- فرغانة.. وادي الغضب القادم
- مذبحة أنديجان وثورة أوش

- حزب التحرير ومعاناة أهالي فرغانة







عمرو عبد الحميد: قبل أن تخطوا خطوتك الأولى في رحلتك إلى وادي فرغانة قف على عتباته واستنشق قدر ما تستطع هواءه وسِر تحت شمسه الحامية ولا تخاف، الجبال ستزودك بالوصايا والأرض ستكشف لك أسرارها وأحزانها فاستمع أو إن شئت فاقرأ الوجوه سيطلع لك التاريخ من ملامحها المتعبة ليقص عليك قصة الذهب والثروة، قصة الغضب والثورة، قصة وادي فرغانة.

فرغانة.. وادي الغضب القادم

عمرو عبد الحميد: أرادوه ركنا منسيا على خارطة آسيا الوسطى، جعلوه مجرد شاهد على غزوات جرت على أرضه بدءاً من صراع المغول والأتراك وانتهاء بالأحداث الدامية في أنديجان، وصموه تارة بمعقل تجارة المخدرات، وصفوه تارة بمنبع الإرهاب، نسوا أو تناسوا أبناءه الذين أثروا الحضارة الإنسانية الترمذي، الخوارزمي، البخاري وغيرهم كُثر من شعراء وكتاب وعلماء. داخل قصور الحكام اتفق الجميع مع الجميع في جميع العصور على توخي الحذر مع أهل فرغانة، لا فرق لدى الخائفين بين أوزبكي أو طاجيكي أو قرغيزي. تقول كتب التاريخ الحديث إن قادة الثورة الشيوعية في روسيا عام سبعة عشر اعتبروا وحدة أراضي الوادي مصدر خطر كبير فعمدوا إلى تقسيمه بين ثلاثة جمهوريات أوزبكستان وطاجكستان وقرغيزيا بجرة قلم قطّعت يدي الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين أوصال فرغانة ووضعت عام 1925 قنبلة موقوتة اسمها النزاعات العرقية بين الأوزبك والطاجيك والقرغيز والتركمان وقوميات أخرى، هكذا طُبقت قاعدة فرق تسد الشهيرة فكان لستالين ورفاقه ما أرادوا.

عبد الغني غول- مؤرخ: من الممكن جدا أن نشهد تكرار سيناريو البلقان، فهنا تعيش شعوب متعددة القوميات وبعضها قليل العدد، ملامح الأزمة بدأت تظهر بالفعل في أوزبكستان التي ستشهد مقدمة لأحداث جسام في آسيا الوسطى برمتها، ثمة توقعات تذهب إلى درجة تقسيم أوزبكستان إلى ثلاث دويلات إحداها ستكون في الجزء الأوزبكي من وادي فرغانة والثانية في الأقاليم الحدودية مع تركمانستان أما الدويلة الثالثة فستحيي الصراع بين أوزبسكتان وطاجكستان إذ من المفترض أن تكون تلك الدويلة في بخارى وسمرقند، تلك التوقعات لا تأتي من فراغ فالناس هنا يعيشون في فقر مدقع وهو ما قد يسبب اشتعال الأزمة.

عمرو عبد الحميد: قرابة خمسة عشر مليونا من البشر يضمهم الوادي الممتد على مسافة ثلاثمائة كيلو متر طولا ومائة وخمسين كيلو متر عرضا، أعراق مختلفة ورثت لأجيال متعاقبة مشكلات لا يعصم منها اليوم شيء، نزاعات على أراضي حدودية، صراعات على موارد مائية، اتهامات متبادلة عن تدبير مؤامرات وغيرها، أما الفقر والبطالة وتدني مستوى المعيشة فيتساوى فيها الجميع.

عبد الغني غول: نعيش معا على هذه الأرض منذ ألفي عام، فمثلا في أوزبكستان يعيش طاجيك أكثر عددا من السكان في طاجكستان نفسهان في قرغيزيا يعيش طاجيك وأوزبك إلى جانب القرقيز، التقسيم كان مصطنعا ومقصوداً وجاء من الشمال من روسيا، أحيانا يتساءل المرء في دهشة كيف جرى هذا التقسيم وكيف توزعنا على ثلاث جمهوريات وقد كنا نعيش معا لا يفصلنا شيء عن بعضنا البعض؟

عمرو عبد الحميد: الاهتمام الحكومي ينصب بالأساس على مطاردة أعضاء وأنصار تنظيمات تُوصَف بالمتطرفة والمتشددة والإرهابية وغيرها من نعوت مشابهة. ولا يهم في سبيل تلك المطاردة سقوط الأبرياء ضحايا مطرقة الحكومات وسندان التنظيمات كما جرى في منطقة أنديجان الأوزبكية كبرى مدن فرغانة التي اختارتنا لندخل من بوابة أحزانها إلى الوادي. كالعديد من الشعوب يتشاءم الشعب الأوزبكي بقدوم اليوم الثالث عشر من كل شهر بل إن درجة تشاؤمه تزيد عندما يصادف هذا التاريخ يوم جمعة، اعتقاد قد ترسخه أكثر لدى البسطاء المذبحة التي وقعت هنا في أنديجان يوم الجمعة الثالث عشر من مايو/أيار حتى لو اصطدم هذا الاعتقاد بقناعة مفادها أن تلك المذبحة وما قد يليها من مذابح لا علاقة لها من قريب أو بعيد بمسألة التفاؤل والتشاؤم. أنديجان لم تعد مجرد اسم لمدينة من مدن وادي فرغانة بل تحولت بعد الثالث عشر من مايو/أيار 2005 إلى علامة فارقه في تاريخ ذلك الوادي، علامة رسمتها دماء يصعب محوها من التاريخ ومن الذاكرة. الأنديجانيون كغيرهم من أهل وادي فرغانة تعلموا على مدى سنين طويلة الانحناء أمام العاصفة لكن دون خضوع أبدي وأصل الحكاية محاكمة ثلاثة وعشرين رجل أعمال تتهمهم الحكومة الأوزبكية بالانتماء إلى جماعة الأكرمية المحظورة التي أسسها عضو سابق في حزب التحرير يدعى أكرم يولداشيف يقضي منذ عام 1999 عقوبة سجن لسبعة عشر عاما بتهمة المشاركة في تفجيرات هزت آنذاك العاصمة طشقند، الجماعة رسمت لنفسها نهج خاص تمثل في المطالبة بإعادة توزيع الموارد الاقتصادية والقيام بأعمال تجارية حرة ورفض دفع إتاوات اعتادت الشرطة المحلية تحصيلها قسراً من التجار.

"
أوزبكستان ستشهد مقدمة لأحداث جسام في آسيا الوسطى، حيث يعيش السكان في تلك البلاد في فقر مدقع، وهو ما قد يسبب اشتعال أزمة
"
عبد الغني غول
عبد الغني غول: الأكرميون امتلكوا بُعد نظر وخطوا إلى الأمام بطريقة جذبت إليهم كل يوم العديد من الأنصار، لكنها فتحت عليهم أبواب جهنم من قِبل الحكومة، فقد أيقنوا استحالة الوصول إلى السلطة من خلال الانتخابات فأسسوا ما يشبه التعاونيات وبدؤوا مشروعات تجارية كانت أرباحها تُوَزَع على جميع المشاركين، السلطة رأت في ذلك خطرا كبيرا خاصة وقد بدّل الأكرميون قواعد اللعبة وامتنعوا عن دفع إتاوات للشرطة فكان التوقيف من نصيب نشطاء في تلك الجماعة والتهمة طبعا كانت جاهزة.. التآمر لقلب نظام الحكم، فلو ترك النظام الأوزبكي الباب مفتوحا لنشاط هذه الجماعة لذاع صيتهم في كل المدن والأقاليم الأخرى ولعجل ذلك بسقوط النظام.

إقبال مير سعيدوف- معهد العلاقات الدولية-قرغيزيا: هناك من يقول أن جماعة الأكرمية لا وجود حقيقي لها بل هي مجرد ابتكار من جهاز المخابرات لكي ينال قادته رضى الرئيس الأوزبكي كريموف من خلال مزاعم بأن أكرم يولداشيف وكتابه الطريق إلى الإيمان يحض على العنف ويدعو إلى التطرف وقد قرأت هذا الكتاب الصغير فلم أجد فيه تلك المزاعم بل هو عبارة عن تأملات فلسفية ذات طابع ديني وربما ساعد وجود أنصار لأكرم يولداشيف بين المتظاهرين في أنديجان على تنامي تلك المزاعم رغم أن هؤلاء لم يرفعوا سوى شعارات ومطالب سياسية.

عمرو عبد الحميد: هب أقارب ومعارف هؤلاء ضد ما اعتبروه محاكمة ظالمة، رفعوا شعارات تطالب بإطلاق سراح المعتقلين وأخرى تنادي باستقالة الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف، هكذا تقول روايات محايدة، أما الرواية الرسمية فتفيد بأن مجموعة مسلحة قادت المتظاهرين لاقتحام سجن المدينة وإطلاق سراح مَن فيه، الرئيس الأوزبكي القابض على السلطة بيد من حديد منذ عام 1989 تعامل مع الأمر بطريقته، فالرجل ليس من خصاله إمساك العصا من منتصفها إنما يفضل دوما أن يحسم حتى النهاية مع معارضيه أولئك الذين يقولون لا، فكانت أنديجان الرد على هذه اللا، رد تكفلت به البندقية وحين تتحدث البندقية يسكت الجميع والبعض يسكت السكتة الأخيرة.

مذبحة أنديجان وثورة أوش



شاهد عيان: بعد عودتي من عملي مساء الثاني عشر من مايو رأيت أناسا كثيرين يهرولون في اتجاه الساحة الرئيسية دفعني الفضول إلى ذات الاتجاه، كان العدد كبيرا رأيت شخصا يخطب من خلال الميكرفون ويقول حان الوقت للتخلص من الرئيس كريموف بعد عدة ساعات فوجئ الجميع بإطلاق الرصاص واشتعال النيران في مبان مجاورة لمبني بلدية أنديجان، ساد هرج ومرج وفوجئنا بمدرعات ودبابات تحيط بالساحة، لم نفكر مطلقا أن تلك الدبابات ستصوب نيرانها نحو المتظاهرين لكن ذلك ما حدث بالفعل، لقد كان شيئا مروعا جريت مع الآخرين بكل قوتي أمسك بي أحد الجنود ودفعني مع مجموعة من المتظاهرين إلى داخل مبنى حكومي، تعرضنا هناك إلى ضرب مبرح وكنا نستمع في تلك الأثناء إلى صوت إطلاق نار مستمر بعد ساعتين تقريبا دخل أحد الضباط وأشار أن نتبعه إلى الشارع خرجنا من البناية محاطين بجنود والضباط وصلنا الساحة فوجدناها تمتلئ بجثث القتلى، أعتقد أن عدد القتلى تجاوز ثلاثة آلاف قتيل أمرنا الضابط برفع الجثث عن الأرض وحملها إلى شاحنات عسكرية حملت جثتين وعندما عدت لأحمل الجثة الثالثة أصابني غثيان وتقيأت.

"
كريموف الذي يصفه خصومه بصدام حسين آسيا الوسطي وجد فيما يسمى الحرب على الإرهاب فرصة لتطال عصاه الغليظة جميع أعدائه، خاصة بعدما فتح أجواء بلاده للمقاتلات الأميركية
"
عمرو عبد الحميد
عمرو عبد الحميد: في الجزء الأوزبكي من وادي فرغانة اعتاد الناس الحملات الأمنية التي ينفذها واحد من أقوى أجهزة المخابرات في المنطقة والسبب هو أن أنديجان ونمنغان وغيرها من مدن الوادي الفقيرة تعد مهدا للعديد من التنظيمات الدينية التي تقف وحدها في مواجهة نظام كريموف بعد أن غيّب هذا النظام بكل السبل المعارضة العلمانية. هنا تشكلت عدة جماعات أبرزها الحركة الإسلامية الأوزبكية التي تمثل مع حزب التحرير العدو الأول لنظام كريموف، لذا لم يكن غريبا أن يتهمهما الرئيس الأوزبكي بمحاولة اغتياله عام 1999 وبتنفيذ تفجيرات في عاصمة بلاده طشقند أكثر من مرة كان آخرها تلك التي وقعت صيف عام 2004 وهو ما نفته الحركة والحزب. كريموف الذي يصفه خصومه بصدام حسين آسيا الوسطي وجد فيما يسمى بالحرب على الإرهاب فرصة لتطال عصاه الغليظة جميع أعدائه، خاصة بعدما فتح أجواء بلاده للمقاتلات الأميركية وفرش في أرضها غير بعيد عن طشقند البساط لقاعدة جوية لتستخدمها واشنطن في حملتها العسكرية ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان في أفغانستان، قاعدة أُطلق عليها اسم الحرية القوية كانت لكريموف درعا حماه إلى وقت قريب من اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، تقارير المنظمات الإنسانية المعنية بهذه القضية تورد إحصاءات تقديرية عن آلاف المسجونين بلا تهم محددة في سجون أوزبكستان ويبدو من خلال تلك التقارير أن لوادي فرغانة النصيب الأكبر من قمع السلطات الأوزبكية التي صارت وفق منطق يقول أن وادي فرغانة هو رأس الحية التي لو قُطع لرسخ الحكم، بالمنطق ذاته تعامل نظام كريموف مع أحداث أنديجان رغم أن ذلك أحرج الإدارة الأميركية أمام الرأي العام الدولي خاصة بعد رفض كريموف تحقيقا دوليا مستقلا في تلك الأحداث الدامية التي خلفت المئات قتلى وجرحى ومشردين.

[شريط مسجل]

إسلام كريموف- الرئيس الأوزبكي: لا يمكنني أن أقدم لكم معلومات دقيقة عن عدد الضحايا في تلك الأحداث لكن حسب علمي فقد قُتل أكثر من عشرة من عناصر الأمن أما القتلى من الطرف الآخر فعددهم أكبر بكثير.

كين روت– منظمة هيومن رايتس ووتش: الرواية التي قدمتها الحكومة الأوزبكية حول أحداث الثالث عشر من مايو رواية خاطئة تماما فهي تدعي أن عدد القتلى 170 قتيلا فقط بينما في الواقع قُتل المئات، كما تدعي أيضا أن عمليات القتل التي وقعت نفدها مسلحون غير حكوميين، لكن الحقيقة أن القوات الحكومية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن هذه المذبحة كما تدعي الرواية الحكومية أن المتظاهرين هبوا لإسقاط الحكومة وإقامة دولة إسلامية بينما الواقع يقول إنهم جاؤوا ليسمعوا من المسؤولين وقضيتهم ليست لها علاقة بالإسلام وهو ما كان واضحا من خلال الخطب التي ألقوها، إنهم كانوا يركزون على الفساد الحكومي والمحاكمة غير العادلة بحق رجال أعمال متهمين بالفساد.

"
يمكن تسمية ما جرى في أنديجان بالمأساة، لأن معظم المتظاهرين لم يتوقعوا أن تأتي النهاية بهذه الطريقة، لاسيما أنهم خرجوا مدفوعين بحب الاستطلاع
"
إقبال مير سعيدوف
إقبال مير سعيدوف: أفضل تسمية ما جرى في أنديجان بالمأساة، لماذا؟ لأن معظم المتظاهرين الذين تجمعوا في ساحة المدينة لم يتوقعوا أن تأتي النهاية بهذه الطريقة، الكثير منهم ذهبوا مدفوعين بحب الاستطلاع لمعرفة رد فعل السلطة على مطالب تحسين الظروف المعيشية والإفراج عن المعتقلين، باعتقادي أن أحدا لم يتوقع أن يأخذ الأمر ذلك البعد الخطير، لذا تعتمد السلطة على توجيه اتهامات للمنظمين بالانتماء إلى تيارات دينية متطرفة ولم ألحظ أن هؤلاء رفعوا شعارات دينية بل سياسية واقتصادية بحتة.

عمرو عبد الحميد: أيدت موسكو وبكين موقف الرئيس الأوزبكي في تعامله مع أحداث أنديجان ما جعل كريموف يرد الجميل بالوقوف خلف مطالبة روسية صينية بشأن تحديد جدول زمني لجلاء القاعديتين العسكريتين الأميركيتين من أوزبكستان وقرغيزيا، أصبح واضحا أن أنديجان أحدثت شرخا كبيرا في علاقة واشنطن مع طشقند ما دفع الأخيرة إلى تحويل بوصلتها نحو موسكو وبكين. حاولنا على مدى ثلاثة أيام في العاصمة الأوزبكية أن نحصل على وجهة النظر الرسمية حول التعامل الحكومي مع أحداث أنديجان فلم نجد إلا المماطلة ثم الرفض. نرحل عن أنديجان مسكونين بأحزانها لكنها تأبى أن تتركنا حتى عندما وصلنا إلى أوش كبرى مدن الجنوب القرغيزي، المدينة آهلة بالأوزبك الذين يشكلون فيها وفي عموم الجنوب أغلبية،ً امتداد جغرافي لوادي فرغانة بمشاكله العرقية والاجتماعية الاقتصادية، أوش تفصلها عن أنديجان مسافة تقل عن أربعين كيلو مترا، لكن المدينة القرغيزية تمكنت مع أخواتها في جنوب البلاد من تنظيم هبة شعبية امتدت إلى العاصمة بشكيك وخلعت الرئيس أسكار أكاييف عن سلطة تربع عليها أربعة عشرة عاما، ثورة جياع سماها البعض فيما أطلق عليها كثيرون ثورة السوسن أو التُولِي أو الليمون، لا أحد يهتم في القسم القرغيزي من وادي فرغانة بتصنيف ما جرى ولا بدرجة الدور الأميركي في نجاح الهبة أو الثورة ما دام التغيير قد حدث واقعا لا خيالا حتى لو كان تغيير وجوه بأخرى.

دافران سابيروف- عضو البرلمان القرغيزي: الصراع الدائم بين شمال قرغيزيا وجنوبه سبب رئيسي فيما حدث، فالجنوب الواقع في وادي فرغانة محروم من جميع الامتيازات التي يحصل الشمال على نصيب الأسد فيها سواء أكان ذلك يتعلق بتوزيع المناصب الحكومية أو إقامة المشروعات وهو ما دفعنا هنا في الجنوب إلى التذمر والتساؤل، لماذا نُظلم على الدوام؟

"
الأنديجانيون وُضِعوا في خانة المغضوب عليهم والضالين وفق تصنيف ساهم الأميركيون في رسمه بدعمهم سياسة كريموف على مدى سنوات طويلة
"
عمرو عبد الحميد
عمرو عبد الحميد: لم يكن ثمة فرق بين مطالب أهل أنديجان ومطالب جيرانهم في أوش.. الجميع هنا وهناك تاق أن يتنسم هواء حياة كريمة لكن الأنديجانيين وُضِعوا في خانة المغضوب عليهم والضالين وفق تصنيف ساهم الأميركيون في رسمه بدعمهم سياسة كريموف على مدى سنوات طويلة، كما ساهم فيه أيضا الروس والصينيون بتأييدهم رجلا يلائم في الوقت الراهن مصالحهم، قاراسو بلدة قرغيزية يفصلها عن الأراضي الأوزبكية نهر صغير في مسجدها الرئيسي يبدو الفرق واضحا بين ما تلقاه المعارضة الإسلامية من ملاحقات في القسم الأوزبكي من فرغانة وبينما تتمتع به في القسم القرغيزي من حريات على الأقل في ممارسة الشعائر الدينية، الجميع يعرف في قاراسو أن قاصدي هذا المسجد هم من أعضاء وأنصار حزب التحرير المحظور.

الشيخ محمد رفيق كمال الدين– إمام مسجد قاراسو: أنا أظن هذا ظهور كل هذه التفرقة، جماعة إسلامية جماعة حزب التحرير جماعة هكذا، هكذا.. أصل السبب الظلم أكثر من مائة سنة يرمون العقيدة الآن مَن يجري إلى كوريا، من يجري إلى مسيحية، من يجري إلى مسجد، من يجري إلى معهد آخر، يعني عقيدة صار في عقيدة إسلامي ما فيهم، الأصل ما في، لأجل هذا ظهور مثلا أهل حزب التحرير يقولون هذا فريق حق طريقنا.

عمرو عبد الحميد: في البلدة ذاتها قصدنا منزل دليار دجامبيف أحد الأعضاء البارزين في حزب التحرير، قدم لنا نفسه كرجل أعمال لكنه لم يحدثنا عن تجارته بل عن نشاطه الإعلامي، فالرجل صاحب تجربة فريدة تمثلت في تمكنه من إنشاء قناة تلفزيونية محلية بثت لثلاثة أيام مواد دعائية لحزب التحرير قبل أن تغلقها السلطات القرغيزية.

دليار دجامبيف– ناشط في حزب التحرير: في الخامس عشر من فبراير الماضي حصلت على رخصة لافتتاح قناة ثقافية واجتماعية اخترت لها اسم الفكر وقد أجريت استطلاعا للرأي لمعرفة البرامج التي يفضلها المشاهدون ووجدت أن الأغلبية منهم يرغبون في برامج تتحدث عن الأمن وتحديدا عن الشريعة، لذا خَطوت تلك الخطوة لكن للأسف لم يستمر بث قناتنا سوى ثلاثة أيام وفي اليوم الثالث اتصل بي هاتفيا ضابط من جهاز المخابرات، هناك انتهى كل شيء لقد أوقفوا بث تلك القناة بدون سند قانوني.

عمرو عبد الحميد: دليار الأوزبكي القومية لم يقف مكتوف الأيدي حسب قوله فهو يسعى لأن يعيد للمشاهدين قناةً تفاعلوا معها منذ لحظة البث الأولى سبيله إلى ذلك عشرات الرسائل التي تلقاها من جمهوره ومستندات تثبت سلامة موقفه القانوني وبين هذا وذاك لا يخفي ثقة في أن الهدف الأساسي للحزب هو إقامة دولة الخلافة سيتحقق يوما ما.

إقبال مير سعيدوف: القاعدة العريضة من سكان وادي فرغانة وفي آسيا الوسطى عموما لا تولي اليوم اهتماما لحزب التحرير على العكس من الحكومات.. بالطبع يوجد الكثير من المتعاطفين مع الحزب لكنهم يعتبرون فكرة إقامة الخلافة الإسلامية فكرةً خيالية لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع وهؤلاء ينظرون بشفقة إلى أعضاء حزب التحرير.

[موجز الأنباء]

حزب التحرير ومعاناة أهالي فرغانة



عمرو عبد الحميد: الخط الذي يسير عليه حزب التحرير في وادي فرغانة لا يتقاطع مع نهج القوى الإسلامية الأخرى، رأي يؤكد عليه نور محمد مواطن قرغيزي أوزبكي القومية أيضا، لكنه في قرية أرسلانباب ليس مجرد مواطن عادي إنه حسب يقين الجميع مسؤول حزب التحرير في القرية.

"
النظام الأوزبكي يحاول بشتى الطرق توريط التنظيمات الدينية في ارتكاب أعمال إرهابية، والأحداث برهنت على استعداد النظام لقمع أي حركة معارضة له
"
نور محمد
نور محمد- ناشط في حزب التحرير: حزب التحرير يأخذ بعين الاعتبار تعامل الأنظمة الحاكمة مع المعارضة عموما ومع القوى الإسلامية خصوصا، النظام الأوزبكي مثلا يحاول بشتى الطرق توريط التنظيمات الدينية في ارتكاب أعمال إرهابية، أنا شخصيا فوجئت ذات يوم بعملاء من المخابرات الأوزبكية يطلبون مني المساعدة في شن عمليات تستهدف النظام الأوزبكي طبعا فطنت إليهم ورفضت، فحزب التحرير ليس من مبادئه استخدام القوة. أما الأكرمية فهي جماعة صغيرة تنتشر في أنديجان وفي بعض القرى على الحدود بين أوزبكستان وقرغيزيا، هؤلاء ارتكبوا أخطاء استغلها النظام الأوزبكي لاسيما في أنديجان، هذه الأحداث برهنت استعداد هذا النظام لقمع أية حركة معارضة له خاصة إذا كانت في المناطق التي تشكل خطورة عليه والواقع في الجزء الأوزبكي من وادي فرغانة، ببساطة أراد كريموف أن يؤكد استحالة تكرار سيناريو قرغيزستان في أوزبكستان.

عمرو عبد الحميد: قرية أرسلانباب ويعني اسمها أبو الأسود لم تعد تشتهر بجمال طبيعتها فحسب بل إن الحديث عن جبالها الخضراء وشلالاتها الصغيرة يتلازم دوما مع حديث حول نجاح حزب التحرير في فرض تأثيره على أسلوب الحياة في تلك القرية.

نور محمد: قريتنا كان يُطلَق عليها في الماضي قرية الدجالين والفاسدين.. كانت مرتع للسكر والفجور والنهب والسلب وعندما بدأ نشاطنا اكتسبت القرية بالتدريج وجها جديدا، تبدل حالها للأفضل لدرجة أن بعض التجار الذين يواصلون بيع المشروبات الكحولية يفعلون ذلك سرا الآن رغم أن قانون الدولة يسمح ببيعها بشكل علني، أصبح لدى الناس بشكل عام قناعة أن تلك الأفعال محرمة حسب الشريعة الإسلامية ربما ساهمنا بجهد من أجل تحقيق هذا التقدم لكن الناس أيضا يسعون نحو الطريق الصواب.

أنور أرتيكوف- حاكم إقليم أوش: منهجنا في التعامل مع حزب التحرير ينطلق من عدم معاقبة أصحاب الرأي أما إذا أقدم هؤلاء على خطوة تمس بالدستور أو استخدموا العنف أو التحريض على قلب نظام الحكم فحينها سنلجأ إلى قوة القانون وعدا ذلك أعتقد شخصيا أن حزب التحرير منظمة أيديولوجية وعلينا أن نضع لمواجهتها أيديولوجيا أخرى تجذب الراغبين في الانضمام إلى ذلك الحزب.

عمرو عبد الحميد: لكن وقتا طويلا قد يمر قبل أن يتحقق حلم أعضاء حزب التحرير في إقامة دولة الخلافة هنا أو هكذا يعتقد البسطاء ممن يعيشون في قرية تشاكال المجاورة، هؤلاء لا يعنيهم نظام الدولة القائم أو القادم بقدر ما يعنيهم بحث عن حلول عاجلة لمشكلات باتت كأمراض مزمنة.

مواطن قرغيزي أول: ليس هناك أي فرص للعمل في قريتنا، لا يجد الشباب ما يفعله ونحن أيضا عاطلون، كثيرون لا يمتلكون حتى بطاقات هوية، على الحكومة أن تساعدنا، هل تعرف أننا محرمون من المياه النقية وإننا نشرب مياه ملوثة من نهر صغير تصب فيه حتى النفايات؟

مواطن قرغيزي ثان: في الماضي كان لعب الورق يعد عملا مخجلا أما اليوم فالجميع يلعب ولا يعبأ بشيء، نحمد الله أن شباب قريتنا لم يختر طريق التطرف رغم البطالة، علينا أن نشكرهم على الأقل لأجل ذلك.

مواطنة قرغيزية: معاشي قليل ولا يكفي لشراء شيء أرجو من الحكومة أن تخفض سعر دقيق الخبز.

عمرو عبد الحميد: من جنوب قرغيزيا إلى شمال طاجكستان واصلنا الرحلة في وادي فرغانة، تبدل الجبال لونها لكنها تُبقي على شخصيتها، لم نشعر بتسلل صمت الصحراء، انشغلنا في تجنب المرور بنقاط الحدود الأوزبكية خشية مضايقات عناصر المخابرات فيها، لذا اخترنا طريق الموت إنه اسم أُطلِق على هذه الطريق ليس بسبب وعورتها بل لما تشهده حسب كلام سائقنا من حوادث سلب ونهب وقتل أحيانا، نصل إلى خوجند المدينة التي كانت تحمل اسم لينين أباد نسبة إلى فلاديمير لينين قائد الثورة البلشفية، عاد للمدينة اسمها الأصلي عقب انهيار الاتحاد السوفيتي لكنها بقيت كمثال إضافي على تداعيات التقسيم القسري لوادي فرغانة إذ اقتطعها زعماء الكرملين من أوزبكستان وضموها إلى طاجكستان وكأنهم أرادوا أن يعدلوا في ظلمهم بعد أن ألحقوا بخارى وسمرقند بأغلبيتهما الطاجيكية إلى جمهورية أوزبكستان. في خوجند نستعيد صفحة مهمة من تاريخ الفتح الإسلامي لوادي فرغانة ولآسيا الوسطى بصفة عامة فحين تمكن جيش القائد الإسلامي كتيبة بن مسلم من المدينة الواقعة على نهر سيحون دان له الإقليم بأكمله، النهر الذي قطعه المسلمون الفاتحون يجاور تمثال لينين وكأن النهر شاهد على أهم مرحلتين في تاريخ شعوب المنطقة، في مسجد المدينة أعادنا إمامه إلى قضية انتهاك حقوق الإنسان من قبل النظام الأوزبكي الذي يمنع سكان القرى الطاجيكية من زيارة أقربائهم في القرى الأوزبكية المجاورة.

الشيخ خوجه أمير عالم- إمام مسجد خوجند: أقرباؤنا يعيشون هنا غرباء في هذه المناطق عندنا يعيشون أقربائهم، كيف إذا كان يموت أخوه أو والده وليس يشترك، ما يشترك في جنازته ابنه، فلهذا يحدث مشكلات كثيرة جدا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسهل هذه المشاكل.

عمرو عبد الحميد: المتضررون من تلك القضية ليس أمامهم سوى حلين انتظار الحصول على تأشيرة قد لا تأتي لدخول أوزبكستان أو المغامرة بعبور المنطقة الحدودية بطرق غير شرعية وهو حل محفوف بالمخاطر نظرا لبقايا ألغام كانت السلطات الأوزبكية زرعتها في تلك المنطقة، ألغام من نوع آخر لا يشعر بها المسلمون هنا وتتعلق بمزج عادات وتقاليد لمفاهيم يحسبها أصحابها من صميم العقيدة، هؤلاء جاؤوا إلى المسجد للتكفير عن خطاياهم أو الحصول على البركة والأمر لا يتطلب سوى التبرع بمبلغ من المال يضعوه في صندوق زجاجي محروس من الشيخ. ولا ضير أن يكتفي المتبرعون بالحصول على دعوات الشيخ دون الدخول إلى المسجد لأداء الصلاة. في الجزء الطاجيكي من فرغانة يتمتع حزب النهضة الإسلامي بنفوذ واسع ينسحب كذلك على معظم الأقاليم الطاجيكية، كان يمكن أن يلقى هذا الحزب نفس مصير التنظيمات والأحزاب المحظورة لولا الاتفاق الذي عقده قادته مع الحكومة عام 1997 وانتهت بموجبه حرب أهلية طاحنة استمرت قرابة خمسة أعوام بعد ما حصدت عشرات الآلاف من الأرواح، حزب النهضة الذي قاتل فصيله المسلح في تلك الحرب ألقى سلاحه وأصبح شريكا في النظام السياسي الراهن.

شمس الدين سعيدوف- مسؤول العلاقات الخارجية في حزب النهضة: من الخطأ اتهامنا بإشعال الحرب الأهلية فلو كنا أشعلناها حقا لما ألقينا السلاح وقد كنا نسيطر على نصف أراضي طاجكستان ناهيك عن القواعد العسكرية التي كانت تحت إمرتنا، فلماذا نُتَهَم بذلك؟ لقد كان نزاعا كغيره من النزاعات التي وقعت في بعض الجمهوريات الأخرى وربما سيكشف التاريخ يوما الجهة التي تسببت في إشعال تلك الحرب، لقد شاركنا قبل التوقيع على اتفاقية السلام في عشرات الجلسات السرية التي انتهت بالتوصل إلى الاتفاقية وأقول للأسف أن شرارة الحرب أُشعِلت بأيدي أطراف خارجية وبحلول السلام قررت حكومة حزبنا المشاركة بقوة في الحياة السياسية وحتى اليوم لدينا النية للدخول في الانتخابات البرلمانية القادمة.

عمرو عبد الحميد: البازار في وادي فرغانة ليس مجرد سوق للبيع والشراء، البازار حياة أو هكذا الأمر بالنسبة للكثيرين التي تركت سنوات الحرب الأهلية بصماتها عليهم، حبيبة أم لأربعة أبناء وجدت نفسها مسؤولة عنهم بعد مقتل زوجها في تلك الحرب قبل عشرة أعوام، جربت حبيبة مجالات عمل عديدة إلى أن استقرت هنا في بازار خوجند.

حبيبة: بعد مقتل زوجي أصبحت مسؤولة عن الأسرة، الظروف المعيشية صعبة للغاية والرزق في معظم الأحيان شحيح، أتمنى أن أواصل رسالتي لأعين أبنائي وأتمكن من تزويج ابنتي.

عمرو عبد الحميد: قصص الحياة الفرغانية متشابهة أبطالها لا يشعرون أن المعاناة تختلف من منطقة لأخرى.. معاناة تجعل حسن الإسكافي يترحم على زمن الاتحاد السوفيتي.

"
أتمنى أن يعود زمن الاتحاد السوفياتي، حيث كنا نعمل آنذاك 5 أيام في الأسبوع ونحصل على راتب شهري يكفي لحياة كريمة بعكس ما نشهده في الوقت الراهن
"
حسن الإسكافي
حسن الإسكافي: أمنيتي كأمنيات الآخرين أن يعود زمن الاتحاد السوفيتي، لقد كنا نعمل آنذاك خمسة أيام في الأسبوع ونرتاح يومين ونحصل على راتب شهري يكفي لحياة كريمة، أما في الوقت الراهن فنشقى ونكد طوال أيام الأسبوع ولا يكفي ما نحصل عليه حتى لأبسط متطلبات المعيشة فما بالك لو مرض أحد أفراد الأسرة أو أردت مثلا تجهيز ابنك أو ابنتك للزواج.

عمرو عبد الحميد: يؤكد حسن أن دخله حاليا لا يكفي إطعام أسرته وإعالة والديه العجوزين ومع ذلك فقد رفض مرارا عرض أحد معارفه المشاركة في تهريب المخدرات، كثيرون يفعلون ذلك في وادي فرغانة مستفيدين من جغرافيا المنطقة وقربها من أفغانستان التي يسهل جلب المخدرات من مناطقها الحدودية مع الوادي غير أن أغلبية الفرغانيين تفضل كسب لقمة العيش بطرق شريفة رغم شح الوسائل إلى تلك الغاية، أهل فرغانة لم يختاروا جغرافيتهم تلك التي تشتعل بالجوار الأفغاني مرة وبالنازعات العرقية مرة وبصراع المصالح الدولية مرات ومرات، أهل فرغانة لم يرغبوا في عيشة صبغ التهميش جميع جوانبها، أهل فرغانة ينتظرون صبحا تحمل شمسه بعض من فرح أو قليل خبز بطعم الحياة، ينتظرون ويحلمون لعل الحلم يدفع عنهم الخوف من الآتي ومن المجهول، ربما يقول قائل أو حالم إن المخزون من ثروات في أرض وجبال وادي فرغانة قد يصبح يوما جسر أبناءه إلى حياة كريمة لكن الصورة تخلو اليوم إلا من تدهور اقتصاديا وتوتر سياسي يحملان يقينا أن الوادي قد يتفجر غضبا يطال الجميع.