- دور القبيلة وقضية مأرب
- مسارات الصراع بين القبيلة والدولة
- جيل جديد وصراع متجدد

 أحمد الشلفي
 علي عبد ربه
 حسين عبد الله الأحمر
فؤاد الصلاحي
 محمد عبد الملك
صغير عزيز
"إن الأوطان كثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء وأن وراء كل رأي منها هوى وعصبية تمانع دونها فيكثر الانتفاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت وإن كانت ذات عصبية لأن كل عصبية ممن تحت يدها تظن نفسها في منعة وقوة"..ابن خلدون.

دور القبيلة وقضية مأرب

أحمد الشلفي: بلاد البن والقات والقبائل وأشياء أخرى، العجب الذي يبدد دهشته عندما تطأ أقدامك هذه البلاد يجعلك تنفض غبار الدهشة لأنك في بلد المتناقضات، فبينما تشيد الحداثة مدنا بكاملها ترسخ البداوة أقدامها بقوة وكأنها لا تريد أن ترحل. لا شيء يغير وجه التاريخ لأن التاريخ يحضر هنا ببديهية ولا يحتم عليك شيء وأنت تدخل إلى اليمن من صنعاء القديمة ومن هذا الباب بالتحديد فهذا يعني أنك حسمت خيارك واخترت أسلوبا سهلا لسبر أغوار بلد كاليمن، إن كنت يمنيا فبإمكانك استرجاع ذاكرتك وإن كنت زائرا فاحتفل بالتاريخ واكتشفه من بواباته المتعددة. الاتجاه شرق العاصمة صنعاء نحو معبد الشمس يبدو وجهة السائح القادم إلى اليمن بالرغم من أن حوادث الاختطافات وحادثة مقتل سياح إسبان في مأرب ضيقت الخناق على المدينة الحضارية الأولى. ربما تكون هذه الطريق الصحراوية الوعرة التي تصل بنا إلى محافظة مأرب بشرق صنعاء تعبيرا كافيا لذلك النمط من الحياة القاسية الطابعة لسكان مأرب، في مأرب التي تعتبر كنز اليمن الحضاري والأثري يعيش الناس كما لو أنهم لم يغادروا ذلك الزمن، حتى آثارها التي كانت إلى ما قبل حوادث اختطاف السياح مزارا تعاني هي الأخرى إهمالا لا يمكن إخفاؤه. إلا أن شيئا واحدا يبقى وهو الإنسان فالإنسان المأربي كما القبائل اليمنية صاحب الكرم والأخلاق لا يتنازل عن كرمه، إنها جزء لا يتجزء من كيانه مهما كانت ظروفه. مأرب هي قصة الحضارة اليمنية بذلك الكم الهائل من التراث والتاريخ الذي ما زال بعضه مطمورا تحت التراب، مملكة عرش سبأ التي يعيد الناس تاريخها إلى ما قبل الميلاد تبحث اليوم عن من يخرجها من عزلتها، عزلة الإنسان الذي يشعر بالإهمال رغم أن الحضارة بين يديه.

فؤاد الصلاحي/ أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء: نحن في التطور التاريخي للمجتمع اليمني نشهد قضية بالغة الأهمية، أن القبيلة باعتبارها مكون تاريخي اجتماعي وأسهمت في نشأت الدولة القديمة لا تزال هذه القبيلة قوية وفاعلة حتى اللحظة الحاضرة رغم المتغيرات السياسية والحداثية التي شهدتها اليمن منذ ثورة 1962 وثورة 14 أكتوبر في اليمن، بالرغم من أننا شهدنا نظامين سياسيين وأيديولوجيتين في شمال وجنوب اليمن مع متغير لدولة ثالثة وهي دولة الوحدة وفق أفقها الديمقراطية الليبرالية. السؤال هنا أن هذا البعد القبلي أو الوحدة الاجتماعية القبلية لماذا تستمر رغم هذه؟ هل لأن القبيلة تحتفظ بذاتها بعناصر قوة؟ أنا لا أعتقد ذلك، أعتقد أن قوة القبيلة تعود إلى عملية إعادة إنتاجها من قبل النخب الحاكمة التي شهدتها اليمن وتعددت وتنوعت في الشمال والجنوب.

محمد عبد الملك المتوكل/ نائب الأمين العام لاتحاد القوى الشعبية: القبيلة هي مؤسسة اجتماعية لم تقم لا على أساس السلالة ولا على أساس الطائفة، هي قامت على أساس جغرافي، أبناء منطقة معينة بيحتلوا جغرافيا معينة كان لا بد لهم أن يبنوا مؤسسة يتعاونون فيها، يتكاتفون ويحمون بعضهم البعض وبالأخص عندما كانت تنهار الدولة المركزية، عندما كانت تنهار الدولة المركزية إيش كان دور القبائل؟ كانوا يحمون الطرقات، يهجّرون المدن بحيث أنه لا يتم العيب في المدن، يحمون الأسواق، يحمون من لا يحملون أسلحة، سواء القضاة والفقهاء والعلماء والنساء وكانت أيضا غير طائفية كان فيها اليهودي يعني غير المسلم وفيها المسلم وكان فيها الزيدي وكان فيها الشافعي وفي المذاهب المختلفة، القبيلة لم تقم إلا على أساس الجغرافيا فقط.

أحمد الشلفي: حتى هذا الوقت ما زالت الخمية هي المأوى لبعض سكان مأرب وما زالت هذه المناطق والصحاري المترامية مليئة بالبدو والرحل الذين يتنقلون بينها بحسب متغيرات المناخ، النفط الذي يجاورهم هنا ما زال مصدر نقمة على الدولة، فالشركات النفطية التي تعمل في حقول مأرب لم توظف من أبنائها سوى القليل. مع الشيخ محمد بن سعد من قبيلة عبيدة تستطيع اكتشاف الإحساس بخيبة الأمل، يصر الرجل على استقبالنا دائما لقول شيء ما عن الفارق الهائل بين المناطق القبلية التي تعيش في الحدود الدنيا وبين نيران الشركات النفطية العاملة في المنطقة دون أن تعود عليهم بشيء. يفضل الرجل أن يستقبلنا هنا في هذه الخيمة بعد دعوة للغداء وعندما تسأله عن القبيلة تحركه شجونه للحديث عن قبيلة أخرى لا تشبه قبيلة اليوم.

محمد بن سعد/ من قبيلة عبيدة: القبيلة ذكرها الله في محكم كتابه، والقبيلة عندنا وعند القبائل كلها محادة وفي قبائل الجزيرة دي، القبيلة عندها كرم، ضيافة، وسيدة وجارة، ولا يعيب ولا يخدع هذي القبيلة، والقبيلة لها شيخ كبير مرجع كل الأمور تصدر من عنده، إذا جاءه مشكلة من أي بلد ولا مصالن حديد، تلتف القبيلة ويروحون على، يقع جمع بين القبيلة اللي مجني عليها وقبيلتنا وحل المشكلة، بس ده في القبائل وأعرافها، هذه عادة استمرت، فيها أحكام وفيها لوازم وتسد، يعني هي كان عادة القبائل، القبيلة عندنا هنا عندما ينزل الواحد في وادينا هذا يشرب الماء هو آمن، سيره ظلاله، ما يتعرضه. جاءنا واحد أجنبي من بعيد أقوم الواحد أعطاه جنبية ولا سكين ولا بندقة ولا قال لنا شنو سرح الضيف مثلا أبوه فلان، خلاص يصيرون همامنا، سواء من شبوة من دهن من يام من أي قبيلة، هذه عاداتنا اللي كانوا هم يعتادونها لحدود قبل الثورة بثماني سنين والدنيا مرضت.

أحمد الشلفي: أصول الضيافة واجبة إلا أن نبرة النقد الحادة لغياب الدولة بدت أكثر وجوبا في جلسة القات هذه التي تبدأ طقوسها بعد الظهر غير أنها كانت جلسة قات خجولة بسبب اعتقاد من كانوا هنا أن ظهور اليمني وهو يمضغ القات عبر الفضائيات أمر مشين لا دلالة له سوى تشويه صورة البلاد، لربما أصبح الأمر أكثر حساسية بالنسبة لمتناولي القات الذين يقدرون بخمسة ملايين يمني.

محمد بن سعد: حفظك الله هذا الكلام، الموظفين، المسؤولين اللي فوق عيالهم يدرسون في أميركا وبريطانيا نحن خلونا عقاب جماعي، والله لا منه، ما تحصلنا عليه من الدولة كل قبائل عبيدة يقعون ستة آلاف ما تحصلنا على خمس، خمسة أفراد..

أحمد الشلفي: منح ولا إيش؟

محمد بن سعد: منحة، اللي غيرها ما في. ولا والله ما احنا.. مصالح البترول شنو، نحن ما لنا مصالح، لا معنا وظائف، لا معنا عيالنا يتعلمون، محرومين من التعليم. لا عندنا طب، بنوا مستشفى هنا عندنا من الطوب هادا اللي كله براكين، يحت تراه يحت، قالوا حق الريس، ومرة يقول هذا العايد حقكم.

أحمد الشلفي: يعتقد سكان مأرب والكثير من أبناء القبائل أن الدولة لا تهتم بهم كاهتمامها بالمناطق اليمنية الأخرى لذلك فقد شهدت المحافظة حوادث اختطاف كثيرة، صحيح أن الكثير من شخصيات هذه المنطقة يدينون هذه الأعمال إلا أن الجميع يتفقون على أن الكثير منها يتم بسبب ضياع الحقوق التي تجعل أصحابها يقومون باختطاف السياح لرد حقوقهم أو المطالبة بمشاريع خدمية.

محمد بن سعد: المانع حاشا لله نحن ما نختطف نصراني ولا أجنبي، نعتبر، تغدوا عندي في البيت هذا، هؤلاء اللي جاؤوا يصلحون الشركة هذه حق الكهرباء العامة، عيالي لاقولهم بالفرد لاقولهم أصحابنا كلهم، يجيبونهم للحقل. تغدى النصارى عندنا وأكرمناهم ولا عندنا شيء، جاؤوا زيارة بس عندما حطوا المولدات الضخمة جاؤوا تغدوا عندنا هنا.

صورة اليمن مشوهة على مستوى العالم وظاهرة الاختطاف ظاهرة فريدة ومستحدثة في اليمن بدأت في بداية المحاكمة بين الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام والإصلاح

علي عبد ربه القاضي/ عضو مجلس النواب اليمني:
أولا هو يؤسفني اسم اختطاف، واليمن صورته مشوهة على مستوى العالم بس ماله مشوه على مستوى اليمن، هو اختطاف صح، هو اختطاف وهذه ظاهرة فريدة ومستحدثة في اليمن وبدأت في بداية المحاكمة بين الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام والإصلاح، كان الإصلاح والمؤتمر طرف والاشتراكية كانت طرفا وممكن وسمح الله من هيأ معنى مثل هذه الظروف التي بدأت ونشأت لأنها ظاهرة جديدة علينا، وأنا أذكر أنها بدأت أول الاختطافات مش من مأرب لكن تتجه نحو الشرق ويقولون مأرب.

صفير عزيز/ عضو مجلس النواب اليمني: قضية اختطاف السواح يعني هي عادة غير قبلية لأن السائح عندما يأتي إلى اليمن سواء مسلم أو غير مسلم ومن عادة القبائل أن الضيف يكرم ولا يهان، هذه عادة سيئة ولا تعتبر من القبيلة في شيء.

أحمد الشلفي: الحادثة الأكثر إثارة كانت في الأول من يناير 2006، فبعد أقل من ساعة واحدة من استقبال الرئيس اليمني عائلة ألمانية مكونة من خمسة أفراد بينهم وزير دولة سابق بعد ثلاثة أيام من اختطافهم في محافظة شبوة الجنوبية القريبة من مأرب وتشديده على ضرورة معاقبة المتسببين، أعلنت وسائل الإعلان عن اختطاف خمسة سياح إيطاليين في مأرب من قبل مختطفين يطالبون بالإفراج عن أقارب لهم محتجزين في السجون. لقد كان الخبر صاعقا بالنسبة للرئيس اليمني مما دعاه إلى إقالة محافظي شبوة ومأرب وأعلنت الداخلية اليمنية من جهتها أنها لن تساوم المختطفين وستسعى لتحرر الرهائن بالقوة. استغرق الأمر ستة أيام، الخاطفون أخذوا الرهائن إلى منطقة جبلية والقوات اليمنية حاصرت المنطقة وقامت بعملية عسكرية لتحرير والقبض على خاطفيهم الذين قدموا إلى المحاكمة فيما بعد وسط استنكار شعبي بالاختطاف، هذه العملية أعادت إلى الأذهان صورة الصراع بين القبيلة والدولة.

علي عبد ربه القاضي: وإحنا أين نقع؟ نحن من اليمن واليمن أهلنا وأخونا، إحنا ما ننضم على مستوى قومي نحن من الوطني العربي كله لكن نحن جزء منه، أما بالنسبة لليمن فهو بيتنا وأهلنا من أقصاه إلى أقصاه سواء في شماله أو جنوبه أو شرقه أو غربه فهو بلدنا لكن نحن ما ننكر أنفسنا نحن من محافظة مأرب أنت ممكن تكون من محافظة تعز لكن كلنا أهل وكلنا أخوان وإحنا نريد الخير للجميع ولكن نريد نكون متساوين بالخير، نحن طالبنا في مأرب أن إحنا يكون لنا 1% من الدخل القومي للبلد، لتنمية البلد، هل هذا ظلم ولا حق؟ مطلب حق ولا ظلم؟

فؤاد الصلاحي: القبيلة في اليمن عبر التشكل التاريخي للمجتمع اليمني كانت هي الناظم الرئيسي للحياة في غياب الدولة المركزية، عندما تبرز الدول المركزية تضعف القبيلة وهذه حقيقة علمية منذ الدولة اليمنية القديمة دولة سبأ ومعين وحمير، عندما برزت الدولة اليمنية القوية التي كانت تمد أذرعها على كل أرض اليمن كانت تغيب القبيلة وتضعف لأن القبيلة تندمج في بنية الدولة ومؤسساتها وعندما تضعف الدولة تتجه القبيلة إلى احتلال مكان الدولة في الوجود السياسي وفي الفضاء العام.



مسارات الصراع بين القبيلة والدولة

أحمد الشلفي: لقد بدا أن فكرة الصراع بين القبيلة والدولة أخذت شكلا حقيقيا في عهد الرئيس إبراهيم الحامدي، فالرئيس الليبرالي الذي أراد تثبيت جذور الدولة الحقيقية من خلال استبعاد القبائل من نظامه وإحلال المجتمع المدني والقانون واجه صعوبات جمة أدت في النهاية إلى مقتله.

محمد عبد الملك المتوكل: إبراهيم الحامدي كان هو ابن دولة ورجل دولة وأراد أن يبني الدولة، وجد أن في هناك تعارض بين الدولة وبين مراكز القوة فأراد أن يستعين بالقوات المسلحة على إضعاف دور المشايخ وكان لا بد له من البداية أن يتخلص من القوات المشيخية داخل القوات المسلحة فأقال بيت أبو لحوم وكانوا في القيادات العسكرية وأقال مجاهد أبو شوارب أيضا وكان في قيادة المجد وبالتالي أراد أن يحرر القوات المسلحة أولا ثم يضعف بها دور المشايخ.

فؤاد الصلاحي: عندما بدأ الحامدي حاول أن يتجاوز كل السلبيات للمرحلتين السابقتين له مرحلة الأدياني والسلال، لأنه جاءت بعد الصلح اللي تم عام 1970 فأراد أن يؤسس دولة ليبرالية ذات أفق وطني هو لم يكن يريد أن يعتمد النموذج القائم في الجنوب، الاشتراكية العلمية، ولم يكن يريد إعادة إنتاج القبيلة كمهيمن أحادي على طبيعة الدولة، كان لديه نزعة حداثية عبر عنها بأفق ليبرالي في مشروعه لكن مشكلته حاول أن يدعو في برنامجه إلى تجاوز البنية القبيلة وظاهر مرتكزاتها المشيخية في نفس الوقت لم يعمل على بناء تنظيم سياسي يؤمن له استمرارية واستدامة في المشروع السياسي فتكالبت عليه القوى التقليدية بمختلف مجموعاتها وانتماءاتها بالتنسيق مع القوى الأصولية وبعض القوى الإقليمية فتم إنهاء مشروع الحامدي.

أحمد الشلفي: بين 1974 و 1977 عاش الرئيس إبراهيم الحامدي تجربة صعبة أدت إلى الخلاف مع مشايخ القبائل لكن بعض معاصريه رأوا أن الرجل لم يضع في حسبانه قوة القبائل وتأثيرها في البلاد.

محمد عبد الملك المتوكل: أنا قلت للحمدي رحمه الله ، قلت له أنت حركة 13 يونيو جاءت حركة سلمية ليس فيها دم وبالتالي لا يجوز أنها تنتهي بصراع دموي في هذا الموضوع. الجماعة الآخرون هم كانوا يطرحون أنهم معترضون على إلغاء الشورى فقلت له إذا كان هذا اعتراضهم فعندهم حق، اليمنيون بيحاربوا مانعي الشورى من 1948 إلى اليوم فما هو المانع أن نعيد لهم مجلس الشورى ونرسخ هذا النهج؟ فرمى لي ورقة من أوراقه التي مكتوبة فيها الرئاسة وقال لي اكتب فيها ما تريد حول هذا الموضوع وأنا أوقعه.

علي عبد ربه القاضي: ناتج عن خلاف الحامدي والأخ الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر والشهيد إبراهيم الحامدي امتعضوا بعض المشايخ وانجروا وراء الشيخ عبد الله يعني زعلوا من النظام لكن ما واجهوا شيء مواجهة عسكرية إطلاقا، إنما كانوا حانقين على النظام فكلهم اعتبروا من وجهة نظرهم في شيء ما أريد أقوله أنا متأكد كما يعلم الله ما كانش عدو لهم، هو كان عدو للتخلف وعدو لأنه كان هناك في فرع ما بين النظام في الشمال والنظام في الجنوب، النظام في الجنوب  كان يتمثل بنظام اشتراكي شيوعي، وكان يعد التوجه بالحركات التعاونية هو إنقاذ للبلد من الامتداد الشيوعي.

أحمد الشلفي: جاء المقدم علي عبد الله صالح إلى السلطة عام 1978 بعد اغتيال رئيسين، الرئيس إبراهيم الحامدي، والرئيس أحمد الغشمي الذي لم يستمر طويلا وكانت السلطة آنذاك محفوفة بالمخاطر، وحده الرئيس صالح قبل بخيار الجلوس على كرسي من نار.

محمد عبد الملك المتوكل: الرئيس علي عبد الله صالح جاء وفي رأسه كل التجارب التي مرت، وفي رأسه الأساسي كيف يحافظ على موقعه في السلطة، هذا هو كان الهم الأساسي، وأنا قلت له ، قلت أنت متكتك من الطراز الأول ولكن للأسف الشديد ليس إستراتيجيا، أنت جالس تهرب بالكرسي من بقعة لبقعة وتدخل من أزمة وتخرج منها وتدخل في أزمة ثانية لحين ما تتعب لكن ما عندك إستراتيجية لبناء الدولة الحديثة لفترة طويلة. هذا هو الذي اضطره أنه والله في مراكز قوة معينة يدعمها ويراضيها ويعطيها من النفوذ، شكل قوة معينة على أساس أنها تستفيد وتشكل دفاعا عن النظام في هذا الموضوع، هذه هي اليوم اللي ستخنق النظام.

الرئيس علي عبد الله صالح كان له الفضل في الانتقال باليمن إلى مرحلة الديمقراطية في إطار دولة الوحدة التي أعلنت في إطار حزبين ونظامين سياسيين

فؤاد الصلاحي:
في بداية حكمة علي عبد الله صالح قال بأنه سيعمل على تطوير هذا المشروع لكنه في فترته الثانية من الحكم عمل على النقيض من ذلك أي بدأت الصراعات السياسية بين الرئيس والقوى الحزبية التي باغتته بانقلاب عام 1979 فعمل على غربلة القوى السياسية والقوى العسكرية من تلك القوى الحزبية القومية واليسارية ومن ثم تثبيت حكمه ونظامه السياسي باعتماد القوى التقليدية ذات الطابع القبلي وذات الطابع المذهبي في آن واحد الأمر الذي قلص من تواجد القوى القبلية الأخرى في جسم الدولة وخاصة في أجهزة الأمن والجيش وأصبح يعيد إنتاج القبيلة ومؤسساتها ويشرعن وجودها الثقافي من خلال الخطاب السياسي الذي يتبنى مفردات القبيلة نفسها، بالرغم من أن الرئيس علي عبد الله صالح اعتمد كثير من القضايا التحديثية في حكمه في مرحلة ما قبل الوحدة ومن ثم كان له الفضل في الانتقال باليمن إلى مرحلة الديمقراطية في إطار دولة الوحدة التي أعلنت في إطار حزبين ونظامين سياسيين.

أحمد الشلفي: لم يكن بالسهل الاستفادة من تجربة الحامدي في ذلك الوقت، فالقوى القبلية خرجت من حروب الثورة والصراعات التي تلتها أكثر قوة، فمشاركة القبائل في الحروب والصراعات منحتها علاقات إقليمية ودولية وكان من الطبيعي أن يحاول الرئيس الجديد استرضاء هذه القوى لتثبيت حكمه رغم محاولته أكثر من مرة إدماج هذه القوى داخل الدولة وإخضاعها للنظام والقانون.

محمد عبد الملك المتوكل: أولا هو السؤال، أي دولة؟ لا بد إذا كانت الدولة التي ترتكز على الدستور وتحترم القوانين ويختار الناس هذه الدولة بوسائل ديمقراطية فأنا أؤكد لك أن القبائل لا يمكن أن تكون ضدها، أما الدولة التي تتعامل خارج إطار الدستور والقانون فالقبيلة لا تزال تشكل التوازن بين المجتمع وبين القوات المسلحة. عبر التاريخ اليمني منذ بدأت أيام الإمام يحيى يبني القوات المسلحة، لأنه الأول كان الأئمة  يعتمدون على القبائل، ما كانش في قوات جيش، منذ بدأ الإمام يحيى يبني هذه القوات كانت هذه القوات تستخدم ضد المواطنين في كثير من الأحيان وإلى اليوم.

فؤاد الصلاحي: النظام الإمامي التقليدي في مرحلة ما قبل الثورة كان يميل إلى إذكاء الصراعات بين القبائل لكي تضعف قوتها بطريقة لا تتشكل معها قوة مناقضة له، النظام الجمهوري على العكس من ذلك عمل على الحماية من بعض القبائل مقابل إقصاء وتهميش القبائل الأخرى ومن هنا تلاحظ التكوين السياسي للدولة الحديثة من 1962 إلى الآن معظم المشايخ اللي طلعوا إلى مناصب سياسية كانوا من مناطق معينة وليس من كل أبناء اليمن وإذا حصل في تمثيل لمناطق الجنوب والمناطق السواحلية من واحد إلى خمسة، بوجود خمسة من الشمال والشمال الشرقي مقابل شخص آخر واحد، المصالح والامتيازات المادية المتعددة والمتنوعة للقيادات القبلية ولأبنائها ولمناطقها توزع ليس وفقا للتجمعات السكانية بقدر ما هي من أجل التقرب من هذه القبيلة.

أحمد الشلفي: مر على حكم الرئيس صالح حتى اليوم 30 عاما كانت القبيلة فيها جزء من نسيج دولة ما زالت تدين بالولاءات للقبيلة التي تجعل الفرد يقدم نداء قبيلته على نداء الدولة.

محمد ناجي الشايف/ رئيس لجنة الحقوق والحريات بمجلس النواب اليمني: القبيلة عندنا أهم من أي شيء ونحن ولدنا في القبيلة وعشنا في القبيلة وحمينا القبيلة وتحمينا القبيلة، والدولة لا نمانع أن نكون من رجالات الدولة ونحمي الدولة ولكن القبيلة عندنا هي أساس كل شيء والدولة هي من يحكمها؟ يحكمها القبيلة، ومن هم رجالها؟ رجالها القبائل.

صفير عزيز: إحنا مع الدولة، تحارب الدولة نحارب، تمام؟ في يعني صلح، تصالح الدولة نصالح، وإحنا الآن في بنود من ضمن بنود الصلح اللي معروفة أمام الناس جمعاء ونشرت في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، يعني من ضمنها أنه ارجاع المختطفين أو الضالين أو الغير معروف فين تواجدهم، فنحن جزء من هذا الصلح.

أحمد الشلفي: إذا أمرتكم الدولة بأن تسلموا؟

صفير عزيز: نحن نسلم..

أحمد الشلفي: من غير أن تستلموا؟

صفير عزيز: نحن نأتمر بأمر الدولة، متى ما أمرتنا الدولة نأتمر بأمر الدولة إلا في حالة ضياع حق من حقوقنا وهو كفله لنا الدستور والقانون لن نرضى بمخالفة الدستور والقانون.

[فاصل إعلاني]

أحمد الشلفي: إحدى الإحصائيات قدرت عدد القبائل اليمنية بمائتي قبيلة في شمال اليمن وجنوبه، ومن منطقة إلى أخرى يتفاوت نفوذ القبائل إلا أن الكيان القبلي ظل محافظا على سيادته وخصوصياته ليس فقط على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ولكن على المستوى العسكري والاستقلال المالي واستقلال القرار وهو ما أثر بشكل ملحوظ على كيان الدولة، هذا التأثير وصل في أحايين كثيرة إلى إلغاء حضور الدولة وهيبتها لدى عامة الناس. لم تغب القبيلة كقوة اجتماعية مؤثرة منذ مقاومة الوجود العثماني وتثبيث ثورة سبتمبر عام 1962 وحرب 1970 وإعلان المصالحة الوطنية عام 1969 إضافة إلى دورها في قتال ما كان يسمى بجبهة التخريب في أوائل الثمانينات وكان لها دور في صيف عام 1994.

فؤاد الصلاحي: منذ قيام الثورة حاولت النخبة السياسية اليمنية والقيادة المصيرية في اليمن أن تعتمد على تصور تقليدي بأن استجذاب مشايخ القبائل سيؤدي بالضرورة إلى استجذاب كل القبائل التابعة لهم ومن ثم تخفيف الاستقرار بأقصر وقت ممكن واستقرار النظام الجديد، الأمر الذي كان في الواقع غير ذلك حيث استمرت الحرب الأهلية بين قوة الثورة والجمهورية والقوى المناوئة لها أكثر من ثمان سنوات وكانت هذه الرؤية خاطئة، هذه نقطة. النقطة الثانية أن نظام السلال والإيريان لم يكن من القوة ولم يكن لديه رؤية سياسية للتعامل مع القبيلة حتى الضباط الثوار ضباط الثورة الذين قاموا بالانقلاب ثم أصبحت ثورة بعد ذلك وفق إجراءاتها الاجتماعية والاقتصادية لم يكن لديهم رؤية وتصور واضح لما بعد الثورة، من ذلك غياب تصور للقبيلة.

علي عبد ربه القاضي: بدأت القبيلة تنشأ في بعض مناطق، يعني كان مجتمع فلاحين ما هوش مجتمع مدني إحنا ما كانش عندنا مجتمع مدني، أنت لو سألت أبوك لو كان أبوك فلاح ولا جدك فلاح، يعني لو أحد قال لك ادعى أنه هو مدني هو مغرور ومغالط للتاريخ ما كانش في عندنا مجتمع مدني كان عندنا مدينة صنعاء ومدينة عدن كانت محتلة ولا بقية اليمن هو مجتمع فلاحي ومجتمع قبلي كله من أقصاه إلى أقصاه يعني معنى كل الناس كانوا في أيام الإمامة قسمها الإمامة إلى قسمين قسم مذهبي يحكم به وقسم جباة، يعني بالنسبة للقسم الشمالي كان يعني معسكرهم يعني لغلبة أخوانهم وقهرهم بالنسبة للمناطق الأخرى، أتت الثورة يعني معناه فتحت الباب أمام الحقوق والواجبات المتساوية لكن للأسف الشديد بالنسبة للحكم المدني ما وصلنا شيء إليه، ليومنا هذا لا زالت المؤسسة العسكرية هي المسيطرة.

أحمد الشلفي: يعزي البعض مسؤولية حضور القبيلة كمساهم فاعل في الحراك السياسي اليمني إلى هذا الرجل الشيخ عبد الله الأحمر، فمنذ قيام الثورة اليمنية عام 1962 في الشطر الشمالي سابقا استطاع الأحمر أن يكون الممثل الرئيس للقبيلة في الدولة اليمنية الحديثة. الأحمر الذي توفي في أواخر العام 2007 في المملكة العربية السعودية يسميه اليمنيون هنا صانع الرؤساء. خمسة رؤساء خلال ما بعد الثورة كان الأحمر جزءا من حكمهم بطريقة أو بأخرى لكن الفترة الذهبية بالنسبة له كانت فترة الرئيس علي عبد الله صالح إذ بدا فيها الرجل أقرب إلى صنع القرار. شهدت حياة الأحمر شدا وجذبا فالرجل الذي اختار لنفسه أن يكون على رأس القبيلة ومشاركا في الدولة اختار أيضا أن يكون على رأس حزب سياسي معارض وهو حزب التجمع اليمني للإصلاح، ولطالما كانت مواقف الحزب ورئيسه تسبب حرجا للطرفين إلا أن رجل القبيلة القوي كان ينأى بموقفه في مرات كثيرة لصالح وجوده كشريك رئيسي في السلطة.

محمد عبد الملك متوكل: الشيخ عبد الله بعد تجربته مع إبراهيم الحامدي لم يعد لديه استعداد أن يختلف مع رئيس لأنه أيضا جرب أن القبائل أيضا حين تنحسر الدولة بالإمكان أن يضعف الدور القبلي في هذا، وهذا ما كان بدأ يعاني ويحتاج، تعرف لا بد أن يكون لك دعم لا بد أن يكون لديك إمكانيات لا بد أن يكون لديك إمكانيات وأنت خارج الدولة لكي تستطيع أن تكون شيئا، فهو من بعد.. ولهذا قال لي سنان أبو لحوم مرة قال لي الحامدي أدبناه لمن بعده.



جيل جديد وصراع متجدد

أحمد الشلفي: غياب الشيخ الأحمدي عن موقعه في القبيلة والدولة طرح أسئلة جديدة يعتقد البعض أنها ستكون مسؤولة عن دور جديد للقبيلة، فطموحات الجيل الجديد لم تعد خافية على أحد وطموحات الدولة في إقصاء القبائل لصالح أطراف أخرى بدت واضحة وإن بدت في مرات كثيرة قابلة للمساومة.

حسن عبد الله الأحمر/ رئيس مجلس التضامن الوطني: أنت تعرف أنه في كل المعارك وفي كل الأزمات اليمنية والسياسية والحروب اللي جالت قبل الثورة أو بعد الثورة أي طرف توقف معها القبيلة أو القبائل هو المنتصر، بعد ما ينتصر هذه القبائل يخرجوهم خارج الطابور وخارج الصف يقول خلاص أخذنا منكم ما نريد أما الآن كل واحد يروح بيته، ادوا لهم مصاريف ولا عسكروا خمسة منهم، لا يعلمونهم لا يدرسونهم لا يوظفونهم لا يؤهلونهم، هذه مشكلة عندما تحصل حروب ولا مشاكل تحتاجهم وتقول لهم أنتم الأصل وأنتم الفصل وهؤلاء المشايخ هم أساس البلاد وأساس الدولة وعندما تنتهي وتستقر الأوضاع ويستتب الأمن وكل شيء على ما يرام تبدأ بمحاذرتهم. لماذا لا توجد هناك آلية تنظم العلاقة بين الشيخ وبين الدولة؟ فالشيخ له حقوق وعليه واجبات، عليه واجبات يقوم بها أمام قبيلته وأمام أبناء قبيلته وأمام الدولة وله حقوق من الدولة فبالتالي لا بد أن توجد هناك آلية، أما الآن الدولة تزرعها في كل قرية ثلاثين شيخ.

القبيلة لا أحد يستطيع أن يمحوها سواء كانت الدولة موجودة أو غير موجودة قوية أو غير قوية

محمد ناجي الشايف
: الدولة للأسف لم تلب حاجة المواطن ككل وتغنيه عن القبيلة وحتى لو أغنته عن القبيلة فهو بالأخير هو قبيلة أنت لا تقدر أني أقول لك إن فلان مش من المنطقة الفلانية أو القبيلة الفلانية حتى لو الدولة تكون أميركا، أميركا تقول لك فلان بن فلان هو من تكساس وهذا في أميركا الدولة الكبرى العظمى، فالقبيلة ما تقدر تمحيها أبدا سواء كانت الدولة موجودة أو غير موجودة سواء كانت الدولة قوية أو غير قوية.

أحمد الشلفي: كان الجيل الجديد من القبائل بحاجة إلى مسوغ جديد للظهور على الخارطة السياسية، استطاع الجميع فيما بعد التعبير عن أنفسهم. وبينما يدور جدل حول اليمن بين نظام قبلي أو نظام مؤسسي خرجت إلى الساحة تجمعات قبلية كل طرف ينادي بأحلاف قبلية جديدة.

حسن عبد الله الأحمر: مجلس التضامن الوطني هو ليس خاصا بالقبائل فقط رغم أن معظم شرائح المجتمع اليمني معظمهم ينتمي إلى القبيلة ولكن هو عمل اجتماعي شعبي طوعي لتوحيد صفوف الناس أو المجتمع للعمل إلى خدمة الوطن وخدمة المجتمع بشكل عام بكل شرائحه، وهذا الكيان ما أنشئش ولا أسس على أساس أن يكون ضد كيان أو ضد حزب أو ضد فئة أو ضد جماعة أو ضد شخص ولكن أينما تكمن المصلحة العامة فالكيان هذا والمؤسسة هذه ستكون مع المصلحة العامة رضي من رضي وزعل من زعل.

محمد ناجي الشايف: نحن لا نتبنى جهة رسمية أو نحن نمثل أحدا، نحن نمثل أنفسنا ونمثل الشعب اليمني ونمثل قبائل اليمن، ما قمنا به أو قام به الوالد في المؤتمر اللي عمله الوالد هو مؤتمر تجمعت فيه كل قبائل اليمن، تعرف القبائل من حاشد من بكيل من مذحق من حمير ومن مختلف القبائل اليمنية، هذا التجمع أرادوا فيه لفت النظر أن لا أحد يقدر أن يمثلهم أو يتحدث باسم تحت اسم تنظيمات أو أحزاب أو كذا مدفوعة من الخارج، نحن نرفض هذه الأشكال، القبيلة هي لا تنطوي تحت حزب ولا يقودها حزب أو تجمع أو نقابة.

فؤاد الصلاحي: في مرحلة دولة الوحدة اتجهت الزعامة القبلية إلى رؤية أكثر تطورا من ذي قبل حيث مالت إلى تعليم أبنائها وأقاربها بل إلى دعمهم إلى تلقي أحدث العلوم في المعاهد الأميركية والأوروبية لسببين، السبب الأول لتجديد استمرارية فاعليتهم في السلطة عن طريق أبنائهم كخلفاء لهم، الثاني أنه ليس عن نفس الطريق القبلية القتال والحرب بل أن يحملوا أدوات حداثية الشهادات التعليمية المختلفة وهنا يكسرون حدة النقد التي كانت سابقة لهم بأن هؤلاء المسيطرين على قوة الدولة ومؤسساتها لا يحملون أيا من أدوات التعليم ومن ثم يتجهون بالدولة إلى الارتداد للخلف، فأصبحت المنافسة بين أبناء المشايخ وبين عامة المجتمع ضعيفة لأن هؤلاء بقوتهم الاقتصادية يستطيعون يحصلون على أفضل التعليم في الداخل وفي الخارج، هذه العملية أدت بالقبيلة إلى أن تجدد ذاتها من خلال أن تعمل على توزيع الأدوار بين وجود الأب في مراكز سياسية عليا والأبناء في أنشطة تجارية وأبناء آخرين في قيادات حزبية الأمر الذي جعل من البنية القبلية تمارس أربعة أدوار في آن واحد.

أحمد الشلفي: هنالك الكثير من الثغرات التي لم تُعالج والتي يتكئ عليها المنادون بحق القبائل وعودة القبيلة كما كانت عليه عرفا وقانونا سائدا في التعاملات بين الناس. إن المناطق القبلية في اليمن تبدو لمن يشاهدها وكأنها خرجت لتوها من التاريخ وهذا ما ساعد حسين بدر  الدين الحوثي على خوض صراع مسلح مع الدولة منذ العام 2004 في محافظة صعدة شمالي اليمن. لقد كانت أحداث صعدة دليلا واضحا على أزمة شديدة في المناطق التي استبعدتها الدولة ربما بدون قصد عن التنمية والخدمات ولم تبسط يدها كراع حقيقي مما يسهل على أي شخص أن يقود أبناءها الذين لم يشعروا بانتمائهم إلى الدولة وهذا ما قاد إلى تمرد حصدته اليمن ويلات وحروب حتى اليوم.

فؤاد الصلاحي: الدولة في اليمن حتى اللحظة ليس لها مشروع سياسي واضح لتجاوز الكيانات التقليدية، لا بد من مشروع حداثي يستهدف بناء دولة وطنية تتجاوز الكيانات التقليدية وتكون الدولة فوق القبيلة معبرة عن كل أبناء البلد، هذه نقطة. النقطة الثانية أن هذا المشروع الحداثي يتطلب رؤية وطنية تتعالى على الكيانات العصبوية والطائفية والمذهبية وأن تعتمد الدولة في قوتها على المؤسسة العسكرية وقوة القانون لكن الانقلابات والرؤى التي يحملها أبناء المؤسسة العسكرية كانت رؤى لا ديمقراطية وغالبا ليست حديثة، الأمر الذي يجعل من استدعاء جماعتهم القرابية والقبلية أمر أساسي في مساندتهم لتثبيت حكمهم في السلطة، هذه العملية رافقها فشل المشروع الإنمائي في الدولة أي فشل التحديث الاقتصادي والاجتماعي فغالبية الريف اليمني حيث 74% من السكان تغيب عنهم الخدمات الاجتماعية التحديثية البنية التحتية حيث المرأة لا تزال غارقة في الأمية الخدمات الصحية خدمات تنظيم الأسرة، كل هذا يؤدي إلى استدامة الثقافة التقليدية التي تستفيد منها التكوينات القبلية باعتبار أن الثقافة التقليدية هي مشروعها وأطرها الأيديولوجية المفسرة والناظمة لثقافتها.

محمد عبد الملك متوكل: القبيلة مش من بني آدم مش مواطنين؟! كيف تقول لي نمحي القبيلة؟! هي مؤسسة محلية، كيف تتعامل معها وكيف تحولها إلى مؤسسة تنموية؟ تهتم بالطريق تهتم بالمدرسة تهتم.. طيب إذا انهارت الدولة المركزية من الذي يحمي البلد؟ تتفتت البلد إذا كانوا أفرادا، عندما توجد الدولة التي تعمل من خلال الدستور والقوانين أنا أؤكد لك أن القبيلة سوف تحترم ذلك. اليوم القبيلة تعيش ضنكا كبيرا لا تجد مؤسسات الدولة لا تجد القضاء الذي يحقق العدل وبالتالي يقول لك خايفين يعيشون خوف ويتمنى الدولة الذي يريدها.

علي عبد ربه القاضي: الحكم المحلي هو المنقذ لهذا البلد ولكن مش الحكم المحلي يعني شيء اسم شيء والجوهر شيء آخر. الوطن العربي كله لو مارس الفيدرالية رغم الأنظمة ملكية جمهورية يعني إيش ما كانت مؤسساتها يعني في حالة لو اشتركوا كانت وحدة الوطن العربي والدولة المركزية تكون هي الغطاء، يعني مش كل واحد يعمل له نظام ويعمل له قانون من رأسه يختلف عن غيره لكن يكون من خلال المثقفين هم الذين يصيغون كل شيء، كيف ينظم مسار المجتمع ويقبل به المجتمع ويوافق عليه مجلس النواب ويبدأ تنظيم الحياة وبهذا بنتخلص ويعني بنسكت القبيلة التي بتتقززون منها قشعريرة بينما القبيلة هي اللي باقية وهي التي تخوض الصراع ضد الغزاة والمستعمرين في كل مكان ما هيش الدولة، يعني أين كانت دولة العراق وإنجاد دولة العراق هم القبائل الذين الآن يواجهون الاحتلال.

أحمد الشلفي: عودة التاريخ بكل تفاصيله إلى الوراء شيء غير مطمئن فاليمن الذي تجدد أزماته اليوم ليس بسبب القبيلة وحدها ولكن بسبب تراكمات سياسية خلفتها صراعات ما بعد الوحدة وما قبلها يحاول بقدر استطاعته الخروج من أتون أزماته. تقاوم الدولة اليوم ماضيها بحلول تعتقد أنها قد تنفع في إزالة ركام هائل من ثقافة التخلف، أشكاله تمثلت في حملة لجمع السلاح ومنع إدخاله إلى المدن وتحسن البنى التحتية لمناطق القبائل وإدماج أبناء القبائل في المجتمع المدني، لكن أمامها مشوارا طويل، طويل بعدد سنين ذلك الزمن الذي توقف قليلا ثم أريدَ له اليوم أن يصحو بعد أن ظن البعض أنه قد ربما استيقظ متأخرا.