- بدء المفاوضات بين مصر وأميركا
- ذهاب السادات إلى إسرائيل

- اتفاقية كامب ديفد ومعاهدة السلام

- تداعيات المعاهدة واغتيال السادات

روان الضامن

بدء المفاوضات بين مصر وأميركا

روان الضامن: لم يمض يوم على رحيل عبد الناصر حتى بعثت إسرائيل رسالة بأنها على استعداد لفتح صفحة جديدة مع مصر، نقل الرسالة رئيس وزراء رومانيا الذي شارك في التشييع فبدأت أولى خطوات الوساطة بين غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل وأنور السادات رئيس مصر الجديد.

أنور السادات/ الرئيس المصري السابق: وأن أحترم الدستور والقانون وأن أرعى مصالح الشعب وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه.

روان الضامن: آمن السادات أن الحل بيد أميركا فأوعز عام 1972 لمستشاره للأمن القومي حافظ إسماعيل ببدء اتصال سري مع الولايات المتحدة للوصول إلى حل سلمي مع إسرائيل. كان ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة وهنري كيسنجر مستشاره للأمن القومي.

هنري كيسنجر/ مستشار الأمن القومي الأميركي السابق: إن أميركا بوفائها لتطلعات البشر فإنها تحقق أفضل ما لديها.

روان الضامن: كان كيسنجر اليهودي المولود في ألمانيا الشخص المثالي للاتصال بمصر نيابة عن إسرائيل، والتقى حافظ إسماعيل مع كيسنجر سرا عام 1973، وأدرك السادات أن الإدارة الأميركية غير جادة بالإسراع بالحل فقرر أنه لا بد من حرب لتحريك الموقف رافعا شعار التحرير، تحالف مع حافظ الأسد في سوريا. جاء هجوم السادس من أكتوبر العاشر من رمضان مفاجأة للإسرائيليين والأميركيين، كان نصر الأيام الأولى نتيجة تحالف عسكري بين القاهرة ودمشق ودعم مالي عربي وتضامن لعب فيه الملك فيصل بن عبد العزيز دورا قياديا باستخدام سلاح النفط العربي فأحس المواطن الأميركي العادي لأولى مرة بأن مشكلة الشرق الأوسط تمسه. أشرف على الهجوم الناجح على خط بارليف رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الفريق سعد الدين الشاذلي، لم يكن الشاذلي يعلم أن برقية سرية أرسلت إلى كيسنجر بعد العبور بيوم واحد بأن مصر على استعداد لوقف إطلاق النار والتوصل إلى سلام مع إسرائيل شريطة انسحابها من سيناء، رد كيسنجر الذي جمع بين الأمن القومي ووزارة الخارجية بالموافقة في الثامن من أكتوبر. لم ترض واشنطن أن تتعرض حليفتها إسرائيل لهزيمة فأقامت جسرا جويا فوق عادي لإمدادها بالسلاح وأرسل كيسنجر عندما كان في مباحثات في موسكو برقية سرية إلى غولدا مائير "سنتفهم الأمر إذا شعر الإسرائيليون أنهم بحاجة إلى وقت إضافي لإعادة توزيع مواقعهم العسكرية". أعطى ذلك إسرائيل مهلة لمحاصرة الجيش الثالث المصري لتتمكن من تقوية مركزها التفاوضي قبيل صدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار.

غولدا مائير/ وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة: الرئيس السادات، الرئيس الأسد، الملك حسين وجميع الآخرين امتلكوا الشجاعة، لماذا يمتلكون الشجاعة بإرسال رجالهم إلى الحرب ولا يمتلكونها لمقابلتنا على طاولة المفاوضات؟

روان الضامن: بدأ كيسنجر جولاته المكوكية فالتقى بالسادات لأول مرة بعد حرب أكتوبر بشهر وأعلن عن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين أميركا ومصر التي قُطعت عام 1967، ورتب كيسنجر للقاء المفاوضين العسكريين في خيمة عرفت باسم الكيلومتر 101 لبحث فك الاشتباك بين الجيشين المصري والإسرائيلي تحت إشراف الأمم المتحدة. جنيف 21/12/1973 عقد أول لقاء سياسي علني بين العرب والإسرائيليين التقى وزراء خارجية مصر والأردن وإسرائيل في مؤتمر دولي أداره فعليا هنري كيسنجر وتغيبت سوريا.

في أول لقاء سياسي علني بين العرب والإسرائيليين مطالبنا تمركزت في الانسحاب التام للقوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة، وتحرير القدس، وممارسة الفلسطينيين حقهم في تقرير المصير

إسماعيل فهمي/ وزير خارجية مصر السابق: أولا الانسحاب التام للقوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة منذ 5 يونيو 1967. ثانيا تحرير القدس العربية ورفض أي وضع يمس بالسيادة العربية الكاملة على المدينة المقدسة. ثالثا ممارسة الفلسطينيين لحقهم في تقرير المصير والعيش بسلام وكرامة.

روان الضامن: بدايةعام 1974 حمل إسماعيل فهمي موافقة كيسنجر على طلب السادات أن تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية أمنه الشخصي في مصر، وتضمنت رسالة كيسنجر أسماء فريق الخبراء الأميركيين المعينين لحماية السادات، آنذاك كان أنور السادات يعتبر في مصر والعالم العربي بطل العبور وبطل الحرب. في إسرائيل أصبح اسحاق رابين رئيسا للوزراء خلفا لغولدا مائير ومعه شمعون بيريز وزيرا للدفاع وبدأت لقاءات كيسنجر مع رابين. استقال نيكسون وأصبح نائبه جيرالد فورد رئيسا، وبقي هنري كيسنجر صاحب مبدأ الخطوة خطوة يرتب للاتفاق الثاني لفك الاشتباك بين مصر وإسرائيل، آنذاك تعهد السادات لكيسنجر في ملحق سري بالامتناع عن أية أعمال عسكرية ضد إسرائيل، توقف وسائل الإعلام عن حملات الكراهية لإسرائيل وتقليص المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل تدريجيا. بعد ذلك أبلغ كيسنجر السادات أن رابين لن ينسحب بجيشه أية خطوة أخرى إلا بعد اتفاقية سلام كامل، أكد ذلك للسادات أيضا ملك المغرب الحسن الثاني بعد زيارة سرية للرباط قام بها رابين متنكرا. بدأ جيمي كارتر ولايته رئيسا للولايات المتحدة وعين سايروس فانس وزيرا للخارجية ليكمل ما أسس له كيسنجر. أكد رابين في لقائه مع كارتر أنه يمكن إعادة سيناء إلى مصر مقابل السلام الكامل وأنه لا مكان لدولة فلسطينية بين الأردن وإسرائيل، بعد شهر التقى السادات في واشنطن مع كارتر لأول مرة.

أنور السادات: إن لبلدكم مهمة محددة يجب إنجازها ومسؤولية رئيسية للمساهمة إيجابيا في عملية السلام في الشرق الأوسط.

جيمي كارتر/ الرئيس الأميركي السابق: إن علاقة الرئيس السادت الوثيقة بشعبه ستجعل من عام 1977 عاما مثمرا للمفاوضات، إنه يعي تعقيدات القضايا لكنه يرى بوضوح كما بدأت أدرك الفائدة العظيمة الممكن تحقيقها عندما يلتقى زعماء مثله على هدف مشترك لبناء السلام على أساس دائم، أقترح أن نشرب نخب الشعب المصري وزعيمهم العظيم الرئيس السادات صديقي العزيز.

روان الضامن: استقال رابين بعد فضيحة مالية وفاز في الانتخابات لأول مرة في تاريخ إسرائيل حزب الليكود اليميني بزعامة مناحيم بيغن.

مناحيم بيغن: أية أراض محتلة؟ إذا كنت تعني يهودا والسامرة وقطاع غزة فهذه أراض محررة، إنها جزء مكمل من أرض إسرائيل.

روان الضامن: بيغن هو قائد عصابة الإرغون الإرهابية في الأربعينات وكان مطلوبا أيام الانتداب البريطاني على فلسطين، انضم إلى حكومة بيغن موشيه دايان وزيرا للخارجية وعيزر وايزمان وزيرا للدفاع وآرييل شارون وزيرا للزراعة. موشيه دايان كان قائد العلميات الخاصة لاغتيال الثوار الفلسطينيين في الثلاثينات وأحد قادة التطهير العرقي في نكبة 1948، شارك في عدوان 1956 على مصر وكان وزير الدفاع في حربي 1967 و 1973. عيزر وايزمان الطيار الذي شارك في القصف الجوي للفلسطينيين عام 1948 والعدوان على مصر عام 1956 وصاحب دور رئيسي في ضرب المطارات المصرية عام 1967. آرييل شارون منفذ مذبحة قبيا عام 1953 وقائد عملية الثغرة ضد الجيش المصري في حرب 1973.

آرييل شارون: ليس هناك شك أن إسرائيل ستبقى في الضفة الغربية إلى الأبد.

روان الضامن: احتفل بيغن وشارون بالفوز بافتتاح مستوطنة جديدة في الضفة الغربية.

مناحيم بيغن: في هذه المناطق المحررة من الأرض اليهودية هناك حق كامل لليهودي ليستوطن فيها.

روان الضامن: اتضح لكارتر أن بيغن يفضل إجراء مفاوضات مباشرة مع مصر دون تدخل أميركي.

مناحيم بيغن: سيدي الرئيس جئت إليك من أرض صهيون والقدس باسم شعب عريق وأمة مجددة البركة على أميركا أمل الإنسانية والسلام على شعبك العظيم.



ذهاب السادات إلى إسرائيل

روان الضامن: عندما ذهب وزير الخارجية الأميركي سايروس فانس إلى مصر للمرة الثانية فوجئ بالسادات يسلمه مشروع اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل لعرضه على كارتر. في سبتمبر عام 1977 أوفد بيغن وزير خارجيته موشيه دايان إلى المغرب ليلتقي سرا مع نائب رئيس الوزراء المصري حسن التهامي في القصر الملكي بالرباط، اتفق الطرفان على عقد لقاء سري بين بيغن والسادات. في أكتوبر قام السادات بجولة بدأها ببوخارست، التقى الرئيس الروماني تشاوشيسكو الذي كان حلقة وصل له مع الإسرائيليين، وفي طهران التقى بشاه إيران الذي شجعه على عقد سلام مع إسرائيل وأبلغه أن بيغن مستعد للقائه سرا في أي مكان. أثناء العودة إلى مصر كان إسماعيل فهمي وزير الخارجية أول مصري يخبره السادات أنه يفكر جديا بخطوة درامية بالذهاب إلى القدس ولقاء بيغن علنا لا سرا، فنصحه فهمي بالعدول عن الفكرة. أمام مجلس الشعب وبحضور أكثر من ثمانين مراسلا أجنبيا فاجأ السادات العالم بمبادرته.

أنور السادات (9/11/1977): وستدهش إسرائيل عندما تسمعني وأنا أقول أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم.

روان الضامن: توجه السادات إلى دمشق آملا في دعم سوريا ولكن الأسد أبلغ السادات أن الذهاب إلى القدس استسلام لا سلام وأنه يعني التخلي عن التضامن العربي الذي حقق نصر أكتوبر، اختلف الاثنان بحدة وقرر السادات المضي وحده في طريق الصلح مع إسرائيل. قدم إسماعيل فهمي وزير الخارجية المصري ومحمد رياض وزير الدولة للشؤون الخارجية الاستقالة احتجاجا على مبادرة السادات، فتم تعيين بطرس غالي ليقوم بمهمة الاثنين ويكون ضمن الوفد المتوجه إلى إسرائيل. تاريخ لا ينساه العرب 19/11/1977 حطت طائرة السادات مساء يوم السبت في مطار اللد كما يسميه الفلسطينيون أو مطار بن غوريون كما يسميه الإسرائيليون، في نفس الوقت كان الحجاج ينفرون إلى المزدلفة بعد وقفة عرفة. بفرحة غامرة اصطف زعماء إسرائيل لاستقبال السادات، يومها بدأ التفاوض العلني والمنفرد كما بدأ أول تنسيق أمني وإعلامي بين مصر وإسرائيل.

الانسحاب الكامل من الأرض العربية المحتلة بعد 1967 أمر بديهي لا نقبل فيه الجدل ولا رجاء فيه لأحد أو من أحد إذ لا معنى لأي حديث عن السلام الدائم العام وإسرائيل تحتل الأرض العربية

أنور السادات (20/11/1977): لم أجئ إليكم لكي أعقد اتفاقا منفردا بين مصر وإسرائيل، إن الانسحاب الكامل من الأرض العربية المحتلة بعد 1967 أمر بديهي لا نقبل فيه الجدل ولا رجاء فيه لأحد أو من أحد إذ لا معنى لأي حديث عن السلام الدائم العام وأنتم تحتلون أرضا عربية.

مناحيم بيغن: صحيح أننا دافعنا عن حقوقنا عن وجودنا وشرفنا ضد المحاولات المتكررة للقضاء علينا بقوة وحشية ولم يكن ذلك على جبهة واحدة فقط، هذا كله صحيح، وبعناية الله تغلبنا على قوى العدوان واستطعنا ضمان بقاء أمتنا ليس لهذا الجيل فقط بل لكل الأجيال القادمة. نحن لا نؤمن بالقوة نحن نؤمن بالحق بالحق فقط.

غولدا مائير(21/11/1977): دعنا نتفق على أمر واحد يجب أن نستمر وجها لوجه نحن وأنت حتى عجوز مثلي..

أنور السادات: قلت هذا دائما.

غولدا مائير: السيد الرئيس كنت دائما تدعوني بالعجوز. سنعيش لنرى ذلك اليوم بغض النظر عمن سيوقع من جانب إسرائيل أريد أن أعيش لأرى ذلك اليوم يوم السلام بيننا وبينك وبين جميع جيراننا. السيد الرئيس كجدة إلى جد اسمح لي أن أقدم هدية بسيطة بمناسبة حفيدتك الجديدة.

أنور السادات: شكرا على الهدية التي قدمتها لي.

روان الضامن: حضر المؤتمر الصحفي في نهاية زيارة السادات أكثر من ألفي صحفي ومصور من مختلف وسائل الإعلام.

مناحيم بيغن: خلال زيارة الرئيس السادات إلى بلدنا وإلى القدس فإن إجماعا هاما قد تحقق فعلا.

أنور السادات: دعونا ننهي الحروب بعد أكتوبر وأن نتفق على الأمن، أعتقد أن هذه هي القضايا الرئيسية.

روان الضامن: لكن السادات غادر إسرائيل والخلافات عميقة بين الطرفين، ظن السادات أن مبادرته ستدفع الرأي العام خاصة الأميركي والإسرائيلي إلى الضغط على بيغن لتحقيق السلام ولكن النتيجة جاءت عكسية فقد زادت زيارته المنفردة من تشدد إسرائيل مع تعمق الانقسام العربي، وتصدرت الجزائر وسوريا وليبيا حملة ضد زيارة السادات فقطعت علاقات مصر الدبلوماسية مع هذه الدول فجاء عنوان التايمز البريطانية وداعا للتضامن العربي. دعا السادات بيغن لزيارة مصر واستقبل حسني مبارك نائب الرئيس المصري بيغن في مدينة الإسماعيلية، صادف ذلك اليوم عيد ميلاد السادات الـ 59 فاحتفل السادات بيوم ميلاده مع دايان وبيغن ووايزمان. لكن الاحتفاء المصري لم يغير التشدد الإسرائيلي، ظهر ذلك بوضوح في كلمة بيغن أثناء حفل عشاء في القدس ردا على تصريح وزير خارجية مصر الجديدة محمد إبراهيم كامل بضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.

مناحيم بيغن: وزير الخارجية المصري قدم لزيارتنا، جاء كضيف على بلدنا ويطلب منا التخلي عن جزء من عاصمتنا، تخيلوا أن أذهب إلى مصر وأقول أن يتخلوا عن جزء من القاهرة!

روان الضامن: ليلة الـ 13 من مارس عام 1978 أرسل بيغن برقية عاجلة إلى السادات "بدأت قواتنا عملية محدودة على الحدود اللبنانية لإزالة قواعد الإرهابيين في المنطقة وأتمنى ألا تعطل هذه العملية المحدودة المحادثات بين بلدينا". غزا ثلاثون ألف جندي إسرائيلي جنوب لبنان وتم قصف تسعين قرية لبنانية ونزوح مائة ألف عن بيوتهم. بعدها بأيام استقبل كارتر بيغن مرة أخرى.

إننا ملتزمون بالحفاظ على إسرائيل كأمة وعلى أمن إسرائيل وحق الشعب الإسرائيلي الذي عانى الكثير ليعيش في سلام دائم ومستقر

جيمي كارتر: إننا ملتزمون بالحفاظ على إسرائيل كأمة وعلى أمن إسرائيل وحق الشعب الإسرائيلي الذي عانى الكثير ليعيش في سلام دائم ومستقر.

مناحيم بيغن: ساهمت إسرائيل بشكل جدي في صنع عملية السلام في الشرق الأوسط لأول مرة طورت حكومة إسرائيل وقدمت خطة سلام تفصيلية متقدمة للغاية.

روان الضامن: وفهم كارتر أن المخرج الوحيد لصنع السلام هو فقط في عقد اتفاق مصري إسرائيلي منفرد برعاية أميركية فوجه دعوة بخط يده للسادات وبيغن لعقد اجتماع على مستوى القمة في منتجع كامب ديفد قرب واشنطن. ترأس وزير الخارجية المصري إعداد ورقة عمل تحدد موقف مصر في أي اتفاق سلام، وأكد السادات للوفد المصري أنه سينسحب من المفاوضات إذا واجه حلا منفردا مع إسرائيل. بينما كان الوفد المصري متجها إلى كامب ديفد احتفلت إسرائيل بافتتاح مستوطنة جديدة في مرتفعات الجولان السوري.



[فاصل إعلاني]

اتفاقية كامب ديفد ومعاهدة السلام

(5/9/1978 كامب ديفد)

أنور السادات: إن التحدي عظيم ولا نملك إلا القبول به، لا يمكننا أن نخيب آمال شعوب العالم.

مناحيم بيغن: إن هذا اللقاء الخامس مع الرئيس كارتر والثالث مع الرئيس السادات هام للغاية إنه الأكثر أهمية.

روان الضامن: امتدت المفاوضات في كامب ديفد 13 يوما أقام أعضاء الوفود خلالها في أكواخ متفرقة في الغابة، كانت اللقاءات بينهم في أغلبها غير رسمية وبحسب تعبير بطرس غالي أحد أعضاء الوفد المصري "كنا نشاهد بعضنا البعض بالبيجامات أو بملابس الرياضة أو على دراجات في طرقات الغابة". من اليوم الأول أخبر السادات كارتر أنه سيعرض في البداية مشروعا متشددا لإسكات عدد من أعضاء وفده المصري وأن لديه مشروعا معتدلا يعكس حقيقة موقفه، بالمقابل قدم بيغن موقفا متشددا للغاية منذ البداية حتى حول الانسحاب من سيناء ولم تسفر اللقاءات على مدى خمسة أيام عن أي تقدم. 10/9/1978 اصطحب كارتر السادات وبيغن في رحلة يوم الأحد، في اليوم التالي قدم كارتر للسادات مشروعا أميركيا تمت صياغته قبل ذلك بالتشاور مع بيغن. 13/9/1978 ظهر الثلاثاء توقف كارتر على دراجته للتحدث إلى ثلاثة من أعضاء الوفد المصري كان أحدهم وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل قال كارتر "مضى أسبوع على بدء التفاوض وأرجو أن نصل إلى اتفاق خلال الأيام القليلة المقبلة" رد كامل " لست متفائلا، الموقف الإسرائيلي على جموده وتعنته والمشروع الأميركي الذي قدم لنا لا يمكننا قبوله" قال كارتر "المشروع للنقاش ويمكن تأجيل المواضيع الحساسة مثل السيادة على الضفة الغربية وغزة والقدس إلى مرحلة لاحقة" رد كامل"سيادة الرئيس لا يمكن أن ينجح المؤتمر دون اتفاق ينص على انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي المحتلة عام 1967". ومع استمرار تشدد بيغن قرر السادات صباح الجمعة 15 من سبتمبر الانسحاب من المفاوضات حسب خطة كان وضعها ظنا منه أنه سيضغط بذلك على كارتر للقبول بشروطه، لكن كارتر أخبر السادات أن انسحابه سيعني نهاية العلاقة بين مصر وأميركا ونهاية الصداقة الشخصية بينهما فقرر السادات البقاء. استمتع الاثنان معا بمشاهدة مباراة محمد علي كلاي مساء نفس اليوم، في مذكراته كتب بطرس غالي الذي أيد مبادرة السادات إلى النهاية "حظيت عبارة علشان خاطر كارتر بشعبية وسط المندوبين المصريين فكل طلب نراه ضد المصالح العربية صار يوصف بأنه علشان خاطر كارتر". أرسل كارتر يوم الجمعة رسالة للسادات وبيغن أنه قرر إنهاء مؤتمر كامب ديفد الأحد 17 من سبتمبر، وطلب منهما إرسال الملاحظات النهائية على المشروع الأميركي الذي سيكون نص اتفاقية كامب ديفد. شرح وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم كامل للسادات مخاطر التوقيع على الاتفاقية لأنها تتعارض مع ما تم الاتفاق عليه في مصر برفض أي حل منفرد مع إسرائيل، فأجاب السادات أن كارتر وعده بدعم موقف مصر كما أنه لا يرضى أن يشمت به أعداء مبادرته، فقدم محمد إبراهيم كامل استقالته في كامب ديفد فكان بذلك ثالث وزير مصري يستقيل احتجاجا على توجه السادات. كتب كامل في مذكراته "وقّع السادات في النهاية على ما لم يكن يراود الإسرائيليين في أكثر أحلامهم تفاؤلا". مساء الـ 17 من سبتمبر عام 1978 بدأت مراسيم توقيع اتفاقية كامب ديفد داخل البيت الأبيض.

أنور السادات: جئنا إلى كامب ديفد بكثير من الإرادة الطيبة والإيمان وغادرنا كامب ديفد قبل دقائق بإحساس متجدد من الأمل والإلهام.

مناحيم بيغن: يجب أن يعاد تسمية مؤتمر كامب ديفد ليصبح مؤتمر جيمي كارتر فبحسب خبرتي التاريخية أعتقد أنه قد عمل بجد فاق ما بدأه أجدادنا في مصر عندما بنوا الأهرام.

روان الضامن: تضمنت الاتفاقية وثيقتين ليس بينهما رابط قانوني أو زمني، الوثيقة الأولى وضعت إطارا عاما غير محدد للسلام في الشرق الأوسط تضمن إجراء مفاوضات خاصة بالفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة حول الحكم الذاتي، ووضعت الوثيقة الثانية إطارا عاما لانسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من سيناء على أن يسبق ذلك إجراء مفاوضات للوصول إلى معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل. في اليوم التالي تلقى كارتر تهنئة من هنري كسنجر "علي الاعتراف بأن ما قمت به يفوق ما كان يمكنني القيام به" واحتفل الكونغرس الأميركي بهذا الإنجاز.

جيمي كارتر(18/9/1978): أود أولا الإشادة بالرجلين اللذين جعلا هذا الحلم المستحيل يصبح الآن حقيقة، القائدان العظيمان الذين اجتمعت بهما في الأسبوعين الأخيرين في كامب ديفد، أولا الرئيس أنور السادات رئيس مصر والثاني طبعا رئيس الوزراء مناحيم بيغن- أمة إسرائيل. قد فاقت القمة أعظم توقعاتنا، لا يجوز لأحد منا أن يقلل من الأهمية التاريخية لما تم تحقيقه، إن هذه هي المرة الأولى التي يوقع فيها زعيم عربي وإسرائيلي على إطار شامل للسلام.

روان الضامن: تصاعدت الاحتجاجات في الوطن العربي على انفراد مصر باتفاقية صلح تعترف فيها بشرعية دولة قامت على اغتصاب فلسطين، كان ثمن سيناء زيادة تعنت إسرائيل تجاه الانسحاب من باقي الأراضي العربية المحتلة. في 7/11/1978أدان مؤتمر القمة في بغداد الاتفاقية وهدد بقطع العلاقات مع القاهرة ونقل مقر الجامعة العربية إلى تونس، وأكد البيان أن موقف النظام المصري لا يعكس أصالة الشعب المصري المناضل. احتفاء باتفافية كامب ديفد منح بيغن في أوسلو جائزة نوبل للسلام مناصفة مع السادات، 10/12/1978 تسلم الجائزة عن السادات صهره وزير الدولة سيد مرعي وتسلمها السادات في القاهرة.  فبراير 1979 أدى انتصار الثورة الإيرانية ولجوء شاه إيران إلى مصر إلى تحرك الولايات المتحدة لتسريع المفاوضات بين مصر وإسرائيل لتعويض فقدان طهران كقاعدة هامة لأميركا في الشرق الأوسط، فتوجه كارتر إلى مصر وحصل على تأكيد السادات بأنه سيوقع على أي حل يرتضيه كارتر. كتب أحد أعضاء الوفد الأميركي في مفاوضات السلام وليم كوانت "بعد اتفاقية كامب ديفد كان على كارتر من جديد أن يواجه الاختيار بين الضغط على بيغن أو السادات لتقديم التنازلات وكان يلجأ دائما للسادات وكان لذلك تأثير كبير على النتيجة النهائية (للمفاوضات). 10/3/1979 ومن مصر توجه كارتر إلى إسرائيل ليواجه بمزيد من مطالب بيغن حول الأمن والتطبيع وضمان الحصول على النفط من مصر بسعر تفضيلي. 13/3/1979 عاد كارتر إلى مطار القاهرة وحصل على موافقة السادات على جميع المطالب الإسرائيلية.

جيمي كارتر: أخبرت رئيس الوزراء بيغن الآن هاتفيا بموافقة الرئيس السادات إنني مقتنع أننا قد حددنا جميع المكونات الأساسية لمعاهدة سلام بين مصر وإسرائيل..

روان الضامن: وتقرر توقيع معاهدة السلام في واشنطن في 26 من مارس.



تداعيات المعاهدة واغتيال السادات

الفريق سعد الدين الشاذلي/ رئيس الأركان في حرب أكتوبر: إذا كان كارتر وبيغن بيعتقدوا أنهم بهذه المعاهدة سيحققون السلام في الشرق الأوسط فهم واهمون، المعاهدة مرتبطة بالسادات شخصيا فإذا سقط السادات سقطت معه المعاهدة ومن المؤكد أن تزول المعاهدة ومن المؤكد أن تعود لمصر عروبتها مرة أخرى.

روان الضامن: ووصلت المظاهرات إلى أسوار البيت الأبيض لتنبه العالم إلى أن السلام الحقيقي لم يتحقق. أكدت معاهدة السلام على ما جاء في اتفاقية كامب ديفد ومن نصوصها، إنهاء حالة الحرب بين البلدين، انسحاب إسرائيل من سيناء على مراحل خلال ثلاث سنوات وإقامة علاقات طبيعية وودية بعد المرحلة الأولى من الانسحاب خلال تسعة شهور، خفض التواجد العسكري للبلدين على الحدود وعدم الدخول في أي التزام يتعارض مع هذه المعاهدة. واكتفت المعاهدة بإشارة الطرفين في المقدمة إلى الالتزام بتحقيق السلام في الشرق الأوسط كما خلت من أي ذكر للقضية الفلسطينية. في هذا اليوم تحقق لإسرائيل ما حلمت به، اخترقت إسرائيل الوطن العربي من خلال أكبر دولة فيه ففقد الكثير من مناعته كما ضعف دور مصر العربي ففقدت كثيرا من قوتها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية وحتى تأثيرها الثقافي.

أنور السادات (26/3/1979- تل أبيب): إن فصلا جديدا يفتح في التاريخ للتعايش بين الأمم فصل جدير بقيمنا الروحية بحضارتنا.

مناحيم بيغن: السلام هو جمال الحياة إنه شعاع الشمس، ابتسامة طفل، حب أم، سعادة أب، اجتماع أسرة.

روان الضامن: وبينما كان بيغن يتغنى بالسلام كان جنوده يفرضون على أهالي بلدة حلحول في فلسطين المحتلة منع تجول عسكري بعد استشهاد اثنين من أبنائها رابعة شلالدة 16 سنة ونصر عناني 18 سنة، هكذا استقبل الفلسطينيون معاهدة السلام. تعليقا على المعاهدة كتب بطرس غالي "مما لا شك فيه أنه أمكن تحقيق المعاهدة بتهميش الفلسطينيين فمصر ستحصل على السلام لكن الفلسطينيين لن يحصلوا على حقوقهم". ومع توقيع معاهدة السلام تم توقيع مذكرة ضمان تؤكد فيها الولايات المتحدة التزامها لإسرائيل بزيادة دعمها عسكريا واقتصاديا وضمان تزويدها بالبترول وحمايتها من أي خرق للمعاهدة أو تهديد من جانب مصر. وتواصلت الاحتفالات في واشنطن، أقر الكونغرس الأميركي مساعدات اقتصادية وعسكرية لمصر بقيمة مليار دولار سنويا تحت بند دعم السلام في الشرق الأوسط.

مناحيم بيغن: جميع المجتمعين هنا قرروا أن ترشحوا الرئيس جيمي كارتر مرشحا لجائزة نوبل للسلام لعام 1979 ورجاء دون مشاركة في الجائزة مع آخر.

مناحيم بيغن(2/4/1979): لم يكن مواطن في إسرائيل يمكن أن يصدق قبل عامين أنه في الثاني من أبريل 1979 سيذهب رجل بمنصب رئيس وزراء إسرائيل إلى القاهرة وتستقبله هناك وحدة من الجيش بسلاحها وتعزف نشيدنا القومي هاتكفا.

روان الضامن: كان أول رئيس وزراء إسرائيل يستقبل بالترحاب في أرض عربية في يوم الذكرى 31 لمذبحة دير ياسين التي قادها مناحيم بيغن أقر مجلس الشعب المصري معاهدة السلام بالأغلبية. 9/4/1979في نفس اليوم قصفت إسرائيل منطقة الدامور بلبنان وأقرت توسيع مستوطنة كريات أربع في الخليل بفلسطين. بعد خمسة أشهر في حيفا استقبل المسؤولون الإسرائيليون يخت الحرية المصري، وصل السادات مع قرينته في زيارة رسمية.

أنور السادات: لن يكون هناك أبدا إراقة دماء ومعاناة.

مناحيم بيغن: القدس هي عاصمة إسرائيل وهي مدينة غير قابلة للتجزئة..

روان الضامن: 20/11/1979 أكد مؤتمر القمة العاشر في تونس قرارات مؤتمر بغداد بمقاطعة مصر.

أنور السادات: قرار قطع العلاقات مع مصر كان تطاولا وقحا منهم فاندفعوا في موكب واحد بدلا من أن يعدوا الخطط البديلة، إذا كانت كامب ديفد غير مناسبة فأين البديل الملائم الذي تقترحون؟

روان الضامن: 7/1/1980قام بيغن بزيارة أخرى إلى مصر وتجول بين آثار أسوان وتم إقرار التطبيع مع إسرائيل على المستويات الرسمية.

أنور السادات: عشرات المليارات نازلة علينا وبحمد الله من غير الأمة العربية، مضت السنين العجاف لأننا عرفنا طريق السلام، مضت كل المعاناة.

روان الضامن: بينما السادات مع بيغن في شرم الشيخ كانت طائرات الـF16  الإسرائيلية تنهي آخر التدريبات لتقوم بمهمة خاصة، بعد يومين قصفت مركز الأبحاث النووي في العراق.

أنور السادات: خرجت مصر من ساحة الجهاد فاللي بيقولوه أعداء مصر وجبهة الرفض، القذافي، حافظ الأسد واللي في إيران الجرأة والبذاءة.

روان الضامن: زادت سياسة الانفتاح وتركز الثروة في يد أقلية متنفذة في مصر من الغضب الشعبي وواجه السادات معارضة مصرية قوية لسياسته الداخلية والخارجية فأصدر في سبتمبر عام 1981 أمرا باعتقال أكثر من ألف شخصية سياسية من كافة الاتجاهات.

(6/10/1981 اغتيال السادات)

روان الضامن: ما زال اغتيال السادات لغزا. بعد ثلاث سنوات من الاغتيال نشرت صحيفة روسية تحقيقا قالت فيه إن بصمات المخابرات الأميركية كانت ظاهرة لأنها كانت فعليا المسؤولة عن حماية السادات أمنيا. وصل للمشاركة في جنازة السادات الرؤساء الأميركيون الثلاثة السابقون نيكسون، وفورد وكارتر ووزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر وشركاءه في الصلح بيغن وشارون وشامير.

مناحيم بيغن: لا نجد كلمات لتعزيتكم، أعانكم الله القادر على أحزانكم.

روان الضامن: 16/4/1982 ولإكمال ما بدأه السادات التقى شارون وزير الدفاع آنذاك بالرئيس المصري الجديد حسني مبارك قبل أيام من الخطوة الأخيرة للانسحاب الإسرائيلي من سيناء. ومع تأمين إسرائيل لحدودها الجنوبية تفرغت لحدودها الشمالية فاجتاحت لبنان واحتلت بيروت، وبقيت الدول العربية متمسكة بقرارها الصادر عن قمة بغداد عام 1978 والذي طالب بضرورة عودة مصر إلى حظيرة الأمة العربية.

الشاعر أحمد مطر:

الثور فر من حظيرة البقر

الثور فر

فثارت العجول في الحظيرة

تبكي فرار قائد المسيرة

وشُكلت على الأثر محكمة ومؤتمر

فقائل قال قضاء وقدر

وقائل لقد كفر

وقائل يا سفر

وبعضهم قال امنحوه فرصة أخيرة

لعله يعود للحظيرة

وفي ختام المؤتمر تقاسموا مربطه وجمدوا شعيره

وبعد عام وقعت حادثة مثيرة

لم يرجع الثور ولكن ذهبت وراءه الحظيرة.