- الصدام مع روسيا وحلم الاستقلال
- اغتيال دوداييف
- الاجتياح الثاني للشيشان

ميخائيل ليرمونتوف - شاعر روسي: أعطوا القفقاس السلام ولا تبحثوا عن جنة الأرض على ضفاف الفرات.. إنها هنا.

الصدام مع روسيا
وحلم الاستقلال

[تعليق صوتي]

بلاد الشيشان قطعة من جنة القفقاس وهذا شعب يحلم بالحرية وبوطن بلا حروب، اليوم بقي من هذه الصورة دمار خلفته الحرب، قُتل في هذه الحرب أكثر من ربع مليون إنسان، 80% منهم من الشيشان، الشعب الشيشاني يعيش حربا لا يعرف متى ستنتهي. في أواخر الثمانينات ومع سياسة الانفتاح التي أرسلها غورباتشوف بدأت تظهر الأفكار التحررية والاستقلالية ليس فقط في جمهوريات الاتحاد السوفياتي الخمس عشرة بل أيضا داخل روسيا أكبر جمهوريات الاتحاد، ولقيت هذه الأفكار رواجا في جمهورية الشيشان والإنغوش، فتاريخ الشعب الشيشاني على مدى القرون الأربعة الأخيرة مليء بمشكلات التهجير وفقدان الاستقلال، جاءت الحرب الروسية القفقاسية التي امتدت أكثر من مائة عام لتتمكن روسيا القيصرية في نهايتها من احتلال كل شمال القفقاس وتهجير القسم الأكبر من الداغستان والشيشان والشركس إلى الإمبراطورية العثمانية آنذاك، كان هناك باستمرار الصهر الثقافي من خلال فرض سياسة الترويض ومحاربة الدين الذي يشكل لدى الشيشانيين عصب حياتهم الاجتماعية، ثم جاءت سنوات الإرهاب الأحمر في عهد ستالين حين هُجّر كل الشيشانيين إلى منطقة آسيا الوسطى بدعوى تواطئهم مع ألمانيا النازية إبان الحرب العالمية الثانية، أكثر من نصف أفراد الشعب الشيشاني هلكوا من البرد والجوع والأمراض أثناء عمليات التهجير، الحلقة الحالية من مسلسل الإبادة المتواصلة بحق الشيشانيين ليست بأقل قسوة من سابقاتها. كان الاتحاد السوفياتي يلفظ أنفاسه الأخيرة وأصبحت الحركة الاستقلالية لدول البلطيق الثلاث مثالا وحافزا لمعظم دول الاتحاد. بداية الانهيار كانت ليتوانيا التي أصبحت مثالا أراد الشعب الشيشاني أن يطبقه، فذلك المشهد الذي واجه فيه الليتوانيون الدبابات السوفياتية دفاعا عن استقلالهم الذي أعلنوه أصبح حلما يراود الحركة الاستقلالية الشيشانية الفتية.

كوسما مسخادوفا - أرملة الرئيس الشيشاني الأسبق أصلان مسخادوف: كنا آنذاك في فينيوس عاصمة ليتوانيا، زوجي كان يخدم في الجيش السوفياتي هناك من نافذة بيتنا المطل على برج التلفزيون تابعت كيف خرج اللتوانيون للدفاع عن حريتهم كبارا وصغارا، رأيت كيف حاولت الدبابات السوفياتية قمعهم لم أكن أتوقع أنه بعد سنوات قليلة ستشهد بلادنا هي الأخرى أحداث دموية.

[تعليق صوتي]

في تلك الحقبة كان الجنرال جوهر دوداييف أحد الطيارين المرموقين في الاتحاد السوفياتي يعمل قائدا لفيلق جوي للطيران الإستراتيجي في جارة ليتوانيا المنتفضة هي الأخرى إستونيا، شاهد دوداييف عن كثب كفاح شعوب جمهوريات البلطيق في سبيل الحرية فكانت لتلك اللحظات أثر كبير على خيارات دوداييف، كانت منعطفا في حياته ومستقبل القضية الشيشانية.

ألا دوداييف - أرملة الرئيس السابق جوهر دوداييف: لقد هيأ نفسه لهذه اللحظة طوال حياته منذ طفولته، عايش اللحظات المأساوية كالتهجير إلى كزاخستان وشاهد الموت الذي لحق بشعبه، كان ينتظره مستقبل مهني جيد وكان من المفروض أن ينتقل إلى قيادة أركان الطيران في موسكو ولكنه كان يحب وطنه الصغير المعذب وكان طوال الليل يفكر ويسير في شقتنا فقد كان قلقا لمراقبته للأحداث في دول البلطيق وكان يردد دائما إن روسيا لن تعطي الحرية بسهولة لأي شعب وإنه يجب محاربة هذا الوحش بقوة السلاح عندها ربما كان يعي صعوبة وخطورة هذه الخطوة.

[تعليق صوتي]

على خلفية هذه الأحداث بدأ عدد من المثقفين الشيشان بتشكيل حركة شعبية حققت نفوذا قويا في الشارع الشيشاني ومهدت لإعلان استقلال جمهورية الشيشان عن روسيا الاتحادية، من أبرز تلك الشخصيات كان الشاعر المعروف والرئيس اللاحق للشيشان سليم خان يندرباييف. زار يندرباييف دوداييف في إستونيا وعرض عليه العودة إلى الشيشان لتزعم حركة الاستقلال والترشح لرئاسة الجمهورية الجديدة إشكيريا.

مليكة يندرباييف - أرملة الرئيس السابق سليم خان يندرباييف: أذكر أنه اجتمع في بيتنا رفاق زوجي وسألوه بعد لقائه بدوداييف لماذا اخترته ليكون رئيسا؟ فهو جنرال ورجل عسكري ويمكن أن يكون دكتاتورا، قالوا له نحن نريد أن ننتخبك أنت، زوجي قال لهم إن ثقته كبيرة بدوداييف وهو شعلة متقدة في سبيل تحرير الشيشان واستقلالها وأنه واثق من أنه لن يتراجع عن هذه الخطوة هو أحق بالمنصب، من كان معي عليه أن يكون مع دوداييف من يريد أن ينتخبني فلينتخب دوداييف.

[تعليق صوتي]

جوهر دوداييف الذي كان ينتظره منصب رفيع في قيادة أركان الطيران السوفياتي بموسكو استقال من سلاح الطيران وعاد إلى الشيشان ليتزعم إلى جانب صديقه يندرباييف حركة الاستقلال عن روسيا وفي السادس من أيلول/سبتمبر عام 1991 تم إعلان استقلال جمهورية الشيشان وأجريت أول انتخابات رئاسية تعددية فاز بها بأغلبية كبيرة من الأصوات جوهر دوداييف ونائبه سليم خان يندرباييف.

ألا دوداييف: الشعب الشيشاني استقبل إعلان الاستقلال كهبة سماوية إلهية عظيمة، في تلك الفترة كان الرئيس الروسي بوريس يلتسن يتحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها ويردد جملته الشهيرة خذوا من الحرية ما تستطيعون أخذه، هذه الكلمات استقبلت كضوء أخضر للتحرك ولم يتوقع أحد أن يتحول هذا الأمر إلى إراقة للدماء، فقد شاهدنا كيف استقلت دول البلطيق بسهولة نسبية واعتقدنا أن يلتسن رجل يتمسك بكلمته..

[تعليق صوتي]

بات واضحا أن موسكو لن تسكت خاصة مع ازدياد نفوذ ما يعرف بحزب الحرب في القيادة الروسية وبدأت تلوح في الأفق مخاطر اللجوء إلى حل عسكري للأزمة عندها وجه دوداييف دعوته الشهيرة إلى كل الشيشانيين خارج الجمهورية بالعودة للدفاع عنها.

كوسما مسخادوف: أصلان مسخادوف كان ذا طبع هادئ لكنه خرج عن طوره عندما كان يتابع ما يجري حول الشيشان، قال أكثر من مرة أمام قادته إني لن أخدم في هذا الجيش، لقد أعطيت سنوات طويلة من عمري لهذا الجيش واليوم الجيش الروسي يتهيأ لقتل شعبي، تحدثنا في السر وبعدها قرر ترك الجيش والعودة إلى الشيشان والوقوف إلى جانب دوداييف والشعب الشيشاني.

[تعليق صوتي]

بدأت موسكو تحركاتها على مختلف الجبهات بعد أن اتضح لها أن القيادة الشيشانية مصرة على خيار الاستقلال وبدأت وفود من الكرملين ووزارة الدفاع الروسية تصل إلى الشيشان لبحث مسألة تقاسم سلاح الجيش السوفياتي المتواجد هناك، دوداييف كان مصرا على الحفاظ على وحدة الجيش إلا أن روسيا سحبت خلال أشهر قليلة جنودها تاركة سلاحها في الشيشان ومنذ تلك الفترة بدأت موسكو تشن حربا إعلامية على جمهورية الشيشان وقيادتها وأخذت تصف الشيشان بأنهم عصابات إجرامية وتزايدت الدعوات في روسيا إلى ضرورة إعادة جمهورية الشيشان إلى الدائرة الروسية حتى ولو بقوة السلاح.

"
العمليات الإرهابية التي جرت في العام الأول بعد استقلال الشيشان ونسبتها موسكو للشيشان كانت بإشارة وتنظيم من جهاز المخابرات الروسي
"
ألا دوداييف

ألا دوداييف: نحن كنا على يقين من أن روسيا متجهة نحو الحرب ضد الشيشان، فكل العمليات الإرهابية التي جرت في العام الأول بعد استقلال الشيشان ونسبتها موسكو لنا كانت حقيقة بإشارة وتنظيم من جهاز المخابرات الروسي.

كوسما مسخادوف: مؤلم ومحزن جدا عندما يحاولون أن يظهروا كل شيشاني أمام العالم كإرهابي منذ ولادته حتى وهو في رحم أمه.

[تعليق صوتي]

ازدادت حجة اللهجة بين موسكو وغروزني وبدأ الكرملين يلوح بقبضته الحديدية ويحشد مزيدا من القوات حول جمهورية الشيشان وغدت الحرب أمرا واقعا ومسألة وقت.

ألا دوداييف: جوهر دوداييف كان يعي جيدا ويستوعب وجود مصالح لروسيا في منطقتنا وحاول إيجاد حلول وسط مع موسكو، كتب رسائل عديدة إلى يلتسن ورئيس وزرائه تشيرنومردين، أرسل وفودا كثيرة إلى موسكو ولكنها منعت من دخول الكرملين ولقاء المسؤولين الروس، كورجاكوف رئيس حماية يلتسن كما علمت لاحقا كان يمنعهم، لا أحد يعلم ربما لو التقوا بالمسؤولين لكانت الأمور سارت بشكل آخر، دوداييف كان مستعدا للذهاب إلى موسكو للمفاوضات لكن الكثيرين حذروه من هذه الخطوة، في بداية الحرب التقى بوزير الدفاع الروسي بازل كتشوف في إنغوشيا لإيجاد مخرج من الأزمة ولكن مصالح كثيرة كانت تتقاطع في هذه الحرب.

مليكة يندرباييف: دوداييف ويندرباييف بذلا كل ما بوسعهما لمنع الحرب ولكن موسكو اشترطت إلقاء السلاح والاستسلام بدون أي تنازلات، الواقعي كان غير ممكن كيف يمكن القول إنهما لم يرغبا في منع الحرب لقد فعلا كل ما بوسعهما لمنع هذه الحرب ولكن روسيا يحكمها حزب الحرب وما لم يشبع حزب الحرب من الدماء المراقة فلن تتوقف هذه الحرب.

[تعليق صوتي]

في خريف 1994 بدأت روسيا سلسلة من العمليات العسكرية على الحدود مع جمهورية الشيشان ونفذت عدة محاولات تدخل فاشلة باسم من سمتهم بالمعارضة الشيشانية وبعد فشل كل المحاولات للإطاحة بنظام دوداييف بدأت في الحادي والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر عام 1994 هجوما واسعا كانت بداية حرب دموية مازالت دائرة للآن بعد اثني عشر عاما.

ألا دوداييف: على الحدود مع إنغوشيا شكلت النساء الشيشانيات سلسلة بشرية لمنع الاجتياح الروسي، النساء حاولن إقناع الجنود الروس بالعدول عن الهجوم ولكن بدون نتيجة لأن الجنرالات كانوا ينفذون قرارا سياسيا وهؤلاء الجنرالات كانوا يبحثون عن الثروة على حساب الشعب الشيشاني، إنها حرب لصوص، الشيشان كانت لقمة سائغة للكثيرين لأنها عائمة على بحر من النفط، هذا النفط هو دم الشعب الشيشاني لأنه كان السبب في كثير من مآسيه.

[تعليق صوتي]

بعد عشرين يوما بدأت القوات الروسية هجومها على العاصمة الشيشانية غروزني، أبدى المقاتلون الشيشان مقاومة عنيفة للجيش الروسي وكبدوه خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات، هذه الصدمة دفعت الجنرالات الروس إلى القصف العشوائي للمدن والقرى الشيشانية الذي أودى بحياة عشرات آلاف الشيشانيين وشرد مئات الآلاف وحول معظم المدن والقرى الشيشانية إلى ركام.

ألا دوداييف: الدخان الأسود حجب السماء، الهواء كان مشبعا برائحة اللحم المشوي، كنا نعتقد أن ما يجري أمام أعين المجتمع الدولي لا يمكن أن يستمر طويلا وأن المجتمع الدولي سيساعدنا وكذلك الأمم المتحدة وكل الدول الديمقراطية، كانت لحظات مؤلمة لأننا شعرنا بأننا مرمون للقدر وبقي الاعتماد فقط على قوتنا.

مليكة يندرباييف: سليم خان وجوهر عقدا الأمل على المنظمات الدولية والمجتمع الدولي على أبواب القرن الحادي والعشرين، كان سليم خان واثقا بأن العالم لن يسكت بهذا الشكل أمام رغبة استقلال الشعوب، أن تقتل هذه الشعوب بهذا الشكل في عصر يجري فيه الحديث عن الديمقراطية والحضارة، يندرباييف ودوداييف ربما كانا يأملان أن العالم لن يكون أعمى أمام هذه المجزرة ولن يسمح بالتطلعات الإمبراطورية الروسية ولكن حدث عكس ذلك.



[فاصل إعلاني]

اغتيال دوداييف

[تعليق صوتي]

وعلى الرغم من القصف المستمر فشلت القوات الروسية في القضاء على المقاومة الشيشانية، فبحث الكرملين عن خيار آخر على مدى ثلاث سنوات جرت محاولات متكررة لاغتيال دوداييف وفي ربيع عام 1996 نجحت موسكو أخيرا في عملية نوعية شاركت فيها طائرات الاستطلاع وأجهزة مخابرات بعض الدول الأجنبية تمكنت موسكو من قتل دوداييف أثناء إجرائه اتصالا هاتفيا مع رجل الأعمال الروسي قسطنطين برافوي، كان دوداييف يعلم أن الروس يراقبون هاتفه لذلك كان يتجنب الكلام في المناطق السكنية ولأكثر من 15 دقيقة.

ألا دوداييف: ابتعدت قليلا عن جوهر الذي عاود الاتصال ببرافوي، المباحثات أخذت وقتا أطول من المعتاد، في ذلك اليوم تكلم دوداييف بالهاتف قرابة الساعة وقفت قرب منحدر على مسافة من دوداييف ومعاونيه، كان يتحدث إلى أصدقائه ويضحك ناظرا إليّ اعتقدت أنه كان يسخر مني لذلك أبعدني عنه، كان يحب المزاح دائما وفجأة سمعت هدير صاروخ قادم من خلفنا وليس من السماء ثم انفجارا ضخما فسقطت في الوادي الصغير، تمسكت بشجيرات وحاولت الصعود عندها انفجر صاروخ ثان، صعدت بعد خمس دقائق لأجد جوهر في أحضان حارسه الشخصي اقتربت منه وكان ميتا.

[تعليق صوتي]

أحدث هذا الخبر صدمة لدى الشيشانيين فقد كان دوداييف بالنسبة لهم عنوانا لمرحلة تاريخية من مسيرة كفاحهم في سبيل الاستقلال.

مليك يندرباييف: أذكر ذلك اليوم كهذه اللحظة، سليم خان أرسل لي رسالة قصيرة ولم أكن أعرف أين يوجد، كنت أعيش في قرية جبلية مع والدة يندرباييف والأيتام أبناء أخيه، كتب في الرسالة أن أبلّغ أقرباءه ومن أستطيع لكي يأتوا إلى جنازة دوداييف، أهل القرية لم يصدقوا الخبر ولكني عندما قرأت رسالة زوجي تأكدت من أن دوداييف قد رحل.

[تعليق صوتي]

لم يأخذ البحث عن خليفة لدوداييف وقتا طويلا فحسب الدستور الشيشاني يتسلم مهام الرئيس في حال موته نائبه وهكذا أصبح سليم خان يندرباييف نائب دوداييف وصديقه الرئيس الثاني لجمهورية الشيشان.

مليك يندرباييف: عندما علمت أن يندرباييف أصبح رئيسا للشيشان وأن الجميع أقسم بالولاء للرئيس الشيشاني الثاني ارتجفت قدماي من الخوف، عندما كان سوية مع دوداييف لم يكن الأمر مخيفا أما بعد موت دوداييف كنت خائفة لأني كنت أدرك أنه لن يجد صديقا ومناصرا نزيها كجوهر.

[تعليق صوتي]

بوصول يندرباييف إلى قيادة المقاتلين الشيشان لم تخف حدة المواجهات لأن موسكو أخذت تبحث عن تهدئة مؤقتة للنزاع، كانت الانتخابات الرئاسية في روسيا على الأبواب وكان يلتسن بحاجة ماسة إلى الأصوات فشعبيته السابقة كانت قد تراجعت، دعا الكرملين يندرباييف إلى موسكو لإجراء مباحثات بهدف إيقاف الحرب.

مليكة يندرباييف: عندما علمت أنه سيذهب إلى موسكو حاولت إقناعه بالعدول عن هذه الخطوة، اقتربت منه وقبل أن أتفوه بكلمة واحدة قال لي عليّ الذهاب يجب استغلال أي فرصة ولو كانت صغيرة لإيقاف الحرب لأن شعبي قد تعب من الحرب.

[تعليق صوتي]

لم يجلب اللقاء بين يلتسن ويندرباييف نتائج ملموسة لإنهاء الحرب بل استخدم يلتسن اللقاء كعادته لأمور دعايته الانتخابية، بعد أقل من شهر على هذا اللقاء تلقى الرئيس الروسي مفاجأة من النوع الثقيل، مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية شن المقاتلون الشيشان بقيادة أصلان مسخادوف هجوما واسعا في السادس من آب/أغسطس عام 1996 تمكنوا فيه من السيطرة على مدينة غروزني وأسر أعداد كبيرة من الجنود الروس. توقيت هذه العملية خلط أوراق الكرملين ودفعه إلى توقيع اتفاقية حسبيوت الشهيرة في آب من العام نفسه. وتتضمن بنود هذه الاتفاقية إيقاف الحرب وسحب القوات الروسية من الشيشان وتأجيل مناقشة الوضع السياسي لغاية عام 2001. هذه الاتفاقية اعتبرها المراقبون اعترافا روسيا باستقلال الشيشان، في صيف عام 1997 جرت الانتخابات الرئاسية في جمهورية الشيشان الخارجة تماما وقتها عن السيادة الروسية وحملت نتائجها فوز أصلان مسخادوف قائد الأركان بمنصب رئيس الجمهورية.

كوسما مسخادوف: لم أكن أرغب في أن يترشح أصلان مسخادوف للرئاسة، فالبلاد كانت مدمرة والناس كانوا جائعين، الوضع كان صعبا للغاية، رفاق مسخادوف غضبوا مني لمحاولة إقناع زوجي بعدم خوض الانتخابات، جميعهم فيما بعد وافقوني الرأي ذلك أنهم أدركوا لاحقا مدى صعوبة المهمة التي وقعت على عاتق أصلان مسخادوف.

الاجتياح الثاني للشيشان

[تعليق صوتي]

بعد انتخابه رئيسا للشيشان وقع مسخادوف مع الرئيس يلتسن اتفاقية للسلام تضمنت بندا واحدا: كل النقاط المختلف عليها بين الطرفين تحل عبر المباحثات السلمية وبناء على القواعد الدولية.

كوسما مسخادوف: مسخادوف كان مؤمنا بأن لقاءين آخريين مع يلتسن سيجلبان السلام والاستقلال للشيشان وجاءت تفجيرات المباني السكنية في موسكو ومدن روسية أخرى وتدخل مجموعات للمقاتلين الشيشان في جمهورية داغستان عام 1998 لتكون الذريعة لرئيس الحكومة الروسية الجديد آنذاك فلاديمير بوتين الذي أصبح رئيسا لروسيا بعد أشهر قليلة ليبدأ الفصل الثاني من هذه الحرب الدموية تحت اسم جديد مكافحة الإرهاب.

ألا دوداييف: تفجير المباني السكنية لم يكن من عمل الشيشان وهذا أمر معروف للجميع.

"
روسيا هي التي خططت لعملية التدخل في داغستان، ولم تكتف بذلك بل فجّرت مواطنيها الآمنين النائمين في بيوتهم
"
مليكة يندرباييف

مليك يندرباييف: روسيا هي التي خططت لعملية التدخل في داغستان ولم تكتف بذلك بل فجّرت مواطنيها الآمنين النائمين في بيوتهم لأن موسكو كانت تبحث عن الحجة لبدء حرب جديدة في الشيشان.

[تعليق صوتي]

حرب تجاوزت بدمويتها ودمارها الحرب الأولى، مخلفة عشرات الآلاف من الضحايا واللاجئين.

كوسما مسخادوف: إن نظام الكرملين ليس بحاجة إلى سلام، في القفقاس تتقاطع المصالح الجيوسياسية لمختلف القوى والدول وليس روسيا فقط، أما شعوبنا فتعاني من لعبة السياسة القذرة.

ألا دوداييف: روسيا ليست بحاجة إلى الشعب الشيشاني، روسيا بحاجة فقط إلى نفط الشيشان وكذلك المجتمع الدولي ليس بحاجة إلى الشيشان وهذا واضح من موقفه إزاء المسألة الشيشانية.

[تعليق صوتي]

تمكنت القوات الروسية من فرض سيطرتها على أجزاء كبيرة من الأراضي الشيشانية واستطاعت أن تشكل حكومة موالية لها، إلا أنها لم تتمكن من القضاء التام على المقاتلين الشيشان الذين تابعوا حرب العصابات ضد الجيش الروسي وأعوانه من الشرطة الشيشانية الموالية لموسكو، فكان لابد لموسكو من العودة إلى سياستها القديمة بالتخلص من القيادات الشيشانية أينما كانت، الهدف هذه المرة كان سليم خان يندرباييف، اثنان من رجال المخابرات الروسية يوم الثالث عشر من شباط فبراير عام 2004 قاما باغتيال الرئيس الشيشاني السابق سليم خان يندرباييف بتفجير سيارته بعد أدائه صلاة الجمعة بالقرب من بيته في الدوحة عاصمة قطر.

مليكة يندرباييف: كنت أجهز الطعام بانتظار عودة زوجي وابني من صلاة الجمعة في المسجد القريب من بيتنا، سمعت فجأة صوت انفجار مدوي، خرجت إلى الشارع وانتابني شعور بأن شيئا قد حصل لزوجي يندرباييف وابني وبعدها عدت إلى البيت، طفلتي الصغيرة كانت تبكي، قمت فورا بالاتصال بأحد الأصدقاء هنا وسألته عنهما فقال لي إنهما تعرضا لحادث سير وهما في المستشفى الآن، توجهت إلى المستشفى وأنا في طريقي إلى هناك اتصل بي أحدهم من روسيا وأعلمني بمقتل زوجي.

[تعليق صوتي]

بعد عام ونيف طالت يد الأجهزة الأمنية الروسية أصلان مسخادوف وقتلته في الثامن من آذار عام 2005 في عملية خاصة.

كوسما مسخادوف: كنت وحدي في البيت اتصل بي أحد الأصدقاء يتساءل عن ما يبثه التلفزيون الروسي عن مقتل مسخادوف وقلت له لعلها كذبة جديدة، فتحت التلفزيون وعرفت فورا كان أصلان مسخادوف.

[تعليق صوتي]

لم تتمكن أسرة مسخادوف من تسلم جثة أصلان مسخادوف لدفنها وذلك بسبب رفض روسيا تسليمها بحجة أن القانون الروسي يمنع تسليم جثث الإرهابيين لذويهم.

كوسما مسخادوف: توجهنا إلى الدول الأوروبية وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي للتدخل لدى موسكو لتسليم جثة مسخادوف، الأوروبيون تحركوا قدر استطاعتهم ولكننا مستاؤون من مواقف الدول العربية والإسلامية.

[تعليق صوتي]

عائلات الرؤساء الشيشانيين تعيش اليوم بعيدا عن الوطن حالها حال آلاف العائلات الشيشانية التي شردتها الحرب ويبقى الحلم بالوطن والعودة إليه الهاجس الأكبر على الرغم من طول الانتظار.

مليك يندرباييف: الله سبحانه وتعالى لا يمتحن الشيشانيين فقط لقد أعطاني الإيمان لتحمل هذه المحنة ولكنه يمتحن المسلمين وقادتهم أيضا ماذا يفعلون من أجل إيقاف سفك الدماء والإرهاب بحق الشعب الشيشاني الآمن، كم من دماء يجب أن تهدر في الشيشان ليستيقظ العالم ويوقف هذه الإبادة الشاملة.

[تعليق صوتي]

أذربيجان أصبحت اليوم مأوى آمنا لعائلة أصلان مسخادوف، حياة هذه الأسرة على ضفاف بحر قزوين مليئة بالمعاناة والصعوبات يزيدها قسوة البعد عن الأهل والوطن وصمت العالم تجاه مأساة الشعب الشيشاني، أما أسرة دوداييف فتعيش اليوم في ليتوانيا حيث وجدت الاستقبال والاحترام، لم نستطع لقاء أسرة دوداييف لأسباب أمنية، فألا دوداييف لا تخفي مخاوفها من أن تصل أيدي الأجهزة الأمنية الروسية إلى أسرتها، ألا دوداييف الرسامة التشكيلية تتابع اليوم رسم لوحاتها عن الحرب والسلام المفقود، تعيد لها الشوارع القديمة ذكريات جميلة عاشتها عائلة دوداييف في هذه المدينة الهادئة وفي كل أسبوع تتوجه ألا دوداييف إلى ساحة تحمل أسم زوجها الجنرال جوهر دوداييف وتبعد أمتارا قليلة عن السفارة الروسية في ليتوانيا لترفع علم الشيشان وتذكّر بأن الحرب لابد أن تنتهي وأن الحرية قادمة.

ألا دوداييف: ما حدث حدث، لا يمكن تغيير الماضي الحرب الأولى كانت قاسية، الثانية كانت أقسى، لقد نجحت موسكو في تفرقة الإخوة الشيشانيين وتلطيخ اسم الشعب الشيشاني، الحرية باهظة الثمن والناس مؤمنون بأن دوداييف سيعود وبأننا سننتصر وأنا مؤمنة بأن دوداييف سيعود عندما يصبح الشعب الشيشاني متوحدا كرجل واحد دفاعا عن حريتهم.

مليك يندرباييف: أهم شيء هو أن الشيشان حرة والشعب الشيشاني حر بفضل الله سبحانه وتعالى وعونه، فهو أصدق صديق وبدون دعم الله وعونه لكانت الشيشان الصغيرة مقارنة بروسيا الكبيرة قد هزمت منذ زمن بعيد.

كوسما مسخادوف: أنا مؤمنة بأن الشيشان حرة، زوجي كان يقول ذلك ويؤكده هذا ما رآه أننا في نهاية المطاف سننتصر، الشعوب الكبيرة والصغيرة تمر بتجارب الحرب، البعض منها يخرج من التجربة بسهولة دون عناء والبعض الآخر يدفع الدم والسنوات، ولكن في نهاية المطاف أنا مؤمنة بأن النصر قريب وهو حليفنا بإذن الله.