- ضحايا الاغتصاب وذكريات الحرب
- خلفيات الحرب ودوافعها العرقية

- محاولات التغلب على آثار الحرب


الذاكرة الجريحة لا تموت...

مهما أوهمنا النسيان بذلك

إنني بلا فرحة ولا رحمة كتلك التي كانت لي..

..إني فارغة في أعماقي..

..هذا البيت الذي أعيش فيه لا معنى فيه..

أحس بأشياء ستعيش معي كل حياتي..

..مهما دفعت أو فعلت أوروبا فلن تعيد لي حياتي..

..أنا لا أستطيع النوم..

كل ليلة تعود إلى رأسي تلك الصور الرهيبة. كل

تلك الكوابيس تعود لي..

..أطفالي عاشوا معي تلك اللحظات الرهيبة

وأنا أتساءل ماذا رأوا في تلك الخيمة مما حدث لي.

أخشى عليهم من يحملوا تلك الجراح في أعماقهم

طيلة حياتهم..

منسيّات البوسنة

نبيل الريحاني: تحاول سراييفو أن تنسى ذكريات الحرب الأليمة التي أوقفها توقيع اتفاق دايتون للسلام قبل عشر سنوات، لا شيء في الخضرة التي تلف مدن البوسنة والهرسك يوحى بأن تلك الطبيعة الساحرة كانت ذات يوم مسرحا لصراع دارت رحاه بين صرب وكروات مسلمي البوسنة، المتجول في شوارع هذه المدينة البلقانية يدرك بيسر أنها تحسن إخفاء أحزانها وتقن إيهام زوارها بأن عجلة الزمن طوت صفحة السنوات العجاف، لكن المشهد يخفي فيما يبدو وجهه الآخر فلطالما كان الهدوء منذرا بالعواصف في هذه البلاد ولطالما أوحت الوجوه الوادعة بأنها تحمل في ثنايا ملامحها شبهة الجراح الدفينة، يقول البوسنيون إنهم شعب محب للحياة، مثل هذه المباني الجديدة تدل على تطلعهم لغد أفضل، لكن الخراب الذي ما يزال يسكن مباني أخرى يذكرهم بهجوم الصرب عليهم بعد أن قرروا الاستقلال عن يوغوسلافيا السابقة، استهدفت تلك الحرب الحجر والبشر ولم تفرق بين مدني وعسكري أو بين رجل وامرأة، بيد أن أكثر ما يؤلم ذاكرة البوسنيين وينكأ جراحها الغائرة قصص تلك الانتهاكات التي يتجنبون روايتها لأن ضحاياها نسوة ينتسبن لمجتمع مسلم محافظ، إضافة إلى الإبادة الجماعية شهد العالم استعمال سلاح خطير على نطاق واسع غير مسبوق ضد المسلمين في البوسنة والهرسك.. أنه اغتصاب النساء البوسنيات المسلمات.

ضحايا الاغتصاب وذكريات الحرب

أيدينا - من ضحايا الاغتصاب: بدأت الحرب عندما أتممت المرحلة الابتدائية من الدراسة، كنا نقطن قريبا من سربرنيتسا حيث داهمتنا الحرب كغيرنا، كان حلمي أن أكمل تعليمي، في بداية سنة 1992 وبعد العيد في بداية شهر أبريل وقعت اشتباكات في قريتنا كان الصرب والمسلمون يعيشون معا لكن منذ تلك اللحظة تغيرت الأمور.

حزرتا - من ضحايا الاغتصاب: تزوجت في سنة 1990 كان عمري ستة عشر سنة آنذاك بينما كانت الحرب قد بدأت سنة 1992، عشنا في بيتنا إلى سنة 1992، ذهبنا إلى سربرنيتسا بعدما طردتنا الميليشيات الصربية هناك سمعت صوت أوائل القذائف التي دكت القرية، أذكر أنني احتضنت أبني خوفا من أن يصاب بأذى، كان صوتا رهيبا سمعته لأول مرة في حياتي.

والدة - من ضحايا الاغتصاب: جاء رجال تشيكنيك إلى هنا.. إلى بريتشكو وبدؤوا يهاجمون المسلمين وأخذوا الشبان والكهول وتركوا النساء، كان الشارع الذي نسكنه هادئا إلى حد ما، بقينا هناك إلى سنة 1995.

سلمى - من ضحايا الاغتصاب: أُخذت إلى المعسكر عندما كان عمري خمسة عشر سنة، هناك رأيت أنواع من التعذيب.. تعذيب جسدي واغتصاب وتجويع، كنا نجبر على العمل ولثلاث سنوات بقيت في ذلك المعسكر كأسيرة.

نبيل الريحاني: كانت تلك المخاطر التي نشبت عقب إعلان جمهورية البوسنة والهرسك انفصالها سنة 1992 الثمن الذي اشترك في دفعه البوسنيون المسلمون من مختلف الفئات والأعمار، غير أن الصرب أفردوا النسوة منهم بما لم يكن ربما يحتملن أو حتى يتوقعن.

أيدينا: أذكر أنه ذات ليلة ربما كانت ليلة السادس عشر من مايو ولما كنت في البيت مع أهلي وفي منتصف الليل بدأ اشتباك عنيف فاستيقظت.. ظننت أن المحاربين يحاصرون بيتنا، كان قلبي يخفق بقوة حتى أنني كنت أستطيع التنفس بصعوبة، في تلك الليلة قررنا ترك البيت والهرب إلى الغابة لننجو بأرواحنا، هناك وجدنا كل الناس هاربين مثلنا، أقمنا في الغابة عشرة أيام واستهلكنا فيه الأكل الذي كان معنا.. عندها قرر والدي أن نعود إلى البيت بحثا عن الطعام، عدت أنا وأبي وعمتي فقط.. كان بيتنا على أطراف القرية، شيئا فشيئا اقتربنا من البيت وهناك لاحظت وجود جندي ثم ظهر آخر قال لي توقفي وحاذري أن تهربي، عندها اعتقلوني أنا وأبي وعمتي، بدأ الجنود الحديث عن بطولاتهم في الحرب وقالوا لبعضهم من يريد له واحدة منا حتى يغتصبنا، خيم علينا صمت رهيب ونحن نسمع ذلك الكلام المخيف، أخذ الجنديان الأخريان الامرأتين الأخريين إلى طابق آخر بينما دفعني أحدهم على سرير وشرع ينزع ثيابي.. كنت أصرخ، اغتصبني في تلك الليلة، في الصباح رأيت البنتين الأخريين وقد اغتصبتا هما الأخريين، سكتتا وسكت أنا أيضا، لم نرد أن نتحدث عما وقع، بعد ذلك جاءت مجموعة أخرى من بينهم جار لي كان يدعى ساشا، جاري ذاك كرر معي نفس الصنيع، دفعني بقوة إلى الفراش ومزق ثيابي وضربني بشدة ثم اغتصبني، أُدخلت إلى الغرفة الثانية التي كانت فيها البنت الأخرى وهناك اغتصبت مرة أخرى من قبل شخص اسمه ميلان، عرفت فيما بعد أنه من شاباتس وهي مدينة تقع في صربيا، كنت أبكي طيلة الوقت فجاء آخر اسمه كيرلا يعيش غير بعيد عن بيتنا قام باغتصابي هو الآخر وجعل الورقة في فمي كي يسكتني، أعيد اغتصابي مرة أخرى.. أكمل الأول صنيعه فدخل آخر واغتصبني هو بدوره وفي المرة الرابعة قام من اغتصبني وبقيت على ذلك السرير.

والدة: ذات ليلة جاءت سيارتان ومعها حافلة صغيرة تقل مجموعة صربية مسلحة إلى البيوت وكانوا يأخذون ما يشاؤون منها كانوا يزعمون البحث عن الأسلحة.

سلمى: لقد كنت صغيرة لا أفقه شيئا، كان لي شعر طويل قصه أحد جنود تشيكني بالسكين بعد أن قام بضربي بشدة واغتصبني، لقد تعرضت للاغتصاب وأنا خارج الوعي فهمت فيما بعد ما الذي تعرضت له.

والدة: أذكر ملامح أحدهم، أخذني هو وشخص آخر إلى جانب بيتي وقالوا لي انزعي ثيابك فقلت لهم لا تفعلوا بي ذلك إنكم في أعمار أولادي وضع أحد بسكين تحت رأسي أما الآخر فاغتصبني.

نبيل الريحاني: انتبه العالم مبكرا لتفشي جريمة اغتصاب البوسنيات المسلمات في ثنايا الحرب التي شنها الصرب على من اعتبروهم دائما أعداءهم التاريخيين، هذا التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية سنة 1993 يشير إلى ذلك الواقع ويطرح ثلاثة آلاف عددا للمغتصبات، الأيام التي تلت صدور التقرير أثبتت أن العداد لم يتوقف عند تلك المحطة.

خلفيات الحرب ودوافعها العرقية

فتمير أليسباهيتش - باحث وكاتب صحفي بوسني: كانت تلك الأحداث صدمة لنا جميعا صدمة للجميع ممن عايشها أو سمع بها، ربما لم تشهد البشرية جرائم في مقدرا البشاعة كتلك التي ارتكبها التشكنيك ضد المسلمين البوشنياق.

توفيقية أفنديتش - رئيسة جمعية فيفا جيني: الاغتصاب كجريمة ظهر مع بداية الحرب، لقد داهمت الحرب الناس على حين غرة ولكن الاغتصاب رافقهم طيلة سنوات الحرب بوتيرة ترتفع مرة وتنخفض مرة أخرى، غير أن تلك الوتيرة ارتفعت في سنة 1995 مع اقتراب نهاية الحرب وذلك في سربرنيتسا.

"
القصد من اغتصاب البوسنيات هو تدمير المرأة المسلمة البوسنية فالاغتصاب كان يتم بشكل منظم وقد استخدم كأقوى سلاح ضدنا
"
              مشارك

بكيرة هاسيتشيش - رئيسة جمعية أودرجينا جيني: القصد من اغتصاب البوسنيات هو تدمير المرأة المسلمة البوسنية فالاغتصاب كان يتم بشكل منظم وقد استخدم هذا الفعل كأقوى سلاح ضدنا، لقد اغتصبت فتيات لم يتجاوز عمرهن عشرة سنوات واغتصبت نسوة عجائز فوق الستين من عمرهن.

عدنان تيرزيتش - رئيس وزارة البوسنة: الاغتصاب في البوسنة كان عملا سياسيا وكان جزئا من مخطط عدواني استهدف البوسنة والهرسك، لم يكن هناك اعتداء جسدي فقط.. كان الاغتصاب عملا منظما تماما، فكما وقع التخطيط لأسلوب مهاجمة سرايفو بالسلاح الثقيل المعتدون قرروا أيضا أن يغتصبوا أكبر عدد ممكن من النساء ليهينوا ويؤثروا في كل المواطنين سلبيا.

فتمير أليسباهيتش: كل الشهادات والأدلة تقول إن الصرب ارتكبوا جرائم واسعة ومنظمة، إن الأعداد الكبيرة لضحايا القتل والاغتصاب تثبت أن ما وقع هو جريمة متعمدة ومنظمة وواسعة، كل مقومات جرائم الحرب كانت قائمة من معتقلات وقتل جماعي واغتصاب للآلاف، إن لم يكن ذلك جريمة منظمة فما هي الجريمة المنظمة إذا؟

نبيل الريحاني: وصلت المنظمات الحقوقية والإنسانية الجاهدة في لفت انتباه العالم إلى وجه آخر قبيح للحرب في البوسنة عدا المألوف من أخبار المجازر والتهجير، شيئا فشيئا بدأت الوقائع تتكشف عما يعتبره البوسنيون محرقة طالت الأرواح والأعراض التي كانت تنتهك على مذبح الأحلام القومية الشعواء، محرقة بقيت إلى اليوم بلا أرقام دقيقة إلى نبش في الدوافع التي أوقد حطبها لتوقظ النيران مستعرة من تحت رماد التاريخ.

توفيقة أفنديتش: إلى اليوم لا توجد إحصائية رسمية عنهن، هناك معلومات شحيحة من الأمم المتحدة ومن المنظمات المهتمة بهذه الظاهرة وحسب البعض فإنها تشمل حوالي عشرين ألف امرأة وأحدث الأرقام تقول إنهن بين خمسة عشرة وعشرين ألف ضحية.

حرزتا: كان هناك الكثير من النساء والأطفال.. لقد ارتكبوا مجازر لا توصف، الآلاف الأطفال والنساء وضعوهم في المعتقل وفعلوا بهم الأفاعيل المنكرة، ماذا كان بوسعنا فعله؟ كنا أطفال ونساء، لقد كانوا سكارى وكانوا يعتدون على البنات والنسوة، هذا عار عليهم أمام الله، أنا مسلمة أؤمن بالله ولن أترك ديني ما دمت حية، أما هؤلاء فلو كانت تجري في عروقهم قطرة دم من الإنسانية لما فعلوا ما فعلوه.

فتمير أليسباهيتش: هناك سؤال جوهري لم تطرحه وسائل الإعلام التي واكبت أحداث حرب البوسنة وهو لماذا وقعت تلك الجرائم؟ ما هي الخلفية التي حركتها؟ في حدود إطلاعي لم أجد من طرح هذا الجانب، من يدخل في العقد النفيسة الموروثة لدى الصرب يجد في ثناياها أن هؤلاء القوم حكمهم الأتراك لخمسة قرون متتالية ولطول هذه المدة امتزج الأتراك بالصرب وتزوجوا الكثير من نسائهم مما جعلهم يعتقدون أنهم فقدوا نقائهم العرقي، الصرب يتهمون البوسنيين المسلمين بأنهم خانوا الصرب عندما دخلوا في الإسلام دين الأتراك المحتلين.

بكيرة هاسيتشيش: كانوا يقتلون أقاربنا وأعزائنا أمام أعيننا، أجدادنا آباءنا أزواجنا إخواننا وأخواتنا ولكن شكرا لله الكثيرات منا نجونا كي نتحدث اليوم.

نبيل الريحاني: فيوشوجراد، زفورنك ، براتوناتس، نوستار، ترافنك، كاسيلاك، سربرنيتسا، تعددت أسماء المدن بينما كانت الجريمة واحدة، عادت المدن إلى هدوئها لترتحل ذكريات الاغتصاب من الأمكنة إلى قعر الذاكرة إلى أعماق القلوب، تخرج القصص لماما لتطل على عالم تراه المغتصبات ظالما جاحدا فاقدا للمعنى.

حرزتا: كرهت دنياي ولم أعد أريد أن أبقى حية، كان العبء داخلي أثقل من أن احتمله.

والدة: فكرت مرارا في الانتحار فعرف أهلي بنيتي تلك، فكرت في أن أرمي نفسي في النهر ولكني خفت أن أموت كافرة بيدي.

توفيقة أفنديتش: كان عدد النساء اللواتي عالجهن قليلا لأن الاغتصاب يخلف في المرأة مرضا نفسيا وعزلة اجتماعية حادة ويفرض على المغتصبة مشاكل تشجعها على الانكفاء على جرحها الأليم بعيدا عن الأنظار والأسماع، المغتصبة تصبح شخصية مجروحة ذات خبرة أليمة لا تريد إعلانها أو الحديث عنها.

سلمى: ما يعتقده الناس هو أن الاغتصاب لوحده كان تجربة قاسية، لكن المعتقل كان يحفل بعديد من المآسي كالجوع والتعذيب.. كل ذلك كان مؤلما لي، ليس بوسعي تفسير هذا الأمر.

فتمير أليسباهيتش: لقد أجبروا الآباء على ممارسة الجنس مع بناتهم واغتصبوا البنات أمام آبائهم، لقد كانت جرائم فوق التصور ويصعب التحدث عنها أو وصفها، بالنسبة لنا من الصعب أن نتحدث عما وقع أما الصرب فمن السهل عندهم فعل ذلك.

أيدينا: عندي إحساس أنني يجب أن أعيش فقط لأنه يجب علي أن أعيش، هذه هي نظرتي إلى الحياة.. الحياة لم تعد تعني لي شيئا، هناك فراغ في داخلي لا أستطيع وصفه لكم.

حرزتا: عندما أنام على سريري أشعر بأنني وحيدة مجروحة في أعماقي، تصحو الذكريات لأسترجع شريط الأحداث، فقط عندما أنام تنتهي تلك الصور وتتوقف.

نبيل الريحاني: إلى هنا إلى جمعية فيفا غيني في توزلا تأتي النساء المسلمات البوسنيات المغتصبات كي يتلقين شيئا من الرعاية الاقتصادية والاجتماعية والكثيرة من الإحاطة النفسية لعلهن يتخلصن ولو إلى حين من جروحهن الغائرة، اعتادت أيدينا مثل غيرها من النسوة المغتصبات القدوم بين الحين والآخر إلى هذا المقر، هنا وفرت لهن الدكتورة توفيقة والكوادر العاملة معها الملجأ الأول، لم تعد هي والأخريات يقطن في غرف الجمعية التي خصصت سابقا لاستقبالهن، لكنهن لم يصلن بعد إلى الاستغناء عن تنفيس ما يعتمل في دواخلهن لمن يرينها أهل للثقة وسندا ساعة الشدة.

توفيقة أفنديتش: في تلك الظروف استقبلت جمعيتنا النساء ضحايا جرائم الحرب، ركزنا على النساء اللواتي كنا عرضة لأبشع أنواع تلك الاعتداءات هن وأطفالهن كنا نمكنهن من الإقامة عندنا، لكن طاقتنا لم تكن تسمح طبعا بتوفير ذلك للجميع ولذا كنا نأخذ أصعب الحالات دون غيرها.

نوركا بابوفيتش- قيادية في جمعية ميديكا: لم يكن هناك كثيرا من المنظمات فيفا جيني في توزلا وسرايفو هناك أيضا من يهتم بالمغتصبات، لكن ميديكا كانت وما تزال الجمعية التي تقدم خدمات محترفة وعالية المستوى، عندنا محترفون خبراء مدربون جيدا على التعامل مع النساء المغتصبات.

توفيقة أفنديتش: الحالات الصعبة نجمت عن أن الاغتصاب كجريمة قام بأغلبها مجرمون معروفون من قبل الضحايا، كانوا جيرانهم فقد عاشوا مع بعض وكان هناك نوعا من الثقة بينهم سابقا، لم يكن أحدا يتوقع أن جاره هو من سيفعل به ذلك.

نوركا بابوفيتش: كان هناك نسوة يأتين ويقلن لنا أنهن تعرضن للتعذيب ولم يتكلمن مباشرة عن الاغتصاب وعرفن أن أغلبية هؤلاء من خارج زينسا من اللاجئين الذين فروا إلينا.

حزرتا: كنت لا أستطيع العيش بهذه الطريقة وأردت مغادرة البيت، ليس بمقدوري أن أحتمل وجود هؤلاء الذين اغتصبوني قريبا مني.

نبيل الريحاني: لا يشتكي ملف المغتصبات فقط من ضيق ذات اليد وقلة الناصر وإنما كذلك جدلا ساخنا بين الجمعيات التي تنهض برعاية الضحايا، لكل منها سبيل فيما تراه النهج الأمثل في خدمة من يرتادها ورأي نقدي لاذع أحيانا في الجمعيات الأخرى التي تتحرك على نفس الساحة من أجل نفس الهدف، نقد يصل إلى حد الحديث عن الاتجار بالقضية.

بكيرة هاسيتشيش: مقصدنا الأساس هو تحريك الدعاوى القضائية لتعقب الجناة وتمكين الضحايا من العدالة، نحن مع بعض أقوى وننشط في كل بقاع البوسنة والهرسك وعندما يستمع إلى صوت المغتصبة وترانا ننقل معاناتهن تتشجع المغتصبة كي تخرج من مجاهل الصمت.

نوركا بابوفيتش: نحن لا نعتقد أن هذا هو الطريق الأفضل والصحيح بهذه الطريقة أنت تسلب الضحية حقها في الاختيار بين أن تشهد أو لا تشهد.

بكيرة هاسيتشيش: للأسف وقع توظيف بعض الضحايا وبعض الجمعيات عملت على تسفير نسائنا وبناتنا بعيدا عن مسرح جريمة الحرب بعيدا عن القضاء الذي من المفترض أن يعطيهن العدالة.

نوركا بابوفيتش: اختارت بعض النسوة الشهادة في لاهاي وحياتهن اليوم في خطر وفي مثل هذه الحالات التي تقرر فيها المرأة السفر إلى بلد آخر بسبب أمنها وأمن أطفالها نقوم نحن بمساعدها على ذلك.

بكيرة هاسيتشيش: هذه المنظمات تعمل بنفس المنهج إلى اليوم ومن الواضح أن أحدهم يمولهم كي يعلوا صوتهم على صوتنا، الأوروبيون يريدون من دعمهم لمثل هذه الجمعيات أن نموت نحن أو أن تموت مأساتنا قبل ذلك، هناك فعلا من يتاجر بمأساتنا.

نبيل الريحاني: قادنا الكاتب الصحفي والباحث فتمير أليسباهيتش إلى جولة في جنبات مكتبته، تلك المكتبة الحافلة بمئات المقالات وعشرات الكتب، يرى فتمير أن متابعاته لكل شاردة وواردة في حرب البوسنة جعلته يقف على ما يفوت في أحيان كثيرة النظرة العاجلة.. من ذلك الأدوار الدورية الجارية علنا وسرا في إعادة ترتيب البيت البلقاني.

عندي معلومات تقول أنه تم اتفاق سري بين دول كبرى لتهجير المسلمين من ديارهم إلى بلدان بعيدة كي لا يعودوا وبالتالي يتغير الوجه الديمغرافي للبوسنة والهرسك فمدينة، جراشدا كان فيها سنة 1996 خمسون ألف نسمة أما الآن فليس فيها سوى عشرين ألفا خلافا لبلدان أخرى التأشيرات هنا سهلة وسريعة، المهم أن تخرج، واضح أن الهدف هو تحويل المسلمين إلى أقلية ضعيفة في هذا البلد.

نبيل الريحاني: أكثر من ذلك يذهب فتمير إلى أبعد من التواطؤ ليتحدث عن التورط في الفعل الشنيع.

فتمير أليسباهيتش: لقد تورط ضباط وقادة من تلك القوة الدولية في اغتصاب المسلمات، تلك القوة التي كان يفترض بها حفظ السلام وحماية الضحايا.

حزرتا: أتى ثلاثة جنود هولنديين وقالوا تعالي يا سيدة هل تريدين أن نعطيكِ شيئا من الحليب؟ وقالوا سنعطيكِ أنتي وطفلكِ طعاما، فطيلة أربعين يوما لم أكل إلا القليل، فقط القليل من الشرب لا غير، صدقتهم وتابعتهم كان هناك خيام منصوبة قالوا لي انتظري في هذه الخيمة حتى نأتيكِ بالأكل، قلت لهم لا بأس سأنتظر هنا، ضربني أحدهم بقبضته على أذني وأنا إلى اليوم لا أسمع بأذني اليسرى جيدا، فقدت الوعي واستيقظت صباحا عند الفجر فوجدت أبني يصرخ وهو يراني منهكة كمن صدمه قطار، فتحت عيني ولم أرى شيئا وجدت ثيابي كلها ممزقة وكان جسمي مليء بالكدمات، لقد حاولت أن أقوم ولم أستطع في المحاولة الثالثة لمحت ابنتي وقد أتخذ وجهها لون الزرقة من التعب والبكاء، شرعت أتطلع يمينا ويسارا أحاول النهوض ولم أستطع، لست أحتاج لأقنع أحد بأن من فعل بي ذلك هم هولنديون، أنا أعرف وأذكر لون وجوههم، كانت لديهم ملامح هولندية مميزة، لقد رأيتهم كثيرا عندما دخلوا المدينة ولا أحد يستطيع القول أنهم ليسوا هم من قام بذلك، لقد جاءوني في ملابسهم العسكرية لم يكونوا مألوفين كانوا هولنديين.

[فاصل إعلاني]

محاولات التغلب على آثار الحرب

نبيل الريحاني: هنا على أرض هذا المصنع القديم المسيّج من كل جانب وقف ذات صيف من سنة 1995 زعيم الحرب الصربي رادجو ميلاديتش والمطلوب الآن للعدالة الدولية.. وقف أمام ستة آلاف لاجئ أغلبهم نساء وأطفال وبعض من الرجال ليقول لهم أنهم لا يخشون شيئا ماداموا تحت حماية قواته ووعدهم أيضا بأن باصات سوف تنقلهم من الأماكن الخطرة إلى أخرى أكثر أمنا، غير أن هذا الوعد سرعان ما تحول إلى كابوس مرعب، أعيد اللاجئون إلى نفس المكان وحشروا في تلك الغرف وهناك عُذب من عُذب وقُتل من قُتل واغتصب من اغتصب تم كل ذلك تحت سمع العالم وبصره.

أيدينا: تعرفت إلى زوجي في سن السادسة عشر لما كنت أنا وهو في المعتقل، لقد كان الحل الوحيد في طريقي فقد كنت وحيدة بلا رفيق، حدثته عن كل ما حصل معي وقد قبل بذلك، تمكنا بعد ذلك من الهجرة إلى المجر حيث بقينا أكثر من ثلاثة شهور وفي يناير سنة 1993 قررنا أنا وزوجي العودة إلى البوسنة.

نبيل الريحاني: كان لابد للحياة أن تستمر بطريقة ما، في مثل تلك الظروف حاولت بعض المغتصبات التمسك بأي حبل يتاح للنجاة، الزواج كان واحدا من تلك الحبال التي تمنح لامرأة دمرها الاعتداء على شرفها أملا في طي الصفحة بمساعدة زوج عارف كل ما حدث، حلم راودته بعض المغتصبات فوجدنه سرابا يحسبه الظمآن ماء.

سلمى: لقد رغبت في أن أكون مثل الآخريات وودت التعرف على أحد ما وأهلي كانوا يشجعونني على ذلك، تعرفت إلى شاب تزوجته فيما بعد للأسف اكتشفت لاحقا أنه مدمن على الكحول وطلقت منه بعد خمس سنوات.

أيدينا: بدأت المشاكل تنشأ بيني وبين زوجي الذي بدأ يلوموني على ما وقع لي وجعل يذلني ويسألني باستمرار أن أحكي له ما حصل لي رغم أنني قد فعلت ذلك سابقا، أنجبت ولدا آخر، كانت الأمور تسوء ووجدت أن المخرج الوحيد إنما هو الطلاق، فعلت ذلك من أجلي ومن أجل أطفالي.

سلمى: كانت بداية زواجنا جيدة وكنت أتجاهل إدمانه، رغم إدمانه بذل زوجي جهدا لإقناعي بأنني مجنونة، كان يذكرني بأنني أحمل داخلي عقد المعتقل، كان يتصرف بطريقة غير طبيعية وكانت الشكوك تعصف برأسه، كان ذلك عبئا إضافيا يقع على كاهلي، جاء الطلاق نهاية لمخاض عسير لتلك العلاقة.

"
بالنسبة للمغتصبات من المهم أن يكون هناك قدر من التفهم والاحترام لهن والتضامن معهن، وعلاج المغتصبة ينتهي في حال تعامل المجتمع معها بشكل إيجابي وصحيح
"
            مشارك

توفيقية أفنديتش: بالنسبة للمغتصبات من المهم أن يكون هناك قدر من التفهم والاحترام لهن والتضامن معهن، علاج المغتصبة يبدأ بالمقر لكنه لا ينتهي هناك، في رحاب المجتمع تنتهي رحلة العلاج الطويلة في حال تعامل معها المجتمع بشكل إيجابي وصحيح.

نبيل الريحاني: تزدان البوسنة بين سنة وأخرى بمعلقات دعائية تروج للأحزاب ولمرشحيهم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، تقول النسوة المغتصبات إن معاناتهن لم تجد لها مكانا داخل الشعارات المرفوعة وبين الوعود الانتخابية المتداولة طيلة العشرية الماضية، أصابع الاتهام لا توجهها المغتصبات نحو الدولة فقط، للمجتمع نصيبه هو الآخر.

أيدينا: السلطات قامت بالتعتيم على موضوعنا، إنه شأن لم يتحدثوا فيه، عليَّ أن أكافح وحيدة من أجل أطفالي.

سلمى: أكثر ما يزعجني هو أن النساء اللواتي في المعتقلات لا حقوق اليوم لهن سواء عند المجتمع أو عند الدولة.. لا أحد يهتم بنا وإلى اليوم بعضهم يستغل مأساتنا.

عدنان تيرزيتش: أنا كسياسي لم يمنحني أحد الاختيار بين أن أتحدث في هذا الموضوع أو لا عوضا عن الضحايا أنفسهن، هن من يستطعن منع أيا كان من استغلال مأساتهن سياسيا، في اعتقادي ليس من المجدي الحديث كثيرا عن هذه القضية وتحويلها إلى جدل ساخن، لا أعتقد أن هؤلاء النسوة يحتجن إلى أي نوع من الإشهار.

حزرتا: عندما قدموا لي خمسين مارك لكوني فاقدة لزوجي لم أقبل بذلك المبلغ رغم حاجتي الشديدة له، لقد مزقت ذلك المال، ماذا سيفعل لي ذلك المبلغ؟ إنه لا يعيد لي كرامتي التي أُهدرت وعزي الذي ذهب وكل ما فقدته.

نبيل الريحاني: رغم أن الاغتصاب فعل لا تنساه ذاكرة المرأة المغتصبة فإن ميلاد طفل من ذلك الاعتداء يحوله إلى واقع ماثل، يكبر معها يوما بعد يوم ويحملها عبء أمومة فُرضت ومن قبل من؟ من قبل جلاده.

توفيقية أفنديتش: خاصية أخرى لجريمة الاغتصاب هي أن النساء أجبرن على أن يبقين حوامل وأن يلدن أولادا من مغتصبيهن، لقد كنا معتقلات طيلة فترة الحمل ولم يكن بوسعهن إنهاء وضعهن المزري على الإطلاق.

سلمى: عندما أرى ذلك الولد لا أشعر بأنه شيئا سيء جدا في حياتي، ربما عندما كان صغيرا كان يذكرني بتلك الأيام السيئة، الآن أرى أن ذلك الولد كان سبب نجاتي من الموت، لقد كنت أكافح من أجله ولقد كان يمنحني قوة الاستمرار، لم أكن أفكر يوما في التخلي عن ولدي، لقد كان وما يزال جزء مني، لقد حملت به وأنجبته، أنا سعيدة به في كل الأحوال.

مصطفى تسيريتش- رئيس علماء البوسنة: النساء المسلمات لا يأتين بهذا الخبر أمامنا ليقولن ماذا حدث لهن، هؤلاء النساء نحن سمعنا أن هم كن يردن أن نقول كلمتنا كيف وضعهم وهل عليهن ذنب، فنحن كن صريحين جدا في ذلك على قياس أنه الكفر على الإكراه مغفور أمام الله وإذا كان الكفر بالله مغفور فكره على الاغتصاب مغفور كذلك، لذلك نحن قلنا لهم ليس عليكن أي ذنب من هذا بل أنتن أبرياء.

بكيرة هاسيتشيش: لم أخف أحدا في حياتي عدى الله وسأوري ما عشته وما أعرفه فيما يخص تلك المأساة لعل ذلك يحول دون تكرارها مجددا مع حفيدتي، لن أتوقف عن الكلام، سأروى ما وقع لأطفالي وأحفادي كي تكون قصتي أمانة بين أيديهم.

أيدينا: يبلغ ابني من العمر الآن ثلاثة عشر سنة والآخر أحد عشر عاما، لم أحدثهما بعد عما وقع لي قبل الاغتصاب أو بعده وأتمنى أن يأتي يوم يكبرون فيه وتكون عندي القوة لأحدثهم عما وقع بالضبط.

حزرتا: لم أرد أن يعرف أطفالي بما وقع لي فولدي كان ابن خمس سنوات عندما شاهد ما حدث لي وهو يحمل ذلك في دواخله دون أن يظهره لي، لكنه قد يفصح لي عما يعتمل في نفسه ذات يوم، الآن بدأ يكبر قد يظهر ما استبطنه بطريقة ما، كنت أتمنى أن لا يعرف بذلك، أطفالي عاشوا معي تلك اللحظات الرهيبة وأنا أتساءل ماذا رأوا في تلك الخيمة مما حدث لي؟ أخشى عليهم من أن يحملوا تلك الجراح في أعماقهم طيلة حياتهم.

نبيل الريحاني: تحت جنح السلام أعيدت السيوف إلى أغمادها وأسكتت البندقية، باسم السلام جلس أعداء الأمس إلى موائد التفاوض أملا في اقتسام الأرض والسلطة والثروة، باسم السلام أيضا بات من شبه الممنوع تقريبا الحديث في مآسي الأمس، لكن من بوسعه إقناع هؤلاء النسوة بأن ما تعرضن له أصبح في خبر كان، من يمنح أحداهن طاقة احتمال كافية لتجعلها تنسى أو تتناسى أن من يسكن جوارها مجددا أو تلاقيه ذات طريق هو مغتصبها الذي لم يرحم توسلاتها وربما أزهق أرواح زوجها وبنيها، عشر سنوات بعد دايتون تلوح عديد من الملفات مفتوحة سياسية واقتصادية وقانونية بيد أن أعمقها غورا وأشدها فتكا وانفصام يبقى الاغتصاب الذي لم يطل آلاف النساء وحسب وإنما غير حياة آلاف العائلات مرة واحدة وللأبد.

والدة: ما يمنعني هو الخوف على ابنتي وأحفادي، يستطيعون رمينا بقنبلة يمكنهم قتلي أو قتل ابنتي.

نوركا بابوفيتش: صحيح أنه من اللازم تقديم المجرمين إلى العدالة كي ينالوا الجزاء الذي ستحقونه وهذه بالفعل قناعة المغتصبات، لكنهن يشعرن بالخوف لأن أغلب المجرمين يتحركون بكل حرية.

فتمير أليسباهيتش: على الواجهة الأخرى نرى التربية الفاشية على قدم وساق لدى الصرب والكروات، نراها تتجسد في الاعتداء على المهجرين المسلمين الذين يحاولون العودة إلى ديارهم، ما المانع إذا من أن تعود أعمال الإبادة مرة أخرى؟ مجرد ضوء أخضر غربي وسيقع ذلك مجددا.

أيدينا: الكلمة الأخيرة ستكون للعدل والمجرمون سيلقون عقاب ما فعلوه إن لم يكن في هذه الحياة ففي الآخرة.

حزرتا: هم فعلوا فينا شرا لا نستطيع نسياه أبدا، انظروا ماذا يصنعون بالمسلمين في العالم، انظروا ماذا فعلوا في سربرنيتسا لقد الله عز وجل أفشل ما كانوا يسعون له.