- مخاطر الاحتباس الحراري على كوكب الأرض
- أسباب الظاهرة وإمكانية التخفيف من حدتها


مخاطر الاحتباس الحراري على كوكب الأرض

ناصر البدري: هكذا بدا العام الماضي على ظهر كوكب الأرض، تسارع في ذوبان القطبين الشمالي والجنوبي، فيضانات عارمة، حرائق مهولة، جفاف ومجاعات قاتلة، أعاصير مدمرة وأمواج عاتية، بيوت مهدمة وأسر مشردة، دموع ومآس وأحزان، كوكب الأرض مأوى ومستقر مليارات البشر ومصدر رزقهم وحياتهم منذ آلاف السنين، لأول مرة في تاريخ هذا الكوكب يتفق علماء كثيرون وسياسيون ونشاط بيئة على أن السبب في هذا التردي المتزايد في الحياة على ظهر هذا الكوكب هو تسارع ظاهرة الاحتباس الحراري، اتفاق عززه اكتشاف بعض العلماء مؤخرا أن التيارات البحرية التي تلطف الأجواء في نصف الكرة الأرضية الشمالية بدأت تتباطأ وقد تتوقف مما قد يؤدي إلى دخول نصف الكرة الشمالي في عصر جليدي مصغر فيما يعاني الجزء الآخر ارتفاع كبير في درجات الحرارة، ذلك كله يحمل إنذار لكل سكان هذا الكوكب لتدارك الوضع أو مواجهة مستقبل مجهول، بعض العلماء يتوقعون بداية حدوث ذلك خلال سنوات عشر فقط، فهل ذلك ممكن وواقعي؟ وهل ظاهرة الاحتباس الحراري هي السبب في هذا أم أن هناك أسباب أخرى؟ وهل فعلا بدأ العد التنازلي كما يزعم البعض؟

إنذار من الأعماق

ناصر البدري: من معهد علوم البحار في مدينة ساوثهامتون نبدأ رحلتنا ومن هنا أيضا بدأ فريق من العلماء البريطانيين رحلات بحرية عدة لدراسة التيارات البحرية الدافئة القادمة من المحيط الهادئ نحو المحيط الأطلنطي على امتداد نصف قرن من الزمان، الباحثون قاموا بوضع منصات صغيرة عائمة في نقاط مختلفة على امتداد الجزء الشمالي للمحيط الأطلنطي، ثم قاموا بعد ذلك على مدى خمسين عام بجمع تلك المنصات وتحليل البيانات، النتائج كانت مذهلة ومقلقة في نفس الوقت.

ميريك شاركوس- معهد علوم البحار والمحيطات بساوثهامتون: زملاء لنا هنا في معهد علوم البحار والمحيطات قاموا برحلة خامسة حيث حدثت خمس رحلات على امتداد نصف قرن وبعد تحليل المعلومات من تلك الرحلات لاحظنا تغير كبير في التيارات البحرية الملطفة خلال الاثنى عشر عام الأخيرة.

ناصر البدري: نتائج هذا الاكتشاف أكدتها أبحاث أخرى من معاهد ومراكز مختلفة من بينها مركز الأرصاد والتغيرات المناخية في مدينة أكستر البريطانية.

سايمون براون- مركز الأرصاد والتغيرات المناخية: هناك إجماع عام على أن التيارات البحرية الملطفة ستتباطأ وهذا يعني أن أوروبا ستشهد تراجع في درجات الحرارة وأن أثار الاحتباس الحراري تبدو أكبر.

ناصر البدري: لأول مرة يدرك الباحثون أهمية هذه التيارات البحرية ليس فقط بالنسبة لتلطيف الأجواء في فصل الشتاء وإنما كأحد أهم عناصر ضبط المناخ بالنسبة لكوكب الأرض بأسره.

ميريك شاركوس: التيارات البحرية الملطفة تأتي بالمياه الدافئة نحو المناطق الشمالية لتصل شمال الأطلنطي وفي أثناء عبورها تجلب أجواء ملطفة في فصل الشتاء لبريطانيا ونصف القرى الشمالي وكلما اقتربت من المناطق الباردة شمالا انخفضت درجتها وارتفعت نسبة الكثافة فيها وبفعل ثقلها تنزل إلى قاع البحر ثم تعاود رحلتها مرة أخرى نحو المحيط الهادئ ولو توقفت هذه الحركة كما حدث في الماضي فستنخفض درجات الحرارة.

ناصر البدري: دراسة الترسبات التراكمية في قاع البحر أكدت أن هذه التيارات توقفت في السابق بشكل كبير مما أدى إلى دخول كوكب الأرض في عصور جليدية طويلة أدت إلى اختفاء الكثير من الكائنات النباتية والحيوانية.

ميريك شاركوس: أثار توقف التيارات ستضرب مناطق نصف الكرة الشمالي، فإن حدث تباطؤ طفيف فأن ذلك سيعني تراجع درجات الحرارة بدرجتين أو ثلاث، أما توفقها بالكامل فيعني موجات برد شديدة في نصف الكرة الشمالي والأخطر من ذلك بالنسبة للدول القريبة من خط الاستواء فأنها ستشهد شحا كبيرا في موارد المياه وما سيلحقه ذلك على الغطاء النباتي والإنتاج الزراعي خاصة أن بعض تلك الدول تعاني جفافا وشحا في المياه وهذا سيخلق مشاكل ملحة بدول خط الاستواء.

ناصر البدري: ِأسباب تباطؤ هذه التيارات واحتمال توقفها بالكامل في أي وقت حيرت العلماء ولماذا بدأت عملية التباطؤ خلال العشرة الأعوام الأخيرة فقط، للإجابة على هذه الأسئلة بدأ الباحثون في جمع عينات من أماكن مختلفة من المحيطين الأطلنطي والهادئ وغيرها من المحيطات والبحار الأخرى.

ميريك شاركوس: أحد أهم عوامل توقف تلك التيارات ارتفاع كمية المياه العذبة التي تصب في مناطق شمال الأطلنطي، في الماضي نعلم أن التيارات توقفت بسبب ذوبان الجليد شمالا لأن حدوث ذلك يغير نسبة كثافة المياه، الوضع الطبيعي هو أن المياه الدافئة عندما تبرد ترتفع كثافتها وتنزل إلى قاع المحيط، أما إذا ازدادت كمية المياه العذبة فأن كثافتها ستظل خفيفة ويؤدي ذلك إلى كسر دورتها ومع تسارع الاحتباس الحراري وذوبان القطب الشمالي فإن التيارات ستتوقف مستقبلا، النماذج المناخية الحالية تؤكد أنها تتباطأ.

ناصر البدري: هذا الاكتشاف دق نواقيس الخطر في عواصم العالم أجمع نظرا للآثار الكارثية التي قد يتركها توقف هذه التيارات على المناخ وفجأة أصبحت قضية الاحتباس الحراري من أبرز الأولويات.

سايمون براون: لقد بدأنا نلاحظ تحطيم أرقاما قياسية جديدة في درجات الحرارة سواء صعودا أو هبوطا على مستوى الكوكب كله، هذه الظاهرة تشبه ما حدث في العصر الجليدي الأخير حيث كانت هناك إنذارات شبيهة بما نشاهده الآن ولو كنت أثناء انتهاء العصر الجليدي الأخير فإن التغيرات كانت ستكون درامية وكل النماذج التي لدينا تشير لتسارع هذه التغيرات.

إيفن هاريس- لجنة الشؤون العلمية بمجلس العموم البريطاني: إنها مشكلة عالمية ولا توجد منطقة بمعزل عن هذه التغيرات المناخية ومع تباطؤ التيارات البحرية الملطفة للأجواء في المحيط الأطلسي وارتفاع مستويات البحار والمحيطات وموجات البرد القارس الأخيرة كل هذه ستنعكس على الجميع ولن تفرق بين الانتماءات السياسية أو الجغرافية.

كاثرين بيرس- جمعية أصدقاء الأرض: أنه طوفان من الحقائق والمعلومات حول أثار التغيرات المناخية خاصة خلال الأعوام الأخيرة والجميع بدؤوا يلمسون تابعات هذه التغيرات خاصة الفقراء الذين لا حيلة لهم أو سبيل لمقاومة ظاهرة الاحتباس الحراري.

ناصر البدري: ديفد كاميرون زعيم حزب المحافظين المعارض في بريطانيا قد يكون الزعيم السياسي الوحيد الذي قطع مسافة أربعة الآلاف ميل ليرى بأم عينه أثار الاحتباس الحراري في القطب الشمالي، كاميرون ذهل للأخاديد العملاقة التي بدأت تظهر في الجليد بسبب الذوبان المتسارع له، هذه الخطوة الجريئة رغم تشكيك البعض في فائدتها إلى أن كاميرون يعتقد أنها ستلفت الانتباه إلى التغيرات المناخية التي أصبحت تهدد الجميع.

ديفد كاميرون: أعتقد أن قضاء بعض الوقت هنا ورؤية آثار التغيرات المناخية مهم جدا والحقيقة هو أنني كزعيم للمعارضة ا أستطيع القيام بالكثير ولكن عندما أثير هذه القضايا الآن فإن الحكومة تثيرها وهذا حدث بالفعل، وزير المالية يتحدث عنها وهذا خبر سار.

ناصر البدري: لقرون عدة أمدت هذه التيارات البحرية بريطانيا ونصف الكرة الأرضية الشمالي بأجواء دافئة في فصل الشتاء، غير أن تسارع ظاهرة الانحباس الحراري استنادا إلى عدد كبير من العلماء ينذر ربما بتباطؤ هذه التيارات البحرية أو حتى توقفها مما قد يؤدي إلى تراجع كبير في درجات الحرارة وتغيرات مناخية تمس الكرة الأرضية برمتها وإذا كان بعض الخبراء يذهبون إلى حد التنبؤ بحدوث عصر جليدي مصغر يضرب نصف الكرة الشمالي إلا أن آخرين يشددون على أن تسارع ظاهرة الاحتباس الحراري قد يزيد الوضع سوءً دون تحديد تبعات ذلك على المدى المتوسط أو البعيد.

ميريك شاركوس: خلال القرن السابع عشر في بريطانيا حدث عندنا ما يمكن تسميته بعصر جليدي مصغر والفرق بين درجات الحرارة عندئذ والآن هو درجة واحدة أو درجتان فقط ولو تباطأت التيارات فإننا سنشهد تراجعا بدرجة أو درجتين وقد يترك ذلك أثرا على حياتنا هنا في بريطانيا ونصف الكرة الشمالي، أما إذا توقفت التيارات بالكامل فإننا سنشهد تراجعا بعدة درجات مئوية وسيغطي الجليد النصف الشمالي لشهور وفي منطقة الشرق الأوسط ستتراجع درجات الحرارة بدرجتين وسيتأثر المناخ.

ناصر البدري: هنا في متحف لندن يحتفظون بسجلات وصور لقرون طويلة كان نهر التايمز يتجمد خلالها بالكامل أثناء فصل الشتاء بسبب تراجع حاد في درجة الحرارة.

أليكس ورمر- باحث بمتحف لندن: في القرن السابع عشر كانت هناك فصول شتاء شديدة البرودة والصورة خلفي تظهر كيف أن نهر التايمز تجمد بالكامل وقد أدى ذلك إلى بطالة حادة بالنسبة لعمال النقل النهري الذين كانوا يكسبون رزقهم من خلال نقل البضائع والأشخاص عبر ضفتي النهر وغيرها من الأنشطة الاقتصادية الأخرى الكثيرة التي كانوا يقومون بها وقاموا تبعا لذلك بنصب أكشاك لبيع أغراض متنوعة لكسب لقمة العيش وبعضهم حول سفنه إلى عربات تجرها خيول لنقل الأشخاص عبر الجليد كسيارات التاكسي.

ناصر البدري: الفرق بين درجات الحرارة أثناء تلك الحقبة والزمن الحالي درجة واحدة أو درجتين فقط، رغم ذلك وصل سمك الجليد في بعض الأحيان إلى عدة أمتار.

أليكس ورمر: النهر كله تجمد والجليد وصل سمكه إلى أعماق كبيرة حتى إن عربات ضخمة كانت تسير عليه وهي محملة بالأمتعة وإذا توقفت التيارات البحرية الدافئة أو تباطأت فإن درجات الحرارة هنا ستكون شبيه بالمناطق القطبية شمالي كندا وسيتجمد الساحل بالكامل وستكون هذه صدمة للشعب البريطاني.

ناصر البدري: قبل نحو ثلاثة قرون تجمدت هذه المياه هنا في نهر التايمز في لندن بشكل كامل في فصل الشتاء بسبب تراجع درجات الحرارة بدرجة واحدة أو درجتين فقط وتكرار هذه الظاهرة وتجمد هذه المياه مرة أخرى قد يحدث إذا ما توقفت التيارات البحرية الملطفة ومما سيزيد الوضع سوء وربما كارثي تسارع ذوبان المحيطين الشمالي والجنوبي بشكل غير مسبوق، كل ذلك قد يعجل في توقف سريع ومفاجئ للتيارات البحرية الدافئة وحدوث كوارث مناخية غير معهودة في العصر الحديث.

سايمون براون: النماذج التي وضعناها تشير إلى أن هناك ارتفاع بثلاث درجات مئوية سينتج عنه ذوبان شديد للقطبين الشمالي والجنوبي مما سيؤدي إلى ارتفاع في منسوب مياه البحار والمحيطات بشكل كبير جدا، غير أن ذلك طبقا لنماذجنا قد يستغرق حدوثه عدة قرون قبل أن يذوب القطبان بالكامل.

مارغريت باكيت- وزيرة البيئة البريطانية: حتى ولو استطعنا الإبقاء على ارتفاع درجات الحرارة عند مستوى درجتين مع الصعوبة البالغة لتحقيق ذلك فإنه سيكون مستوى كبيرا وقد يؤدي إلى ذوبان القطبين الشمالي والجنوبي بالكامل ولكن ذلك سيحدث عبر عدة قرون وعندئذ فلن نقدر على منعه.

ناصر البدري: في المركز البريطاني لمسح القطب الجنوبي درجوا على دراسة التغيرات المناخية والبيئية والبيولوجية في القطب الجنوبي منذ نحو قرن من الزمان، رحلات عدة قام بها العلماء إلى هذه المناطق النائية والوعرة وغير المضيافة وينظر هؤلاء الخبراء إلى هذه المناطق بمثابة المكيف الهوائي الذي يتحكم في الأجواء في الكرة الأرضية برمتها.

"
منطقة خط الاستواء تعمل بمثابة السخان، أما منطقتا القطب الشمالي والجنوبي فتعملان بمثابة جهاز تكييف الهواء الذي يضبط الأجواء في الكوكب بأسره، وأي تغيرات لهذا الضابط ستمس الكوكب
"
          ألان روجر

ألان روجر- مركز مسح القطب الجنوبي: الطريقة التي أنظر بها إلى عمل كوكب الأرض هي أن منطقة خط الاستواء تعمل بمثابة السخان، أما منطقتا القطب الشمالي والجنوبي فتعملان بمثابة جهاز تكييف الهواء وتصور ماذا يحدث في غرفة ساخنة عندما يتوقف جهاز التكييف أو يصبح عمله غير مجدي فالغرفة ستصبح أكثر حرارة ورطوبة وسيصبح صعب العيش فيها وهذا هو الدور الذي تقوم به منطقتا القطب الشمالي والجنوبي.. تقومان بضبط الأجواء في الكوكب بأسره وأي تغيرات لهذا الضابط فإن التغيرات ستمس الكوكب وفق هذا الوصف.

ناصر البدري: المركز لديه محطات رصد عدة في القطب الجنوبي حيث يقيم علماء وباحثون على مدار العام، نتائج الأبحاث التي يقوم بها هؤلاء الباحثون تؤكد على تسارع ذوبان القطب الجنوبي بشكل غير مسبوق.

ألان روجر: التوقعات التي يقدمها العلماء ليست مطلقة، لكن لو سألت علماء الطقس فإن 99% منهم سيتفقون على أن هناك تغيرات جذرية قد حدثت على الطقس منذ عام 2001 فقط ومع الأسف فإن الأخبار أسوأ بكثير من التي حصلنا عليها في الماضي، منطقة المحيط الجنوبي والشمالي شهدتا ذوبان أكثر مما كنا نتوقع ودرجات الحرارة في القطبين تواصل الارتفاع بشكل عام رغم وجود بعض المناطق في المحيط الجنوبي لا تزال درجات الحرارة فيها مستقرة على الأقل في الوقت الراهن، الكثير من المؤشرات التي حصلنا عليها في السابق والآن تفيد بارتفاع درجات الحرارة وتأثيراتها على الكائنات البحرية، مثال ذلك الجمبري البحري في المناطق الشمالية الذي يعتمد عليه كثيرا من الكائنات البحرية كمصدر رئيسي للغذاء.. تراجعت كمياته ربما بأكثر من 30% على امتداد فترة تصل إلى ثلاثين عاما.



[فاصل إعلاني]

أسباب الظاهرة وإمكانية التخفيف من حدتها

ناصر البدري: من بين الظواهر المقلقة التي لاحظها العلماء أثناء دراستهم في القطب الجنوبي نشوء أودية وخدود عملاقة فوق وتحت الجليد، هذه الظواهر التي أصبحت تتكرر في الآونة الأخيرة تؤشر ربما استنادا إلى عدد كبير من الباحثين المقيمين في هذه البقع على أن الوضع ربما يكون أكثر سوء مما يتصوره البعض.

ألان روجر: تلك هي المناطق التي لاحظنا فيها أكثر التغيرات الدرامية خاصة فيما يتعلق بتسرع ذوبان الجليد في المناطق القطبية الشمالية حيث الغطاء الجليدي في تراجع متسارع والحقيقة الناتجة عن ذلك هو أن كمية إشاعة الشمس التي عادة ما يقوم الجليد بعكس ما بين 80% أو 90% منها يتم امتصاص أجزاء كبيرة منها الآن، الجليد تحول إلى ماء وهذا بدوره يسهم في رفع درجات الحرارة وهو ما يعرف علميا بعملية الاحتباس الحراري، أثار ذلك تبدو عادة في منطقتي القطب الشمالي ثم الجنوبي لكنها تمتد إلى باقي أنحاء كوكب الأرض لأن الكوكب هو منظومة طقس واحدة تتفاعل مع بعضها بعضا وأي تغيرات في منطقة ما تؤدي إلى تغيرات في مناطق أخرى بشكل متناسب وسريع جدا، ما لحظناه أيضا هو أن كتل الجليد الضخمة أصبحت تناسب على الماء وأحيانا فوق بعضها بعضا في مناطق واسعة من المحيط المتجمد الجنوبي، نحن لا نفهم سبب هذه الظاهرة ولماذا بدأت في الآونة الأخيرة ولكن ربما يحدث ذلك عندما تتكون جيوب مائية وأخاديد تحت الكتل الجليدية وجبال الجليد العملاقة مما يجعلها تنزلق بسرعة وتتحرك من مكانها، هذه فقط بعض الجوانب التي قادتنا إليها أبحاثنا في منطقتي القطب وركزنا عليها.

ناصر البدري: والإشكال الذي يطرحه تسارع ذوبان القطبين الشمالي والجنوبي بالنسبة لهؤلاء العلماء الذين يعاينون هذه الظاهرة يوما بعد يوم هو أن تجاهل هذه المشكلة سيؤدي إلى وصول البشرية إلى نقطة اللاعودة وذوبان القطبين بشكل كامل ونهائي.

ألان روجر: منطقة المحيط الجنوبي المتجمد ارتفعت درجة حرارتها أكثر من أي مكان آخر على وجه كوكب الأرض، درجات الحرارة خلال الخمسين سنة الماضية ارتفعت بمعدل درجتين ونصف درجة وثلاثة درجات وهذا ترك أثار عميقة على الحياة الحيوانية في المنطقة، الذي يحدث أيضا نتيجة لذلك هو أن كتل الجليد التي يصل عمقها إلى كيلو مترات بدأت تنكسر وتتشقق والأجزاء القريبة من الساحل أصبحت تطفو بسهولة على الماء وتسهم بذلك في رفع منسوب مياه البحر، نلاحظ هذه الارتفاعات الآن حيث تزيد نسبة مياه البحر سنويا ببضعة مليمترات وذلك على المدى المتوسط أو البعيد سيؤدي إلى فيضانات عارمة وقد يؤدي إلى اختفاء جزر بحرية كثيرة، كما أن أجزاء مختلفة هنا في بريطانيا ستصبح تحت رحمة ارتفاع منسوب مياه البحر وقد نُضطر إلى بناء جدران مرتفعة لمنع الفيضانات أو نهجر تلك الأماكن بشكل كامل، هناك دول مثل بنغلاديش ستواجه فيضانات عارمة والدولة في حد ذاتها قد تصبح محل تهديد ككيان، قائم كل ذلك بسبب تسارع ذوبان الجليد بسبب ارتفاع درجات الحرارة وأنت تعلم أن الأشياء عندما ترتفع درجة حرارتها تتمدد.

ناصر البدري: ويتفق عدد كبير من الباحثين والسياسيين ونشاط البيئة على أن ارتفاع انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون هي السبب في هذا التسارع الكبير لظاهرة الاحتباس الحراري وما قد يترتب عنها.

"
ذرات الكربون التي وجدت في الجو تختلف جذريا في تركيبها الجزيئي وفي مكوناتها الذرية عن تلك التي نتجت بسبب حرق مصادر الطاقة العضوية لذلك كانت سببا رئيسيا في ظاهرة الاحتباس الحراري
"
       سايمون براون

سايمون براون: نستطيع توجيه أصابع الاتهام لمصادر الطاقة العضوية النفط، الغاز، الفحم وغيرها من المصادر الأخرى على اعتبار أنها السبب الرئيس في ظاهرة الاحتباس الحراري من خلال تحليل المكونات الجزيئية لذرات الكربون التي توجد في الجو ومقارنة الطبيعي مع الصناعي منها، فذرات الكربون التي وجدت في الجو منذ ملايين السنين تختلف جذريا في تركيبها الجزيئي وفي مكوناتها الذرية عن تلك التي نتجت بسبب حرق مصادر الطاقة العضوية، ليس لدينا أدنى شك في أن مصادر الطاقة العضوية مسؤولة عن التغيرات المناخية حسب نماذجنا.

ناصر البدري: المقارنات التي أجراها العلماء في جامعات عدة عبر مختلف أنحاء العالم بين مستويات غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو الآن وبين المستويات في عصور جليدية سابقة متعددة تؤكد أن النسب الحالية هي الأعلى منذ أكثر من أربعمائة ألف عام ومع ارتفاع نسب غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو وتسارع ذوبان القطبين الشمالي والجنوبي فإن أجزاء كبيرة من أشعة الشمس التي عادة ما يتم عكسها من خلال القطبين الشمالي والجنوبي سيتم امتصاصها وما يؤدي ذلك من ارتفاع كبير في درجات الحرارة تكون نتائجه وخيمة على المناخ بشكل عام.

إيفن هاريس: بعض الظواهر المناخية الحادة التي نشاهدها سببها الاحتباس الحراري وما يقبل به الجميع الآن هو أن العالم يشهد ارتفاع في درجات الحرارة وأن ذلك يؤثر على المناخ ولابد من فعل شيء للتقليل من الآثار الكارثية لأننا لن نستطيع إيقاف هذا التردي وهذا يستدعي جهد دولي وزعامة سياسية.

ناصر البدري: وإن كان هناك اختلاف حول مستويات ثاني أكسيد الكربون التي قد تؤدي إلى ذوبان القطبين الشمالي والجنوبي بشكل كامل وتوقيت توقف التيارات البحرية المرطبة للأجواء إلى أن هناك إجماع على تزامن الأمرين والنتائج التي ستتبع ذلك.

ميريك شاركوس: من خلال حديثي مع زملائي الذين يتابعون ذوبان القطبين الشمالي والجنوبي ويلاحظون نسب تساقط الأمطار والذين يقيسون معدلات التدفق النهري في سيبيريا باتجاه المحيط الأطلنطي وذلك بغرض تحديد كميات المياه العذبة التي تصب في البحر فإننا نلاحظ ارتفاعا مهولا في المياه العذبة قد تؤدي إلى توقف التيارات وقد يحدث ذلك ربما في غضون عشرة أعوام.

ناصر البدري: المستويات الحالية لغاز ثاني أكسيد الكربون في الجو تفوق ثلاثمائة وثمانين جزءً في المليون ويعتبر خبراء كثيرون أن بلوغ مستوى أربعمائة وخمسين جزءً في المليون قد يوصلونا إلى نقطة اللاعودة، أما مستوى خمسمائة وستين جزءً في المليون فما فوق فسيؤدي إلى ذوبان القطبين الشمالي والجنوبي بالكامل ويعتقد علماء كثيرون أن بعض المناطق على الأرض قد بدأت تلمس آثار ظاهرة الاحتباس الحراري، تجليات ذلك أعاصير مدمرة وفيضانات عارمة أو موجات برد وعواصف ثلجية غير مسبوقة، كلها ظواهر ازدادت حدوثا بشكل غير مسبوق في أجزاء واسعة من نصف الكرة الأرضية الشمالي، أما في نصف الكرة الجنوبي ففترات طويلة من الجفاف بدأت تضرب مساحات شاسعة من القارة الأفريقية وموجات هجرة بشرية واسعة، مئات الألوف من اللاجئين تلسعهم أشعة الشمس بلهيبها الحارق، مجاعات تأكل الأخضر واليابس، قتلى وجرحى ومآسي تتجاوز الوصف.

ديبي هيمن - باحثة في دراسات آثار الاحتباس الحراري: بعض المناطق بدأت تلمس ظاهرة الاحتباس الحراري بشكل درامي وبعض الجهات تشهد موجات جفاف طويلة جدا ونقصا فادحا في مصادر المياه وهذا سيزيد في السنوات القليلة المقبلة خاصة في بعض المناطق الجافة أصلا والفقيرة، في أجزاء واسعة من أفريقيا على سبيل المثال سيزداد الوضع سوءا وبالنسبة لهم فقد وصلوا إلى نقطة اللاعودة.

كاثرين بيرس: لو واصلنا السير على النهج الحالي ولم نتخذ إجراءات صارمة لخفض انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون فإننا لن نستطع الحياة على هذا الكوكب مع نهاية القرن الحالي، بعض المناطق أصبحت الحياة عليها شبه مستحيلة كبعض الجزء الصغيرة في المحيط الهادئ والهجرة بسبب التغيرات المناخية أصبحت واقعا في تلك المناطق حيث اُضطر كثيرون إلى ترك منازلهم وأراضيهم إلى مدن أو حتى دول أخرى، الارتفاع الكبير أو الانخفاض الحاد في درجات الحرارة سيجعل بعض المناطق عصية على الحياة وسيهجرها أهلها كما أن تسارع ذوبان القطبين الشمالي والجنوبي وربما اختفاؤهم بالكامل خلال عقود قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في مستوى مياه البحار والمحيطات ربما يصل إلى ستة أو سبعة أمتار ولو حدث هذا الأمر سيقضي على مدن كثيرة، فلندن ونيويورك ونيو أورليانز ستختفي وكذلك مدن في أفريقيا مثل لاغوس والإسكندرية.

ناصر البدري: منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي هي كذلك لن تكون بمنأى عن ذلك كله، ففيما تصبح مناطق ساحلية واسعة في الخليج العربي وشمال أفريقيا تحت رحمة ارتفاع منسوب مياه البحر تزداد موجات الجفاف وتقل نسبة تساقط الأمطار في أجزاء أخرى.

ديبي هيمن: في المناطق المتوسطية والشرق الأوسط نتوقع تراجعا كبيرا في تساقط الأمطار، هذه المناطق تعاني نقصا حادا في المياه بغرض الاستهلاك البشري سواء إن كان للزراعة وغيرها من الأنشطة الأخرى والوضع سيزداد سوء في تلك المناطق والشرق الأوسط بصفة عامة.

ناصر البدري: تجاهل هذه الحقائق العلمية سيفاقم الوضع، لذا يدعو علماء وسياسيون ونشطاء بيئة إلى ضرورة التحول من الاعتماد على النفط والغاز والفحم وغيرها من مصادر الطاقة الملوثة إلى مصادر أخرى أنظف.

ميريك شاركوس: كلنا ننتج غاز ثاني أكسيد الكربون سواء امتلكنا سيارات أو سافرنا بالطائرات وهذا يفاقم المشكلة وعلينا جميعا أن نكون أكثر مسؤولية في حياتنا.

كاثرين بيرس: العلماء متفقون على أن حرق غاز ثاني أكسيد الكربون هو الذي يسبب مشكلة الاحتباس الحراري لذلك نحن في تنظيم أصدقاء الأرض نطالب الحكومات بخفض انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون والتقليل من الاعتماد على مصادر الطاقة العضوية كالفحم والنفط والغاز لأنها تنتج ثاني أكسيد الكربون.

ناصر البدري: وحتى لو خفض العالم الانبعاثات الغازية إلى مستويات التسعينيات كما تنص على ذلك اتفاقية كيوتو فإن ذلك لن ينهي المشكلة بل سيؤخر من حدوثها ويقلل من أثارها فقط.

إيفن هاريس: أنا لست متفائل ولكن هذا لا يعني أن نستسلم بل لابد من مواصلة تقديم الحجج المقنعة وتطوير التقنيات من أجل تخفيف أثار الاحتباس الحراري، لن تُحل المشكلة ولكن يخفف من أثارها ولابد أيضا من الإبقاء على الضغوط السياسية وتحقيق أهداف أكبر في خفض انبعاث الغازات ولا يزال الطريق بعيدا.

زيني محمد: أنا أقول ربما كانت الاحتراقات الغازية والنفطية والفحمية تسارع في انبعاث ثاني أكسيد الكربون وهذا مما يزيد من الاحتباس الحراري.. أنه يزيد من الاحتباس الحراري ولكن إذا امتنعنا عن حرق مثل هذه مصدر يعني الطاقة هل سيمتنع الاحتباس الحراري أو سيختفي؟ كلا.

ناصر البدري: وفي انتظار الأسوأ أو أن تتدخل العناية الإلهية في منع الأسوأ يواصل العلماء في معهد البحار والمحيطات في ساوثهامتن مراقبتهم لتدفق التيارات البحرية ورصد أي تغيرات مفاجئة.

ميريك شاركوس: وضعنا مجموعة من المنصات العائمة على امتداد مسافة واسعة في المحيط الأطلنطي وربطناها بأجهزة قياس دقيقة تُمكننا من مراقبة أي تغيرات في تدفق التيارات البحرية وكل عام نجمع أدوات القياس ونقوم بتحليلها ثم نضع مكانها أدوات جديدة بغرض القيام بمراقبة متواصلة على مدار العام.

ناصر البدري: العد التنازلي قد بدأ وما تستطيع كل الجهود البشرية فعله هو مراقبة الوضع والتخفيف من أثار الاحتباس الحراري، هذا إن وجدت فعلا الإرادة السياسية لذلك والأهم من ذلك هو أن يسأل كل واحد منا نفسه كيف يسهم من خفض احتمالات وقوع هذا الخطر المحدق، تضحيات يؤكد العلماء أن علينا جميعا تقديمها الآن وإلا اضطررنا جميعا إلى دفع ثمن غالي جداً قريباً.