- النيجر أفقر بلد في العالم
- مشاكل الطفولة في النيجر

تعليق: إذا كان هيرودوت قال بأن مصر هي هبة النيل فإن النيجر هي هبة إيسا نهر النيجر، أمم سادت على ضفافه ثم بادت، بنت بجواره ازدهارها وظل ماؤه دفَّاقا يزرع الحياة ينتج العظماء من أمثال عثمان فوديو ألفا محمد جبو، أحمد كونداغا، وكاووسن ولكنها اليوم لم تعد كما كانت، شح السماء والجراد أوصل أهلها إلى وضع صعب ينهش أجسادهم الجوع والمرض ولم يبق أمامهم إلا التضرع إلى الله.



النيجر أفقر بلد في العالم

عبد القادر عياض: من بلد صنَّفه تقرير الأمم المتحدة للتنمية في المرتبة ما قبل الأخيرة ومن بلد ينتمي أكبر جزء منه إلى أكبر صحراء في العالم أردنا أن نُقدم لكم صورةً عن صراع الإنسان مع الطبيعة، هو صراع صعب، مرير وقاس، هذا العام أجدبت فيه الأرض وأقفرت ووجوه الناس مشرئبة إلى السماء تنتظر الخبر فإما المطر والخير وإما الشقاء والهلاك، السلام عليكم، إنها شمس الظهيرة وإنها بساتين الأرز على ضفاف إيسا نهر النيجر، هذه أصوات الفلاحين عند الحصاد منذ أجداد أجدادهم وهم هنا في هذه الأرض على ضفاف الوادي يزرعون ويأكلون، أرض طيبة ونهر دفاق، شمس ساطعة وسواعد سمراء لا تكل، يعطون الأرض من حَبهم وحُبهم فتلد لهم في كل موسم من خيراتها، إيسا هكذا يُسمِّي نهر النيجر قبائل الجرنا أكبر وأقدم القبائل التي استوطنت ضفاف النهر وارتبطت به إلى الآن ارتباطا وثيقا، من أعماقه تصطاد شباكهم الخير الكثير في مواسم الأمطار وفيه تآلف الإنسان مع حيوانات لم يبق منها في كوكبنا إلا القليل، إيسا يعني كل شيء بالنسبة لهم، إنه الحياة، إذا نزلت الأمطار ازدهر وتدفق ماؤه حتى يغطي الضفاف ازدهروا معه وإن شحت السماء وغارت مياهه وتراجعت مستوياتها تراجعت كذلك الحياة في عيونهم، إيسا لا يشكل مصدر رزق للفلاحين والصيادين فقط فلا توجد وظيفة إلا وارتبطت به ارتباطا وثيقا، مهن بسيطة قد لا تدر ربحا كبيرا ولكنها تعطي أصحابها نوعا من الكفاف، قارب بسيط ووسيلة صيد بسيطة بدائية وبعض الحظ وقد يعود هذا الصياد بصيد ثمين. كل يوم تجلد الشمس بأشعتها الساطعة ظهور الفلاحين البسطاء بطرق لا تختلف كثيرا عن طرق أجدادهم، مازالوا يكدُّون في زراعة مساحات بسيطة قدر استطاعتهم، يصارعون لهيب الشمس عندما تشتد، يسقون مزروعاتهم البسيطة حتى لا تتلفها الشمس، لا تجد النسوة بأطفالهن أفضل من ضفاف إيسا للتخفيف من الحرارة والقيام ببعض شؤون البيت من تنظيف ونظافة لأطفالهن. إنها حياة بكاملها للناس والكائنات أصبحت لصيقة بهذا النهر لا تستطيع منه فكاكا فمَن لازم النهر ضمن على الأقل الحد الأدنى من أسباب الحياة وهو الماء ومن نأى عن النهر ناله الشقاء بل وحتى الموت، بماء إيسا يزرعون وفيه يصطادون ومنه يغتسلون ومن طينه ينجزون الأواني الفخارية، يصنعونها بنفس الطريقة التي ورثوها عن أجدادهم وبنفس الوسائل وبمستوى الإتقان ذاته، في النيجر لا يخلو بيت من هذه الجِرار ويشترك في صناعتها الكبار والصغار، تُصنع هذه الجِرار عبر ضفاف إيسا وتنقل بعيدا عنه إلى أماكن لم يبلغها هذا النهر، أماكن في قلب الصحراء يصارع فيها الإنسان وما آلف من حيوان الطبيعة بحثا عن الماء، بعيدا عن إيسا إنها الصحراء، لا يغطي نهر النيجر إلا جزءً بسيطا من مساحة هذا البلد إذا ما قورنت بالمساحة التي تغطيها الصحراء، صحراء شاسعة يسكنها في الغالب قبائل البدو من الطوارق والفُلات وقليل من العرب يعيشون فيها في حلٍّ وترحال خلف قطعان مواشيهم فوق أرض صعبة وتحت شمس محرقة، منذ الصباح الباكر وقبل أن تشتد أشعة الشمس يبدأ النمل عمله اليومي بحثا عن الطعام ليخزنه لمقبل الأيام، يجتهد في أن يعمل باكرا فساعات العمل الممكنة محدودة جدا فعندما تلتهب أشعة الشمس حتى النمل لا يتحمل لهيبها، كل كائن في هذه البيئة الصعبة ومهما تضاءل حجمه همه الأول توفير الطعام وقد يكون هو طعاما لغيره، لا يستطيع البقاء في هذه الأرض إلا من كانت له أنياب وكيَّف جسمه ليقاوم الجفاف، الصراع من أجل البقاء هو القانون الأقوى في هذه البرية ويشتد الصراع عنفا في مواسم الجفاف كهذا العام، هذا محصول حبوب الدُخن من مخزون السنة الماضية تقوم الأمهات يوميا بطحن القليل منه وبتقشف كبير حتى يكفي المخزون لما تبقى من هذه السنة قبل موسم الحصاد، عام من الجفاف أدخل النيجر في دوامة أزمة كبيرة أصبح فيه البحث عن الماء همَّ الناس الأول مزارعين ورعاة، هؤلاء من قبائل الفُلات هم رعاة حياتهم رهن بمواشيهم كي يبلغوا هذه البئر قطعوا مئات الأميال، الكثير من مواشيهم نفقت عطشا وجوعا قبل أن يبلغوا مورد الماء هذا وما نجا منها يعاني من هزال شديد ولولا خبرة وحنكة شيوخ القبيلة لكانت خسائرهم من الماشية أفدح بكثير، هي خبرة حفرتها سنوات طويلة من الصراع مع قساوة الصحراء، عائلة بكاملها بنسائها وأطفالها في حل وترحال دائم تلهث خلف عيون الماء ومراعي الكلأ لا يعرفون الاستقرار، شمس هذا اليوم تجاوزت الخمسين درجة مضت بساعاتها فوق رأس هذه الرضيعة، ارتباطهم بالماشية عطَّل كل إمكانية لتغيير واقعهم فأبناؤهم في الغالب لا يدرسون، الكل يعمل وكل خيط في الحياة مهم لا مجال للترف والكسل، هذا الطفل يعمل كما الكبار والمرأة تعمل مثل الرجل وأكثر فلا أحد يقوم بعملك إن لم تقم به أنت، يشكل الفُلات نسبة مهمة من مجموع الأعراق في النيجر فهم في المرتبة الرابعة من حيث التعداد بعد الجرما والهوسا والطوارق وهم والطوارق من الرعاة الرحل، ينقسم سكان النيجر في العموم بين رعاة ومزارعين ومن المزارعين قبائل الهوسا، عام من الجفاف أتعب المزارعين كما الرعاة فبذور الزرع عصفت بها رياح الجفاف فلم تُنبت أرضهم شيئا غير الحسرة والرجاء لأن لا يطول هذا القحط.

[أغنية]

على الحبيب لكي يتزوجني، أن يتدبَّر أمره أن يوفِّر مهري حتى ولو اقتضى الأمر أن يهاجر سأنتظره مهما طال الغياب، أعرف أن الحياة صعبة فليهاجر إلى غانا أو أي بلد آخر عليه أن يوفر مهري.

"
أسراب الجراد اجتاحت كل أخضر نجا من الجفاف فأتلف في بعض المناطق منها محاصيل بكاملها ولم يترك للأفواه الجائعة شيئا
"
عبد القادر عياض: وحدها النباتات الشوكية تستطيع أن تقاوم الصحراء حتى وإن شحت السماء، هذا العام في النيجر لم يكف الجفاف وحده بل زاد الطين بلة أسراب من الجراد، أسراب من الجراد اجتاحت كل أخضر نجا من الجفاف فأتلف في بعض المناطق منها محاصيل بكاملها ولم يترك للأفواه الجائعة شيئا، الآلاف من رؤوس الماشية هلكت في هذه القفار وهي تسعى مع أصحابها بحثا عن الماء، هذه القباب من الطين من المفترض أنها خزانات تقليدية للحبوب التي يتم تخزينها من موسم لآخر، هي اليوم وقبل أن يأتي موسم الحصاد خاوية عن آخرها، المزارعون من الهوسا يترقبون نزول المطر حتى يبدؤوا في عملية البذر، انتظار وترقب ورجاء وتخوف ممن جاء إلى ديارهم من قبل الرحل الرعاة من الفلات الذين قطعوا مسافات طويلة بأنعامهم إلى مواطن الزرع بحثا عن الكلأ لمواشيهم، الأفواه كثيرة والزاد للإنسان والحيوان قليل والنتيجة صراع مرتقب بين الرعاة والمزارعين وبوادر فتنة قد تتأجج، الصراع بين بعض الهوسا والفلات في منطقة مارادي وفي نزاع واحد خلَّف أحد عشر قتيلا، لأن الماء في هذه الأماكن لا يتوفر باليسر فالكل يعرف قيمة كل قطرة منه ويدرك الأطفال ومنذ صباهم هذه الحقيقة، قساوة الطبيعة لم تُنسي هذه البنت الفُلاتية وغيرها من البنات الاهتمام بمظهرهن حتى وهن يمارسن هذا العمل الشاق.

[أغنية]

هنيئا للذين يلعبون بالنار يشربون خمر الحياة المحرقة كماء النار، هم أبطال محاربون، العابث الذي يشرب الخمر يحمل أوزاره بنفسه، إنه ابن أمه أيها العراف الذي يحدق في الأفق شرقا وغربا أخبرني هل في الطالع خير أم شر، أودي يا راعي الغنم الفلاتي لا يعشق إلا فلاتية ولكنه يسافر، أودي ألف الأماكن الموحشة يعيش تحت الأمطار والعواصف هذا هو قدره.

عبد القادر عياض: الأيام تمر وأمطار الخير لم تهطل بعد وأوضاع الأهالي لم تتغير، تأقلم معها بعضهم والبعض قرر الهجرة، الآلاف من الأهالي هاجروا من الأرياف ومواطن الرعي إلى المدن الكبيرة وحتى إلى الدول المجاورة كنيجيريا وبوركينا فاسو، مغيب الشمس فرصة لأخذ قسط من الراحة وغدا يوم آخر، يوم آخر يشرق وقصة أخرى تبدأ، الناس في هذا البلد كلهم تعبون ولكن الأطفال هم الأكثر شقاء، أرقام مخيفة من الأمية وأرقام مرعبة من سوء التغذية، أطفال لليالي وليال ينامون على بطون خاوية، لحظة الميلاد من أجمل اللحظات في الدنيا ولكن كيف يكون مستقبل طفل في بلد يقتل الطفولة فيه التخلف والفقر والجهل؟



[فاصل إعلاني]

مشاكل الطفولة في النيجر

عبد القادر عياض: بعد أن يقطعا الخشب سيعود الصبيان إلى المدرسة ففي أوقات الراحة بين الدوامات المدرسية يأتيان إلى البرية لتقطيع الحطب إما لتزويد البيت فمازالت معظم البيوت في النيجر وحتى في المدن الكبيرة تستعمل الحطب وإما لبيعه وشراء ما أمكن من الطعام، يقطع الأطفال عشرات الكيلو مترات يوميا يجمعون عيدان الحطب وبعض العلف للماشية تحت أشعة شمس لا تطاق ووسط طبيعة لا ترحم، حياة هذا الفتى وغيره كثير ومنذ بدأ يدرك معنى الحياة بدأت في هذا المكان ومع هذه الإبل لم يعرف غيرها وربما تنتهي به الحياة وإن طال عمره هكذا، في البداية لم يدخل مدرسة يوما حاله حال الملايين من الأطفال في النيجر، الانتقال من مدينة إلى أخرى في النيجر ليس بالأمر الهين، طرق وعرة وكثيرا منها غير مُعبَّد جعل الكثير من مدنها تعيش في حالة عزلة، لا تخلو مدينة أو قرية ولا حتى مضارب البدو من كتاب لتعليم القرآن الكريم فكل الأسر تحرص كل الحرص على أن تُحفِّظ أبناءها القرآن الكريم وهم يتكبدون في سبيل ذلك العناء الكثير، فقر معظمهم جعلهم يزاوجون بين التعلم وممارسة بعض المهن الشاقة أو اللجوء إلى التسول ليجدوا ما يأكلون وما يدفعون منه القليل لمُعلِّم القرآن، بعض المدارس القرآنية الحديثة نوعا ما تدرس للفتيات أيضا، تدرسهن اللغة العربية وقليل من الفقه وهي أيضا تعاني من نفس المشكلة، الفقر يدفع بالفتيات والصبيان إلى التسول والعمل الشاق، عدد كبير من هؤلاء الأطفال لم يدخل المدرسة يوما لأن أغلب الأسر لا تستطيع توفير ولو قليل من المصاريف الدراسية وقد تكون المدرسة القرآنية البديل الممكن خاصة مع حرص الأهالي على تعليم أبنائهم اللغة العربية والقرآن الكريم، المدارس النضالية ليست أفضل حالا، أقسام من القش وأطفال معظمهم فقراء يجلسون إلى الأرض ومعظمهم يغادرون المدرسة من السنوات الأولى فآباؤهم يعجزون حتى على توفير الطعام لهم، في النيجر ومنذ استقلاله قبل خمسة وأربعين سنة لم تتجاوز نسبة التعليم 30% هل يستطيع الأطفال أن يدرسوا وبطونهم خاوية؟ وكيف يكون مصيرهم والعالم مشغول عنهم بقضايا يعتبرها أهم؟

[أغنية]

يا الله يا كريم، ها قدر زرَعنا زرْعنا وبعد شهور سيأتي الحصاد، يا صغيري ليس في صدري حليب فلتنام يا صغيري حتى موسم الحصاد، نم يا حبيبي نام أعلم أنك جائع فلتنام.

"
ثمانمائة ألف طفل تشملهم مجاعة خطيرة في النيجر منهم مائة وخمسون ألفا يعانون من سوء تغذية حاد، وما دامت الأوضاع على حالها فسيتطور وضعهم الصحي سلبا ليصل إلى الكارثة
"
عبد القادر عياض: ثمانمائة ألف طفل تطالهم مجاعة خطيرة في النيجر منهم مائة وخمسون ألفا يعانون من سوء تغذية حاد، هؤلاء فقط مَن تقل أعمارهم عن خمس سنوات، أعداد مخيفة وفي تزايد مستمر فحتى الأطفال الذين لم تصل حالاتهم حد الخطورة مهددون بالمجاعة مادامت الأوضاع على حالها فسيتطور وضعهم الصحي سلبا ليصل إلى الكارثة، مع الجوع وسوء التغذية بعض الأمراض التي انقرضت من دول العالم المتقدم مازالت موجودة هناك، لقد زاد حالتهم الصحية سوءً الأمراض كالتهاب السحائي والحصبة أمراض تنتشر بكثرة في النيجر فحملات التلقيح لم تصل أغلب الأطفال فلا تجد الأمهات وسيلة غير الأدوية والوسائل التقليدية شفاءً لأطفالهم، ليست هناك أرقام دقيقة عن عدد الأطفال الذين يموتون بسبب الجوع في النيجر ولكن المؤكد أنهم كثيرون جدا والقائمة مفتوحة.

[أغنية]

نعم قبور كثيرة كل يوم أحفر ما بين عشرة وخمسة عشر قبرا.

عبد القادر عياض: من مفارقات الحياة أن يموت الناس جوعا بسبب قلة الماء في بلد أخذ اسمه من اسم نهره العظيم نهر النيجر إيسا، إنها الحياة مليئة بالمفارقات.