.

بدأت النهضة العربية في القرن التاسع عشر، وكتب بطرس البستاني موسوعته المشهورة "دائرة المعارف"، وعندما نشر العرب موسوعة في تسعينيات القرن الماضي -أي بعد مائة سنة من البستاني- قام عليها ألف شخص ذُكرت أسماؤهم في ذيلها.

وفي بيروت ولد جرجي زيدان الذي أنشأ في مصر مجلة الهلال، ولا تزال. وقبل مائة سنة كان يصدر في بيروت 168 جريدة ومجلة.

ويتحدث المؤلف الصحفي جورج طراد، عن الشاعر القروي رشيد سليم الخوري الذي ولد ومات في البربارة بشمال لبنان، وهو الذي حث اللبنانيين على الثورة على الفرنسيين.

يقول طراد إن شهرة القروي كشاعر جاءت من كونه عروبياً، فمنذ بداياته حتى نهاياته حافظ على الخط العروبي وعلى النبرة المجلجلة في الدفاع عن العروبة. ويضيف أن الذين رفعوا لواء العروبة معظمهم من المسيحيين.

ولم يعتنق القروي الإسلام وبقي مسيحيا، وكان قد قال هو نفسه "ولدت مسيحيا أرثوذوكسيا وأموت كذلك".

في بيروت ولد الشيخ عبد الله العلايلي الذي يؤكد المعجمي روحي البعلبكي أنه ذهب إلى الأزهر مع أخيه صبيا في العاشرة من عمره، وعاد شابا عالما متعدد المواهب، وهو الذي قال -أي العلايلي- "لن أغادر اللغة ما بقيت حيا وهي جهدي الأول والأخير، ومن واجب أبناء اللغة الذين يريدون الارتقاء بها والاستمرار فيها أن يتبنوا الكلمات التي تشيع بين الجمهور"، تحرى عما يتحدث به الناس وكان أيضاً يميل إلى عدم الاستحياء من الاقتراض من العامية.

تباين
عقب حرب إسرائيل على قطاع غزة عام 2008، أسست الشاعرة ورئيسة جمعية "فعل أمر"، سوزان تلحوق، جمعية للدفاع عن اللغة العربية، وتؤكد أن الذين يتقنون اللغة الفرنسية يتقنون اللغة الإنجليزية، لكن انقلب السحر على الساحر، أي "أنهم أتقنوا اللغات الأجنبية إلى أن ظنوا أنهم ربما -وليس الجميع- ليسوا عربا".

وتضيف أن لا شيء يقترن باللغة العربية الآن إلا الإرهاب والتقوقع وعدم الإنتاجية، أي أن الناس نسوا جبران خليل جبران وفيروز ومحمود درويش، "نحن نملك ذاكرة قصيرة جداً ونريد أن يرث هذه الذاكرة أولادنا، وهذا خطأ كبير نرتكبه بحقهم".

أما أنطوان نجم، فيقول إن هناك نزعة قوية في لبنان يؤيدها الناس ويصرون عليها، وهي تعدد اللغات، "ولهذا السبب أيضاً بقيت بيروت وستبقى أهم من أي حاضرة عربية أخرى في العالم العربي حتى في الخليج، لأن أبناء بيروت يتقنون العربية إلى جانب عدة لغات أجنبية".

وفي مقابلة كانت قد أجرتها معه الهلال المصرية، قال الأديب اللبناني جبران خليل جبران بشأن مستقبل اللغة العربية، "الذين درسوا بعض العلوم باللغة الإنجليزية يريدون أميركا وإنجلترا وصية على بلادهم، والذين درسوها باللغة الإفرنسية يطلبون فرنسا أن تتولى أمرهم، والذين لم يدرسوا بهذه اللغة أو بتلك لا يريدون هذه الدولة ولا تلك بل يتبعون سياسة أقرب إلى مداركهم".

ويضيف جبران قائلا "الوسيلة الوحيدة لإحياء اللغة هي في قلب الشاعر، الشاعر أبو اللغة وأمها، وإذا ما قضى جلست على قبره باكية منتحبة حتى يمر بها شاعر آخر ويأخذ بيدها".

عارف حجاوي

جاء عهد إحياء العربية النقية الفصيحة في مصر وفيها الصحف والمطابع فكان الزيات والمنفلوطي والعقاد وطه حسين يصولون ويجولون في كل العالم العربي الذي دخلته المدارس وبدأت الأمية فيه تتراجع. ولكن لبنان أحيا الفصحى وأعادها إلى الوجود قبل مصر بعقود كثيرة، ولمع فيه نجم ناصيف اليازجي وابنه إبراهيم، والشدياق، وبطرس البستاني، ومارون عبود.

وعندما انتشرت الصحف في مصر كان من بين الذين أنشأوها لبنانيون كثر. يكفي أنهم أنشأوا الأهرام والهلال.

هذا الوثائقي يحكي قصة الرجال العظام الذين أحيوا العربية في لبنان، ويحكي أيضاً كيف أن اللغة العربية تكاد تصبح في لبنان عظاماً بسبب التفرنج اللغوي الزائد. (عظام العربية في لبنان) عنوان له معنيان، ووثائقي له وجهان. وثائقي ينقلك من أول مطبعة في الشرق إلى قرية إلياس فرحات القائل: إن العروبة في لبنان سائدة / من أخمص البحر حتى قمة الجبل، إلى مرقد جبران في بشري، إلى بيت مارون عبود في عين كفاع، ويحكي قصة اللغة العربية التي كان اللبنانيون أول من أقامها من مرقدها بعد قرون من السبات.