- حلم النفط السوداني والمطامع الأميركية
- التوجه إلى الصين وكسر الحصار الأميركي

- النزاعات الداخلية ومستقبل صناعة النفط


عمر حسن البشير - الرئيس السوداني: كل الخلاء اللي بنشوفه ده يا جماعة كله بترول كل المساحات الإنشائية واللي خلفها تنتج مئات الكيلومترات كلها من تلك البحيرة بتاعة البترول المتواصل.

جورج بوش - الرئيس الأميركي: يجب عليهم الآن البحث عن السلام ونريد أن نساعد في ذلك.

الصادق المهدي - زعيم حزب الأمة - رئيس الوزراء سابقاً: أهمية البترول السوداني هو أنه في نظر الولايات المتحدة في يدي العدو الاستراتيجي.

صلاح وهبي - مدير الشركة المتقدمة للبترول: النفط ده طلع برضاء أميركا؟ ما طلع برضاء أميركا لكن طلع.

السودان

لمَن البترول؟

محمد فال: الوقت من ذهب والأرض من ذهب، السودان كما هو دائما قصة نيل وقصة الإنسان وقصة أرض ألهبت أحلام الغزاة منذ القِدم بكنوز الذهب وينابيع الماء رغم أن الفقر والحرمان ولا حليفين للغالبية العظمى من سكانها، أما اليوم فالطمع الأجنبي أصبح في ينابيع من نوع آخر، بحيرات وأنهار تبعد آلاف الأمتار تحت الأرض وآلاف الأميال عن هؤلاء الذين وصلوا هنا من أجلها بعد أن صارت بالنسبة لهم مسألة حياة أو موت، ليس السودان على بحر قزوين لكن مخزونه يقارب مخزون أذربيجان مع أن التنقيب لا يزال في مراح له الأولى وما اكتشف حتى الآن بحسب الكثيرين ليس سوى قمة جبل الجليد، هناك حاليا قرابة مليوني كيلو متر مربع من المساحات المقتطعة للتنقيب وأكثر من ثلاثين شركة عالمية تتزاحم بضراوة من أجل موطأ قدم على الأرض وصراع مرير خلف الكواليس بين أكبر بلدين مستهلكين للنفط هما الولايات المتحدة والصين، من بين كل البلدان التي تستثمر في نفط السودان استفردت الصين بنصيب الأسد لكن دخول الصين إلى السودان كان بمثابة الامتلاك فأول من اكتشف النفط هناك كان شركة شفرون الأميركية عام 1979 ولقرابة عقدين من التنقيب في السودان استحوذت شفرون على امتياز بلغ نصف مليون كيلو متر مربع وامتد من سواحل البحر الأحمر شرقا إلى حدود تشاد غربا إلى الحدود الأوغندية جنوبا، حفرت شفرون خلال تلك الفترة قرابة مائة بئر للتنقيب في مختلف أنحاء البلد، حينذاك كان السودان حليف جديد لأميركا بعد تخلي الرئيس السابق جعفر النميري عن المعسكر الاشتراكي، كان النميري يريد ما أعتقدها أكثر الطرق إلى الازدهار السريع وكانت أميركا تريد النفط، بالنسبة للسودانيين كانت قصة استخراج النفط بمثابة ملحمة وطنية لإخراج البلد من درك البؤس فقد باتت ديون البنك الدولي تخنق البلد ولم يستفيد السودان من القروض التي حصل عليها بسبب تفشي الفساد الإداري ثم بسبب الإنفاق العسكري فيما بعد، أصبح حلم البترول بمثابة طوق النجاة الوحيد والبعيد المنال.

حلم النفط السوداني والمطامع الأميركية

شريف تهامي - وزير الطاقة والتعدين السوداني سابقاً: إحنا كنا في ظروف صعبة جداً ما عندنا أصلا ما يكفي لغداً وكنا يعني نشحذ من الدول العربية من السعودية ومن عُمان ومن أبو ظبي وكده إنه يدعمونا بالاستهلاك بتاع شهر وشهرين وثلاثة، نحن استراتيجيتنا كانت من دعاء ما باليد ما في فرق يعني لازم نحن من الليل ندلي الليل ما نحسن به ظروفنا وكده.

محمد فال: جاءت أول بشارة للنفط بعد خمس سنوات من بدأ التنقيب أعلنت شفرون عن اكتشاف البترول في يوليو عام 1979، لم يكن أحد يصدق الخبر الفاصل في تاريخ السودان لكن القلوب جنّحها الأمل بل فاضت بالتطلع.

شريف تهامي: كان يعني حدث قومي وكان جئنا وخلاص تأكدنا قالوا البترول اكتُشف ومدير شفرون اسمه جيم بين وقالوا إنه الآن أنتم ممكن تقولوا عندكم بترول بكميات تجارية وكده وبعدين النميري كتب في دخّل قلم في البترول وكتب فيها بترول السودان.

محمد فال: أدخل القلم في الزجاجة؟

شريف تهامي: أيوه من الزجاجة ذاتها كان مشهد عمل تأثير كبير جدا.

محمد فال: لكن تلك الفرحة عاجلها الإحباط والحلم بدأ يبتعد مرة أخرى، قبل أن تبدأ فوائد النفط بدأت حرائق النفط انطلقت الحرب الأهلية الثانية في الجنوب عام 1983 كان النفط هذه المرة في قلب المعركة.

آنجلينا تيني – وزيرة الدولة للطاقة والتعدين عن الحركة الشعبية: عندما اكتُشف النفط وبدأت شفرون في استثماره أصدر الرئيس النميري قراراً بمد أنبوب من حقول هجلج النفطية إلى الشمال فخرج الجنوبيين في مظاهرات لأنهم رأوا أن الحكومة أرادت نقل الموارد من الجنوب لتنمية الشمال تاركة الجنوب على حاله، هذا الحدث شكّل بداية قيام الحركة الشعبية لتحرير السودان.

محمد فال: هوجمت منشآت شفرون من قِبل الجنوبيين وأخذت أشغالها تتعثر، كان المتمردون مصرين على طردها من السودان حتى لا تقوم بإنتاج النفط أو بناء خط أنابيب باعتبار ذلك سيصب فقط في مصلحة الحكومة السودانية.

آنجلينا تيني: عندما تبدأ شركة مثل شفرون أو توتال في العمل فإن ذلك سيحسّن وضع الحكومة السوداني ولذلك فقد كان من المنطق آنذاك أن يحاول الجيش الشعبي لتحرير السودان منع الحكومة من الحصول على القوة اللازمة لخوض الحرب.

محمد فال: أدخل البترول السودان إذاً في حقبة حروب الموارد فدفع المدنيون ثمناً غالياً في تلك الحرب وتم إجلاء كثيرون منهم عن أراضيهم للتنقيب عن النفط فيها وباتوا عرضة للتشرد والمجاعة ولم تكن القوى الكبرى المهتمة بنفط السودان بعيدة عن تلك الحروب فقد باعت واشنطن أسلحة متطورة للحكومة السودانية بما في ذلك طائرات مقاتلة من النوع إف 5، رأى الجنوبيون أن شفرون والولايات المتحدة من ورائها وقفت مع الحكومة السودانية في سبيل النفط.

[مقتبس إذاعي للحركة الشعبية لتحرير السودان 1985]

[تعليق صوتي]

شركة شفرون ربطت سياستها بهذا النظام القذر برفضها اختيار عمالها من بين أبناء الجنوب والأسوأ من كل ذلك أنها أعدّت مطارات عسكرية سرية للجيش السوداني، هذا التعاون يشمل التجسس على مواقع الجيش الشعبي لتحرير السودان بهدف مهاجمته وطائرات شفرون الخاصة تقوم بعمليات الاستطلاع للأهداف المذكورة، إن أي استئناف للنشاط في المنشآت البترولية سوف يواجه بالقوة من جانب قواتنا ويجب على شفرون أن تفهم أن عليها الرحيل وأن من الأفضل أن تبادر إلى ذلك اليوم وليس غداً.

محمد فال: بحجة الأمن إذا باعت شفرون منشأتها في السودان وغادرته بعد ثمانية عشر عاماً من التنقيب وبعد أن أنفقت ملياراً ونصف المليار دولار دون أن تستفيد فلساً واحدا من ذلك ولم تكن الاعتبارات السياسية غائبة عن المشهد.

[شريط مسجل]

عمر حسن البشير: قواتكم المسلحة تدعوكم أيها المواطنين للثورة معها ضد الفوضى والفساد وضد السلبية واليأس.

محمد فال: جاء انسحاب شفرون بعد وصول الجبهة الإسلامية للإنقاذ عام 1989 وبعد استضافتها لأسامة بن لادن الذي أقام في السودان وساهم في تنميته ببعض الإنشاءات في مجال البنية التحتية والمشاريع الزراعية، في العام الذي انسحبت فيه شفرون فرضت الإدارة الأميركية على السودان عقوبات عسكرية بتهمة رعاية الإرهاب.

صلاح وهبي - مدير الشركة المتقدمة للبترول - عمل مع شفرون سابقاً: ما في شركة نفطية كبيرة تعمل يعني بعيد عن سياسية الدولة بتاعتها، يعني شفرون اكتشفت البترول في السودان لو خيّروها ما كانت تركت السودان في أحد يكتشف البترول ويمشي؟

محمد فال: خلاصة القول أن شفرون وهي الشركة الأميركية جاءت إلى السودان وخرجت منه تبعاً في كلتا الحالين لتقلبات السياسة الأميركية.

حسن بيومي - مدير الأمن الخارجي الأسبق: شركة شفرون من ممتلكات الحكومة الأميركية ليست شركة مستقلة وده تأكد، أكده وزير الطاقة عندما ذهب ليتحدث معهم في مسألة لماذا رفضتم استخراج البترول قالوا لا أنت تقابل وزارة الخارجية قال مال وزارة الخارجية بشفرون.

شريف تهامي: فأنا ماشيت واشنطن، شيستر كروكر ده كان ماسك في وزارة الخارجية وقال لي شفرون من مكاسب حكومة الولايات المتحدة، أنا ما كنت عارف هل ملكاها الحكومة الأميركية ولا هي شركة عامة؟ المهم هو أنه يعني أنتم كده عندكم مشكلتين إذا عالجتماهما قال إحنا هنرَّجع شفرون تشتغل خط الأنابيب قلنا له طيب المشكلتين شو؟ قال والله المشكلتين الحرب الأهلية بدت والشريعة.

محمد فال: لكن زهد أميركا وشفرون الطارئ نفط السودان لم يكن فقط للأسباب الأمنية والسياسية.

الصادق المهدي - زعيم حزب الأمة- رئيس الوزراء سابقاً: كان سعر البترول متدنياً جداً ولذلك كانوا يريدون بترولهم محفوظا في الأرض، كانت تعتبر أن هذا رصيد لها داخل الأرض السودانية ستستغله في الوقت المناسب.

محمد فال: تركت شفرون ورائها مقبرة هائلة من المعلومات الجيولوجية والنفطية وعدد كبير من الآبار المختومة بالخرسانة ويقال إن شفرون كانت متأكدة من أنها ستعود وأن السودان لن يتمكن من استخراج بتروله بدونها.

"
في عام 1991 دخلت في مشادة كلامية مع خبير مشهور في الشأن السوداني، كانت تستخدمه شركة شفرون، لأنه توعد بأن السودان لن يستخرج قطرة واحدة من البترول
"
      غازي صلاح الدين
غازي صلاح الدين – مستشار الرئيس السوداني: أذكر أنني في عام 1991 تجادلت مع خبير مشهور في الشأن السوداني الذي كانت تستخدمه شركة شفرون ودخلت معه في مشادة كلامية وكاد أن يُقسم أمامي بأن السودان لن يستخرج قطرة واحدة من البترول فقلت له أنتظر وسترى، فإذاً هم كانوا يعتقدون اعتقادا جازما بأن السودان لم ستطيع استخراج البترول لأن استخراج البترول محكوم بتقنيات وبعلاقات اقتصادية دولية تجعله في النهاية في المحصّلة النهاية في يد قوى محدودة في العالم وشركات محدودة ومعروفة.

صلاح وهبي: شفرون ما كانت تتوقع أنه السودان ينتج هذه الكمية في هذه الفترة القصيرة وإلا لكانت تركت رجل هنا.

محمد فال: لكن شفرون لم تترك رجلا في السودان بل تركت بلد بائسا محاصرا تخلى عنه أصدقاء الأمس وأصبح البلد الأكثر مديونية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في العالم.

غازي صلاح الدين: لم تكن هنالك أي دولة تستطيع أو ترى في مساعدة السودان في استخراج البترول.

التوجه إلى الصين وكسر الحصار الأميركي

محمد فال: في أقل من أربع سنوات انقلب اليأس إلى أمل بعد توقيع اتفاق منح امتيازات التنقيب لشركات آسيوية بقيادة الشركة الوطنية الصينية للبترول عام 1996، مع مَقدم الصينيين أصبح الحلم حقيقة ودقت ساعة الفرح الكبير لقد استخرجت الصين النفط لأول مرة بكميات تجارية من حقول هجلج، أخيراً خرج دفاقاً ذلك السائل السحري الأسود الذي انتظره السودانيون لأكثر من ثلاثين عاماً.

عمر حسن البشير: نحن الآن نحقق الليلة حلم كبير ظل الشعب السوداني ينتظره لزمن طويل يتعطش للبترول لأن كل مشاكل الشعب السوداني كان أساسه الوقود وكان الوقود شحيح والآبار هنا معطلة كل الخلاء اللي بنشوفه ده يا جماعة كله بترول، كل المساحات اللي بنشاهدها بترول أسود كسواد جبان السودان.

مشارك أول- مواطن سوداني: يحمل السودان تاريخه نجدده ونبسط الغرقان في الريف والبدو، نحمد ربنا الخير... نزرع أرضنا والبترول طلع، السودان خلاص ما صوته انسمع.

محمد فال: في عام 1999 اكتمل الإنجاز فقد مد الصينيون خط الأنابيب الأول لإيصال البترول إلى موانئ البحر الأحمر ذلك الخط الذي وعد به الأميركيون ولم يفوا به أبداً، كانت جبهة الإنقاذ في أوج تماسكها قبيل انقسامها المفاجئ وكانت فرحة الترابي عارمة فهو مهندس فكرة التوجه شرقا باسم صيانة الثروة الإسلامية في وجه الحصار الأميركي.

حسن الترابي – رئيس حزب المؤتمر الإسلامي: طبعاً جاء في السودان مد إسلامي كده فيه شيء من العزة وحوصر من حيث أنه مد إسلامي يعني ولذلك أخذ يبحث هو أبداً عن.. لا عن الغرب يبحث عن بدائل ويبحث عن ثروة حتى يعلم أنه سيحاصر ويعاقب.

صلاح وهبي: لماذا السودان بدأ يمنح العطاءات شرقاً؟ لأنه الغرب قفل الباب مش لأنه مش عايز الغرب، يعني السودان دفع أنه يتجه للشرق يعني، هكذا أو ننتظر إلى أن يعني يرضوا عنا ويجونا وقت ما هم عايزين يعني.

محمد فال: بفضل التوجه شرقا كسر السودان أقوى حلقة من حلقات الحصار الأميركي لكن الأهم من كسر الحصار في نظر واشنطن قد يكون الظهور القوي للصين كبديل عنها في السودان فقد أنشأت الصين عدداً من الإنجازات النفطية التي كانت الأولى من نوعها في السودان وكذلك الأولى من نوعها التي تقيمها الصين خارج الأراضي الصينية على الإطلاق، من تلك المنجزات إضافة بخط الأنابيب الأول لخط ثانٍ أكمله الصينيون عام 2006 لنقل البترول الخام من قطاع 3 و7 إلى البحر الأحمر وسيمكن ذلك السودان من مضاعفة صادراته النفطية لتصل أكثر من نصف مليون برميل يومياً، مصفاة الخرطوم بطاقة إنتاجية تصل مائة ألف برميل يومياً تعد إنجازا صينيا آخر ينظر إليه السودانيون كمفخرة وطنية، باختصار وفّرت الصين للسودان كلما عجزت عنه شفرون أو رفضت إنجازه، كما وفّر السودان للصين بعض احتياجاتها من الطاقة الغالية وفرصة لإثبات قدرتها على منافسة أميركا في أفريقيا، تضاعف الدخل القومي السوداني وانطلقت مشاريع عملاقة في مجال البنية التحتية وبدا الاستغناء عن أميركا والبنك الدولي أمراً ممكنا في أفريقيا بفضل البديل الصيني، بفضل انتهاج حكمة مفادها طالب الخبرة ولو في الصين تمكن السودان من استخرج بتروله وبفضل حماقة أميركية في نظر البعض تمثلت في مقاطعة السودان وجدت الصين أول موطئ قدم استراتيجي حقيقي في أفريقيا واليوم أصبح السودان يمثل منصة الانطلاق الأولى للصناعة النفطية الصينية في القارة الأفريقية تطور لم تجد الشركات الأميركية إيذائه سوى عض أصابع الندم، بدأت الولايات المتحدة تفقد كل شيء في السودان فالبترول الذي اكتشفته شفرا أخذه الصينيون والماليزيون والنظام الإسلامي في الخرطوم تمكن بفضل النفط من شراء السلاح المتطور وتحقيق انتصارات متتالية على المتمردين في الجنوب.

مالك عغار - قيادي في الحركة الشعبية: قبل النفط كانت الحرب تدور بين خصمين ضعيفين ثم بدأت الحكومة تتقدم قليلا في قوتها ويعود ذلك في المقام الأول لتمكنها من استثمار الموارد النفطية واستخدامها في الحرب.

محمد فال: من جهة أخرى عادت أسعار النفط العالمي إلى الارتفاع أواسط التسعينيات كما بدأ ثمن النفط الخليجي من الدماء الأميركية يرتفع هو الآخر مع تتابع التفجيرات المميتة ضد القوات الأميركية في الخليج.

الصادق المهدي: هناك خطة أميركية تقول ببساطة إن بترول الخليج ملغوم.

محمد فال: بدأ نفط أفريقيا يستعيد أهميته فعاد الاهتمام الأميركي بالسودان، في البداية اتبعت واشنطن تجاه السودان استراتيجية تقوم على مبدأ القوة.

"
ذكرت مادلين أولبرايت سنة 1998 عندما التقت بالمعارضة الشمالية والجنوبية في كمبالا، أن واشنطن تريد إسقاط النظام في الخرطوم سلماً أو حرباً
"
مصطفى عثمان إسماعيل
مصطفى عثمان إسماعيل – مستشار الرئيس السوداني – وزير الخارجية سابقاً: الاستراتيجية هذه كانت قائمة أصلا كما ذكرت مادلين أولبرايت سنة 1998 عندما التقت بالمعارضة الشمالية والجنوبية في كمبالا وذكرت أن واشنطن تريد إسقاط النظام في الخرطوم سلماً أو حرباً.

محمد فال: بدأ الأمر بفرض عقوبات اقتصادية شاملة على السودان.

[شريط مسجل]

مادلين أولبرايت - وزيرة الخارجية الأميركية سابقاً: اتخذنا هذه الخطوات لأن حكومة السودان لم تستجب لتعبيرنا المتكرر عن القلق إيذاء ما يجري كما لم تأبه بالعقوبات الأخف التي فرضناها من قبل بل جلبت على نفسها بالأحرى شجب العالم بالتمادي في سياستها البغيضة وهو ما جعلنا نستخلص الحاجة إلى إجراءات أشد صرامة.

محمد فال: وفي السنة الموالية دمرت الصواريخ الأميركية مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بتهمة تصنيع أسلحة كيماوية.

حسن مكي- مفكر ومحاضر إسلامي: كأنه للسودان في دولة إسلامية ويجب ضرب هذه الدولة مش على ضربها يجب عملها أمثولة مضحكة حتى يبقى ما فيش حركة إسلامية في العالم تفكر في أنها تصل للسلطة السياسية.

محمد فال: في تلك الأثناء كان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون يجوب وسط أفريقيا وشرقها بتشكيل حلف من قادة دول الجوار السوداني وضم الحلف كلا من أوغندا وكينيا وأثيوبيا والكونغو ودولا أخرى وعلى رأس الأجندة الأميركية كان دعم تمرد الجنوب والإطاحة بالنظام في الخرطوم.

حسب الله عمر – مدير الأمن الخارجي سابقاً: لأول مرة إدارة أميركية تتبنى تحالف مفضوح مع ثلاثة من دول الجوار وتقود لأن تتورط جيوش دول الجوار في مهاجمة السودان، هذا لم يحدث إطلاقا من قبل.

محمد فال: لكن عندما حوّل الصينيون نفط السودان إلى حقيقة قائمة غيّرت واشنطن تكتيكاتها.

[فاصل إعلاني]

النزاعات الداخلية ومستقبل صناعة النفط

جورج بوش – الرئيس الأميركي: لما يقارب عقدين شنت حكومة السودان حربا وحشية ومخجلة ضد شعبها، يجب عليهم الآن البحث عن السلام ونريد أن نساعد في ذلك.

محمد فال: بادر الرئيس الأميركي الجديد جورج بوش الابن إلى تعيين السيناتور جون دامفورس مبعوث للسلام في السودان وألقت الإدارة الأميركية بثقلها الدبلوماسي وراء الجنوبيين بعد أن كانت قد سلّحت الحكومة السودانية ضدهم في السابق.

مصطفى عثمان إسماعيل: استراتيجية الديمقراطيين طيلة التسعينات كانت قائمة على تغيير النظام ولكن أتضح جلياً بأن كل هذه المحاولات لم تنجح في إسقاط النظام فجاء الجمهوريون باستراتيجية جديدة وهي استراتيجية التعامل مع الحكومة والحوار معها بغرض تذويبها في إناء أوسع، يعني الوصول إلى سلام وإدخال الحركة الشعبية كجزء من التركيبة الحاكمة.

محمد فال: فجأة أصبح تحمس الأميركيين لوقف الحرب أقوى حتى من رغبة النزاع.

كولن باول – وزير الخارجية الأميركي السابق: لابد أن نجد حلا هذه فرصة يجب أن لا تضيّع.

باغان آموم – الأمين العام للحركة الشعبية: الولايات المتحدة الأميركية دقت حتى لإيقاف الحرب من دون إيجاد حل حقيقي للأزمة السودانية وللمشكلة السودانية واللي هي أولى مشكلة ما يسمى بمشكلة جنوب السودان، يعني إذا كان هدف الولايات المتحدة هو إيقاف الحرب وربما العمل على مثلا احترام حقوق الإنسان لكن هم لهم أهداف مغايرة.

محمد فال: استمرت المفاوضات الماراتونية في كينيا من أجل السلام سنوات وكان البترول على رأس أجندة التفاوض، استخدمت واشنطن إغراء النفط لإقناع الجنوبيين بجدوى السلام.

السر سيد أحمد – صحفي متخصص في النفط: وقتها كان مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقي في الدورة الرئيسية الأولى للرئيس بوش إنه جاء بعد شهر فقط من تسلمه منصبه في يونيو 2001 والتقى بقرنق وعشان يطرح عليه أنت تحاول توقف تصنيع البترول في السودان حتى الآن ما نجحت فبدل ما تشترك أنك تعطل مشروع البترول ليه ما تشترك في إن يكون لك نصيب فيه.

محمد فال: أخيراً تحقق السلام بتوقيع اتفاقية نيفاشا في يناير من عام 2005 ومن أهم بنودها اقتسام عائدات النفط مع الجنوبيين وإشراكهم في السلطة المركزية في الخرطوم إضافة إلى حق سكان الجنوب في تقرير مصيرهم بعد ست سنوات، التقى الشمال والجنوب على السلام للمرة الأولى منذ أربعة وثلاثين عاما وهذه المرّة كانت البترول أهم عوامل توحيد السودان.

عوض الجاز – وزير الطاقة والتعدين السوداني: هلم للسلام هلم للوحدة هلم للعمل الله أكبر الله أكبر سوا سوا.

محمد فال: لكن مقتضيات الاتفاقية مثّلت انقلابا حقيقيا في أوضاع البلد ووضعت الأسس لعودة أميركية هادئة عبر البوابة الجنوبية كما وضعت الأسس لاحتمال إخراج الصينيين من جنوب السودان.

آدم الطاهر حمدون - وزير سابق بحكومة الإنقاذ: أميركا تلقى لها وضع في أفريقيا وتلقى وضع كمان بمهام واحد مناطق البترول، البترول بتاعنا في السودان ده منطقة احتياطي.. البترول الموجود في السودان ده كان احتياطي أميركا عشان كده أميركا انسحبت شركة شفرون انسحبت لأنها كانت تعتبر البترول السوداني سيكون احتياطي بالنسبة لها وبتعتمد كان بتعتمد على بترولها من المناطق الثانية الآن لازم تجيء السودان.

محمد فال: بفعل اتفاقية السلام ستجد الولايات المتحدة إذا عادت للسودان نظام إسلاميا مخللا كما ستجد قيادة جنوبية أصبحت متمكنة بحيث يمكن التعامل معها.

غازي صلاح الدين: أعتقد أن وسيلتهم إلى ذلك هي إيجاد مواقع ومواطئ قدم في داخل السياسة الداخلية للبلد من خلال حلفاء للمشروع الأميركي، وجود هؤلاء الحلفاء وتقوية هؤلاء الحلفاء سيضمن مساحة مقدّرة في الحكومات القائمة وسيضمن أن هذه الحكومات لن تتخذ أي مواقف استقلالية عن الولايات المتحدة الأميركية وإقامة تحالفات مع كيانات داخلية.

دينج آلور - قيادي بارز في الحركة الشعبية لتحرير السودان: بيتكلم عن تجبر الجنوبيين على السلطة مش عايزين الجنوبيين يعني يشاركوهم في السلطة في الخرطوم مش في الشمال لأنه دي السلطة المركزية مش سلطة الشمال، الحكومة الاتحادية الموجودة دية مش حكومة الشمال دي حكومة السودان.

محمد فال: غير أن الانقلاب الأكبر هو أنه بعد ملحمة خاضها السودان لأكثر من ثلاثين عاما لاستخراج النفط ربما تكون اتفاقية نيفاشا قد جردت شمال السودان من معظم حقول النفط المعروفة حتى الآن ذلك أن غالبية الحقول المُنتجة حاليا ومعظم الاحتياطيات النفطية الضخمة التي تأكد اكتشافها تقع في الجنوب وإذا صوّت الجنوبيين للانفصال عام 2011 سوف يأخذون معهم كل النفط السوداني ما عدا النذر اليسير.

الصادق المهدي: هذه الاتفاقية بهذا البناء هي اتفاقية فصل للجنوب لسببين أساسيين، السبب الأول أنت قلت بترول الجنوب يقسم نصفه للجنوب ونصفه للشمال أي انفصالي جنوبي يقول إذا ننفصل لنستأثر بكل بترولنا

باغان آموم: الجنوبيين ذو النزعة الانفصالية يروا إنه هذه القسمة غير عادلة وعلى الجنوبيين أن يحصلوا على نسبة 100% من تلك العائدات لأنهم يتساءلون لماذا تحتكر السلطة في المركز 50% من ثرواتهم في الجنوب السوداني، أي خدمة تقدمها هذه السلطة للجنوب؟

آنجلينا تيني: إذا ذهبت إلى الجنوب الآن ستجد أن أكثر من 75% يريدون الانفصال.

محمد فال: لقد حلّت اتفاقية السلام نزاعا إذاً لكنها فتحت الباب لنزاعات عدة معظمها يتعلق بالبترول في منطقة أبيي الغنية بالنفط والواقعة شمال خط الحدود مع الجنوب لكنها موضع نزاع قضت الاتفاقية بتحكيم لجنة دولية من الخبراء لإعادة رسم الحدود، رسمت تلك اللجنة حدود المنطقة بحيث ضمت إليها أهم ما تبقى في الشمال من حقول نفطية منتجة بما في ذلك حقل هجلج الضخم وبما أن الاتفاقية تمنح أهالي أبيي حق اختيار الجانب الذي سينضمون إليه عبر استفتاء فإنهم سيأخذون معهم تلك الحقول النفطية ويبدو أن الاحتمال الأرجح هو أن يختاروا الجنوب، حتى قبل الانفصال بدأت الحركة الشعبية تجرّب قدرتها على التصرف في نفط الجنوب وهنا ينذر بأن اتفاقية السلام قد لا تنقل ملكية البترول من يد لأخرى على المستوى الداخلي فحسب بل قد تغير نوع الشركاء الأجانب فيه كذلك، فقد انتزعت الحركة من شركة توتال الفرنسية ثلثي قطاع باء العملاق في منطقة السدود وسلمتهما لشركة بريطانية تملك هي بعض أسهمها وتدعى النيل الأبيض، كما انتزعت امتياز آخر كان لشركة بترونس الماليزية وسلمته لشركة مولدوفية صغيرة، إن الأمر هنا يتعلق ببلايين الدولارات فمنطقة السدود حيث يقع القطاع باء واحدة من أضخم السباخ الغنية بالنفط في العالم ويُقدّر مخزونها النفطي بخمسة مليارات برميل، نزع امتيازات تنقيب هذه المنطقة من الشركات المالكة لها أصلا يمثّل حاليا اختبار عسير لاتفاقية السلام.

عوض الجاز: الاتفاقية تنص على أنه العقود التي وقعت قبل اتفاقية أو توقيع اتفاقية السلام فهي عقود سارية ومحترمة ولها أحقية النفاذ ولذلك شركة توتال هي صاحبة الحق وهذا الاتفاق موَّقع من عام 1980 تقريباً.

باغان آموم: منح تلك العطاءات تم في فترة الحرب قبل توقيع اتفاقية السلام، الحركة الشعبية لن ولم تعترف آنذاك بالحكومات القائمة في السودان ولن تعترف بأنها تمارس السيادة السودانية.

عوض الجاز: طبعاً قبل التوقيع ما فيه حاجه اسمها حكومة الجنوب أليس كذلك؟

غازي صلاح الدين: لم تكن لهم دولة آنذاك لتكون لها الشخصية القانونية التي بمقتضاها توقِع اتفاقات، طبعاً هذا باطل هذا احتيال باطل.

محمد فال: لقد بدا واضحاً أن الاتفاقية تضمنت ثغرات يخشى أن تكون قاتلة للسلام وجميع تلك الثغرات تقريباً وأخطرها بالتأكيد لها صلة بالبترول وأين يجب أن تذهب مناطق البترول وما يزال كل طرف يرسم الحدود ويعيد رسمها ليضم الموارد الطبيعية إلى جانبه، كما أن إمساك الجنوبيين بزمام القرار بشأن نفطهم قد ينطوي على مخاطر مستقبلية للشركات النفطية الأجنبية المتعاملة سابقاً مع الحكومة السودانية.

دينغ آلور: كنا غير راضيين عن كل الشركات التي كانت تعمل في مجال البترول ما قبل اتفاق السلام.

محمد فال: قد تجد الصين إذاً نفسها شريكا غير مرغوب فيه في جنوب السودان وهي التي أوصلت النفط في السودان إلى مرحلته الحالية.

باغان آموم: تجاه الشركات الصينية والماليزية هناك شعور قوي معادي لها ولا أرى مستقبل لهذه الشركات إلا إذا قامت بتصحيح، لا أعرف ماذا سيحدث لتلك الشركات إذا صوت الجنوبيين لإقامة دولة مستقلة.

محمد فال: ملحمة البترول هكذا يحلو للبعض تسمية تلك المعارك المريرة التي خاضها السودان من أجل التمكن من استغلال مقدراته الطبيعية، كان الحلم الكبير هو أن ينهض السودان مثل كل الأمم الغنية بثروات أراضيها، ألم تكن الحرب الماحقة في جنوب السودان سوى جزء يسير من الثمن الذي لم يكتمل دفعه بعد؟ كم سيكون الثمن لو أنفصل الجنوب وكم سيكون الثمن لو أدت النزاعات حول البترول إلى حرب أخرى؟ سنوات أخرى على كل حال يظل فيها السودان على فوهة بركان كما ستظل فيها أنظار دول عظمى ظامئة إلى أي قطرة من نفط العالم مصوّبة على السودان وهو مطمع يؤدي في أحياناً كثيرة إلى التدخل في شؤون البلد المستهدف بل يؤدي أحيانا إلى خوض حروب داخلية بالنيابة، تلك معارك أخرى مكنها القائم ومنها المؤجل لكنها تنذر بالخطر.

حسن الترابي: قضية الجنوب هي أصبحت المثال لنا، كانوا ينظرون إلى المثال مادام أخطأ الجنوب بالبندقية لابد أن نقاتل يبدو السؤال يجديك شيئا أصلا يعني.

الصادق المهدي: وده يعني أنه كل يوم هتشوف دلوقتي كل يوم هتقوم حركة جديدة عشان تكون عايزة نصيب بالسلاح.

عبد الله حران آدم – حركة تحرير السودان (عبد الواحد): يعني نفس المطالب اللي جعلت الجنوبيين إنهم يرفعوا السلاح، نفس المطالب خلاني إنه نرفع السلاح.

محمد فال: أما الإنسان البسيط هذا الذي يُفعل كل فعل باسمه ومن أجله فما يزال هنا، منذ ثلاثمائة عام أو يزيد لم يصل مثقال ذرة من ثروة البلد إلى أهل هذه القرية، قرية الوادي الأبيض جارة قريبة لمصفاة الخرطوم أهلها مع ذلك لا يصلهم من فوائد تلك المصفاة إلا الدخان وضجيج صهاريج البترول، إنهم يعيشون هنا مثلما كانوا يعيشون قبل عدة قرون وهم لا يعرفون معنى للكهرباء رغم تلك الشعلة التي صارت جزءاً ثابتا من أفق القرية، لم ير أهل الوادي الأبيض الماء يأتيهم إلا من الآبار البعيدة على ظهور الحمير مع أنهم وعدوا بالماء والكهرباء منذ الثمانينيات ومع ذلك.

فضل الله مصطفى – قرية الوادي الأبيض: مبسوطين الحمد لله ونشكر الدول ونشكر السودان ونشكر الرئاسة بتاعتنا وإنها صالحت، صالحت إنه اختلافات وسعيها عشان إحنا نمشي للأمام ومبسوطين شديد شديد.

محمد فال: كيف يتحول البترول إلى أموال ثم إلى خدمات وفوائد للمواطنين ذلك ما لم يُرهق أهل الوادي الأبيض أذهانهم بتحليله وهم يقولون كغيرهم من السودانيين البسطاء إن البترول ملك للسودان.

فضل الله مصطفى: تملك البترول السودان في أرض السودان وإحنا مواطنين السودان.

محمد فال: حال أهل الوادي الأبيض في بلد نفطي يبرهن على التحديات الجمة التي تواجه التنمية في أكبر بلد في القارة الأفريقية على مدى عقود كما أن وجودهم على بعد خمسين كيلومترا فقط عن العاصمة القومية يُفنّد القول السائد بأن التهميش في السودان قد مسّ الأطراف دون المركز، ولو حذا السودانيون كلهم حذو أهل الوادي الأبيض ربما يكون معظمهم ما يزالون في انتظار نصيبهم من ثروات البلد.