في 23 أغسطس/آب 2008 كسر قاربا صيد يونانيان تابعان لحركة "غزة الحرة" الحصار البحري الإسرائيلي المفروض بشكل غير شرعي على قطاع غزة. تلك كانت أول مراكب أجنبية ترسو في ميناء غزة منذ 41 عاما.

"غزة إننا قادمون"، هي حلقة معادة من برنامج "تحت المجهر" تسلط الضوء على قصة النشطاء الذين قرروا تحدي إسرائيل وكسر الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة.

تأسست حركة "غزة الحرة" عام 2006، كان هدفها رفع الحصار غير الشرعي عن غزة، وكان الطريق الوحيد عبر البحر.

ولعب الدكتور فاغيليس بيسياس -الذي ولد في الإسكندرية بمصر عام 1947- دورا كبيرا في تحقيق هدف الوصول إلى غزة، حيث استطاع أن يجد السفن التي سافر بها الفريق، وذلك بعدما ظلت إسرائيل تخنق محاولات رفع الحصار عن غزة، إما عن طريق تهديد مالكي السفن أو عن طريق تفجيرها وتصفية القائمين على العملية.

بعد العثور على السفن، تقرر تكوين مجموعة قوية من المواطنين من جميع أنحاء العالم، وكان بينهم الصحفي والمخرج والمهندس المدني والأستاذ الجامعي والطبيب الجراح، يجمعهم هدف واحد وهو كسر الحصار عن القطاع الفلسطيني.

ويقول الصحفي بيتروس يوتيس "لدينا شعب ينزف ويقاوم منذ ستين عاما، ليس لدي الحق إذاً في أن أضع القضية الفلسطينية خارج اهتماماتي"، ويضيف المخرج يانيس كاريبيذيس أنه سمع بكلمة فلسطين منذ كان في العاشرة من عمره خلال حرب عام 1967، وأنه لم يكن يملك خيارا آخر سوى الذهاب لكسر الحصار عن غزة.

أحاط بيسياس ورفقاء رحلته مهمتهم في بدايتها بسرية تامة، وحرصوا على ألا يعلم بها أحد، وخاصة السلطات اليونانية أو الإسرائيلية.

مشاركون في حملة كسر الحصار عن غزة عام 2008 (الجزيرة)

وكانت لدى الفريق مخاوف من تكرار ما حدث عام 1988 عندما حاولت منظمة التحرير أن ترسل سفينة من قبرص إلى فلسطين، فتم تفجير المركب -بحسب بيسياس- وسط مرفأ ليماسول بعملية تآمر وقتل أعضاء الحملة الثلاثة عندما تم تفجير سيارتهم في المدينة نفسها.

وصول غزة
لكن رغم العقبات التي واجهها الفريق، فقد كان مصمما على بلوغ غزة مهما بلغت التضحيات، وهو ما أشار إليه تجيف هالبر من حركة "غزة الحرة" الذي يقول "سنفعل كل ما في وسعنا للتضامن مع شعب غزة لأنني كإسرائيلي أرفض أن أرى الفلسطينيين أعداء لي".

في 23 أغسطس/آب 2008 نجح الفريق في تحقيق الحلم ودخل المركبان اليونانيان المياه الإقليمية الفلسطينية، وكانت المرة الأولى التي يدخل فيها مركب أجنبي مياه غزة بعد 41 عاما.

وعبر فريق الرحلة لحلقة "غزة إننا قادمون" عن مشاعرهم، بينهم بيسياس الذي يصرح قائلا "حينذاك شعرت بأن الحلم صار واقعا، وأن قدميّ ستطآن أرض غزة خلال وقت قريب". أما بول لارودي فيقول "في الـ62 من عمري اكتشفت لماذا عمري 62 عاما، اكتشفت لماذا أتواجد على الأرض لأن كل ما كنت أفعله طوال حياتي كان لأجل هذه اللحظة، لو لم أفعل في حياتي أي شيء آخر لكان هذا الأمر كفاني".

جورج كلوتزاس قال "بكيت خمس دقائق دون أن أعرف السبب"، أما بيتروس يوتيس فقال "لماذا ذهبت في هذه الرحلة؟ لأنني لو لم أذهب لكان علي أن أشعر بالعار طوال حياتي".

ويخلص بيسياس إلى القول إن الرحلة الأولى إلى غزة ستنتهي عندما تفتح حدودها البحرية، "حتى ذلك الحين نحن سنبقى نسافر وسنحاول بطريقة أو أخرى أن نفعل كل ما في وسعنا لجعل المتوسط بحرا مفتوحا، وأن نلغي معسكر الاعتقال الذي أقامه الإسرائيليون هناك من الوجود، ولهذا رحلتنا لا تزال مستمرة".

كلمة المخرج يورغوس أفجيربولوس (مخرج يوناني حائز على عشرات الجوائز العالمية) لحلقة "تحت المجهر" (غزة إننا قادمون):

حاول أن تغلق عينيك للحظة، وتخيل كيف يكبر أطفال في غزة، كمخرج أفلام وثائقية وصحفي ذهبت مرارا إلى غزة، وكنت شاهداً على الظلم ومعاناة الناس وكل أصناف الموت، غزة بالنسبة لي هي مرادف الوجع والألم، والإبادة في حق شعبٍ بأسره، إلا أن كل ذلك يقع تحت عين المجتمع الدولي والعالم، الذي لسنين طوال يتصنع أنه "لا يرى شيئا".

لذلك كنت سعيداً جداً عندما علمت بنجاح تلك المهمة الصعبة والخطيرة، والتي بدت مجنونة جداً في بادئ الأمر، سفينتا صيد يونانية على متنهما 44 ناشطاً من جميع أنحاء العالم، تنجح عام 2008 في كسر الحصار البحري المفروض على غزة للمرة الأولى بعد 41 عاماً.

قصة جديدة
كانت القصة جديدة ومختلفة خصوصاً في هذا الجزء من العالم، حيث إن الفكرة لم تكن سوداوية قاتمة، بل كانت تحمل معاني جديدة من الأمل والشجاعة والتفاؤل والتضامن. والأهم من ذلك كله هو الإنجاز الكبير الذي قامت به مجموعة من الأشخاص العاديين الذين أرادوا إيصال رسالة للعالم بأن كل شيء ممكن إذا آمنا به.

لسوء حظي لم أكن بين النشطاء المتواجدين على متن السفينة، لكن المخرج الثاني لهذا العمل يانس كاريبيدس كان هناك. قام يانس ومجموعة من النشطاء اليونانيين بتسجيل تفاصيل تلك الرحلة أثناء الإبحار، وحاولنا في الفيلم نقل تلك المشاعر: الخوف والألم وأخيرا الفرح بالنجاح.

كنت مأخوذا بذلك الشعور الذي انتابني وأنا أشاهد السعادة المتدفقة من وجوه الأطفال (يا للعجب!) الذين سبحوا من الشاطئ باتجاه القارب لاستقبال أول سفينة أجنبية ترسو على شاطئ غزة منذ أكثر من أربعة عقود. اقترب طفل صغير أثناء السباحة من محرك السفينة، فقام ركاب السفينة بتحذيره باللغة العربية من الاقتراب خشية أن يؤذى من المروحة. ضحك الطفل ورد عليهم بهدوء "ما في خطر في فلسطين".

صدقا، كنت حريصا جدا أثناء عملي على هذا الفيلم أن أنقل هذه المشاعر بدقة. ليس فقط الإنجاز، بل المشاعر، والجو المحيط. عندما أصبح الفيلم جاهزا، قمت بدعوة أعضاء من الرحلة لمشاهدته في عرض خاص. كنت أعتقد بأنه إذا استطعت أن أجعل هؤلاء الأشخاص الذين قاموا بالمغامرة يتأثرون بالفيلم، فالفيلم سيكون جيدا.

عندما انتهينا من العرض، نظرت في عيونهم، كانوا يبكون، هنأنا بعضنا، وأيقنا أنه كثيرا ما يصنع التاريخ من قبل أناس يصفهم العاقلون بأنهم "غير واقعيين".