- أسباب انتشار المخدرات في أفغانستان
- التباين في مكافحة المخدرات في الولايات الأفغانية

- كيفية زراعة وتهريب المخدرات في أفغانستان


بيبه ولد امهادي: 87% من الأفيون المستهلك في العالم تأتي من هنا من أفغانستان، سمعة لا يُحسد عليها هذا البلد الذي كان من أكبر مُصدِّري الخضروات والفواكه في العالم فأصبح أكبر مصدر للأفيون بدون منازع ما دفع الحكومة إلى إعلان الحرب أو الجهاد كما تُسمِّيه ضد المخدرات، ماذا ومَن ولماذا وكيف وأين وإلى متى؟ هذا ما تحاول الإجابة عنه هذه الحلقة فأهلا ومرحبا بكم.

مواطن أفغاني 1: إذا لم أدخِّن فإنني أشعر بألم شديد في جسدي، لقد دمَّر بيتي واستشهد عدد من أفراد عائلتي أثناء قصف بالطائرات بعد ذلك أصبحت مُدمنا للمخدرات، كنت مُجاهدا وما أزال أبي وأمي وأخوتي استشهدوا فأصبحت مُدمنا أنا رجل سيئ جدا لأنني أتناول المخدرات لكنني لست سيئا بطبعي.

أسباب انتشار المخدرات في أفغانستان

بيبه ولد امهادي: الحرب والجفاف والفقر من العوامل الرئيسية لانتشار زراعة المُخدرات وتناولها في أفغانستان، عام 1979 كان بداية الحروب المدمرة التي تعاقبت على البلاد واستمرت ربع قرن ففي السابع والعشرين من أبريل نيسان من ذلك العام انقلب الشيوعيون بزعامة نور محمد تراكي على محمد داود خان الذي كان قد انقلب بدوره على عمه الملك ظهر شاه عام 1973 وحوَّل نظام الدولة من ملكي إلى جمهوري، انتقال تراكي ورفاقه من غياهب السجن إلى سُدة الحكم في ذلك الانقلاب الدامي دشَّن عهد النظام الشيوعي الذي ساندته موسكو سياسيا وعسكريا في ظل ما يعرف بالغزو السوفيتي لأفغانستان، البلاد المحافظة حتى النخاع وجدت نفسها فجأة تحت قيادة شيوعية أمر غير مقبول لدى الغالبية التي حمل القادرون منها السلاح ضد هذا الدب الأحمر وعُرِفوا بالمجاهدين الأفغان، تدخلت أطراف دولية في انسجام تام مع منطق الحرب الباردة وانخرط المتطوعون من العرب والمسلمين في المعركة هذه حرب أولى تلتها معارك أشد ضراوة عام 1992 بين حُلفاء الأمس وخصوم اليوم الذين دقوا بينهم إسفين ثم جاءت حركة طالبان واستولت على الحكم عام 1996 تراجعت حدِّة المعارك لكن عُزلة أفغانستان زادت في تلك المرحلة المثيرة للجدل إلى أن شن الأميركيون وحلفاؤهم الأفغان والدوليون حربا جديدة على أفغانستان إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر، سقط نظام طالبان والبقية معروفة باختصار شديد سلسلة حروب مُدمرة عمَّقت جراح الوطن وزادت المواطنين فقرا بعضهم لجأ إلى زراعة المُخدرات منذ السنوات الأولى للحرب وبعض آخر راح يبحث عبثا عن الطمأنينة في لفافة محشوة بالأفيون أو الحشيش.

مواطن أفغاني 1: لا أحس بمتعة لكنني أحاول تسكين الألم، المخدرات تبعد الهموم عني لكنها شديدة التدمير ولا تفيد شيئا وأنا الخاسر في كل الأحوال هي تمتص الدماء ولا نلجأ إليها إلا لأننا مشردون، أفراد عائلتي استُشهدوا وأنا كنت مجاهدا في هذه المدينة.

بيبه ولد امهادي: كثيرة هي المقابر المنتشرة على جنبات الطرق أينما توجهت في أفغانستان ساكنوها ممن يصفوها ذووهم بشهداء وتُرفرف على قبورهم الأعلام الملونة إما فارقوا الحياة لأنهم كانوا يُقاتلون هذا العدو أو ذاك أو توفوا إثر تعرض مدنهم وقراهم لغارات بينما هم نيام أو لا حيلة لهم وقد لا يعادل تلك المقابر في كثرتها وانتشارها في مختلف أرجاء البلاد سوى حقول المخدرات الممتدة على مرمى البصر تعانق الأفق وتُقدم له باقات الزهور عربون صداقة زائفة لأن تلك الأزهار الزاهية هي في الواقع أزهار شر وخضراء دماء يقول كثيرون إن المزارع الأفغاني يلجأ إليها لقلة حيلته.

مواطن أفغاني 2: نحن مضطرون لزراعة المخدرات فنحن بحاجة إلى كل شيء ونزرع هذه المخدرات مخافة المجاعة ولو أقامت السلطات الطرق وبنت المستشفيات والمدارس وجلبت لنا الكهرباء والزراعات البديلة لما لجأنا إلى زراعة المخدرات، أنا أملك أربعين فدان لكنني لم أزرع منها سوى فدانين وتركت الباقي لقلة الماء وكثرة المصاريف.

بيبه ولد امهادي: تحديات كبيرة يبدو أن السلطات بدأت تعيها فقد أنشأ الرئيس حامد كرزاي وزارة للمخدرات وأعلن ما دعاه الجهاد ضد المخدرات إجراء قوبل بترحيب كبير محليا وعلى الصعيد الدولي لأن الأرقام شديدة الوطأة على سمعة البلاد تفيد أن عائدات المخدرات تشكل نحو 60% من الناتج الوطني الأفغاني مع ما يعنيه ذلك من خطر اعتبار أفغانستان من قِبَل الأمم المتحدة دولة مخدرات.

"
عائدات المخدرات قد لا تكون 60% من الناتج الوطني وقد تتراوح بين 40% و50%، وستكون لها تداعياتها على الاقتصاد الأفغاني إذا تم القضاء عليها دفعة واحدة
"
حبيب الله قادري
حبيب الله قادري – وزير مكافحة المخدرات الأفغاني: قد لا تكون 60% من الناتج الوطني وربما تتراوح بين 40% و50% في كل الأحوال ستكون لها تداعيات على الاقتصادي الأفغاني إذا تم القضاء عليها دفعة واحدة.

بيبه ولد امهادي: من أبرز ما تضمنته هذه الحرب على المخدرات حملة توعية يشارك فيها رجال الدين، استخدام القوة، إيجاد بدائل لزراعة المخدرات، إيجاد أسواق للمنتجات الأفغانية، الحفاظ على المياه وسنّ قوانين خاصة ورادعة وحثّ الجيران والدول الأخرى على خفض الأسعار لينخفض العرض في أفغانستان، حقول كثيرة عن يميني حقل مخدرات وعن يساري حقل مزروعات عادية وفي أماكن أخرى عديدة حقول ألغام، أتبدو المخدرات أفضل من الحروب ومضاعفاتها لكنها بالتأكيد ليست أفضل من القمح والشعير والأرز والطماطم في ميزان الصحة والأخلاق على الأقل لا بحساب السوق غير الشرعية.

مواطن أفغاني 2: إذا أنفقت عشرة آلاف روبية في زراعة أخرى غير المخدرات فإنني لا أجني منها إلا ألفين لماذا أزرعها إذاً إذا كانت ستسبب لي خسارة؟ بدلا من ذلك أزرع فدانين من المخدرات وأترك الباقي أنا سأجتهد وأترك زارعة المخدرات إذا ساعدتني الحكومة، الأبواب مفتوحة لمَن يريد أن يعرف كم في بيتي وكم من الناس أعيل، أنا أعيش حالة من التقشف لا يمكن لأحد أن يجاريني فيها بيتنا مدمر وجدرانه متداعية والمياه جافة وأنا وحيد فأشيروا علي ماذا أفعل؟

بيبه ولد امهادي: تُزرَع بدعوى الفقر ويتم تناولها بدعوى الفقر أيضا ومحاولة تسكين آلام عضوية ونفسية صحيح أن هناك فقرا.. فقرا مدقعا أحيانا لكن مَن قال إن المخدرات هي الحل.

مواطن أفغاني 3: أنا أدخِّن الحشيش منذ الصغر واصلت تدخينه مدة خمسة عشرة عاما إلى أن أصبحت مُعوقا وتخليت عن المخدرات ولم أعد أتعاطاها إلا نادرا مع الأصدقاء والهدف الرئيسي هو تسكين الألم الذي أشعر به.

بيبه ولد امهادي: لا شك أن توافر المادة بأثمان زهيدة عامل آخر يشجع على الإقبال عليها إضافة إلى الفقر الضارب إطنابه هنا وهناك والشعور بالمرارة والغُبن وكثيرا ما يرافق ذلك الانحراف وبيع المرأة جسدها لكسب قوتها وقوت القواعد من الرجال بينما يُشَار بالبنان ربما بإعجاب لصاحب هذا البيت أو ذاك لأنه بناه في وضح النهار من عائدات المخدرات، عندما تتحرك السلطات في إطار مكافحة المخدرات لإتلاف الحقول الواقعة على قارعة الطريق يقول كثيرون إن ذلك يتم أيضا على حساب المستضعفين، هم الذين يقع الاختيار عليهم وهم الذين تذهب شهور من عملهم في ثوان من صحوة ضمير السلطة وهم الأكثر تضررا لأن صاحب الأرض وِفق هذه الرواية أشبه بالإقطاعي الذي يجني ثمار عرق الآخرين.

مواطن أفغاني 4: هذه الأرض ليست ملكا لي وقد استأجرتها وكل الناس يعلمون ذلك جيدا لا أملك شبرا واحدا من الأرض وقد أتلفوا لي الآن خمسة وعشرين فدانا وليس في بيتي كيس طحين واحد، الدولة تُتلف المخدرات لماذا لا تشتري منا القطن والعنب والقمح بثمن مرتفع حتى نكف عن زراعة المخدرات؟ نحن نعلم أن زراعة المخدرات ممنوعة دوليا ومن قِبَل علماء الدين لكننا مُجبرون على زراعتها بسبب الفقر، أنا أستأجر هذه الأرض وأدفع لصاحبها وأعول أسرة من عائداتها ومنها نعالج مرضانا فماذا يمكن أن نفعله لولا زراعة المخدرات؟



التباين في مكافحة المخدرات في الولايات الأفغانية

بيبه ولد امهادي: الحملة نفسها تتفاوت فجاعة وجدية من منطقة إلى أخرى، غالبية الفلاحين لا يبدون مقاومة تُذكر عندما تشرع شرطة مكافحة المخدرات في إتلاف حقولهم وإن كانت بعض المناطق تشهد أحيانا احتجاجات ومظاهرات تتحول إلى مواجهات وأعمال شغب تستمر ساعات ثم تخبو وتشير دراسة للأمم المتحدة والحكومة الأفغانية إلى ذلك التباين، ولايات لم يتم تقييم الحملة فيها وأخرى تُزرع فيها المخدرات على نطاق ضيق ولم تشملها الحملة في الوسط والجنوب لا يكادوا يسجلوا نشاطا لفرق مكافحة المخدرات بينما توصف الحملة في ولايات أخرى بأنها محدودة وتعتبر نشطة في ولاياتي أوروزغان ونشطة جدا في ننغرهار ولغمان وكونار.

رشيد محمد – والي هلمند: أنا مرتاح لأننا قضينا في هلمند على زراعة المخدرات بنسبة 80% حتى الآن وفي العام القادم نأمل أن تصل النسبة إلى 90% وإلى 100% في العام الذي يليه.

بيبه ولد امهادي: بين أرقام السيد الوالي وتفاؤله وبين الواقع فارق كبير أحيانا صحيح أن توقعات هذا العام تشير إلى تراجع في عدد كبير من المناطق بينها ولايات مشهورة بزراعة المخدرات كهلمند، أوروزغان وننغرهار لكن هناك زيادة في المساحة المزروعة بالمخدرات في ولايات أخرى ولا يتوقع أن يتغير الوضع عما هو عليه في بقية المناطق في بلاد تُهمين فيها الجبال على ما سواها عموديا وأفقيا تصبح المساحات الصالحة للزراعة ضامرة جدا لكن تلك الجبال الراسيات ليست بالضرورة بخيلة فهي تجود بحجارة نفيسة تزاحم الزرابي المبثوثة وتتزين بها الأسواق وتُدر أموالا طائلة إلى جانب ذلك تجد تلك الجبال الشامخة تناطح السحاب لا كلل فتهطل عليها الأمطار وتنفجر منها العيون بماء زلال لا يتم استغلاله دائما على الوجه الأكمل، في يوم واحد بإمكانك أن ترى أربعة أنهار أو خمسة تفيض بمياه أمطار ترسلها السماء مدرارا أو ثلوجا تتدحرج من قمم الجبال فتغزو مياهها الجداول والأودية والأنهار لكن الجزء الأكبر من هذه الثروة يشق طريقه إلى أراضٍ أخرى في باكستان بالدرجة الأولى لقلة السدود في أفغانستان رغم أن حاجة الأفغان ومواشيهم لتلك المياه أكبر، فما تزال رحلة جلب ماء الشرب طويلة وشاقة تتعرج بين الرُّبَى وحقول الألغام في لفحات الشمس وعندما يصل الماء إلى المزارعين بعد طول انتظار يُسخره بعضهم لحقول مخدرات مترامية الأطراف.

فلاح أفغاني: هذه المياه تنبع من العيون وهي تجري هنا منذ خمسة أيام فقط، نحن فلاحون ولا داعي للتحايل علينا من أجل إتلاف حقولنا من المخدرات، اتركونا هذه السنة وسوف نتوقف عن زراعتها في العام المقبل.

بيبه ولد امهادي: مَن يتحايل على مَن؟ بعيدا عن الجدل يقول الفلاحون إنهم يسقون حقول المخدرات مرة كل يومين وإنها تتطلب مياها أقل مما تحتاجه الذرة والقمح والبقل بعد سنوات عجاف هاهي المياه تتدفق رقراقة في متناول المزارع يرتوي منها ويغتسل لا شيء يرغمه على جلب المياه من الآبار الجوفية إلى حين على الأقل هو الآن مسؤول عن كيفية استخدام هذه الثروة فإما أن يُسخرها لري الأفيون والقنب أو لري ما أُحِلّ في الأعراف الزراعية، بعيدا عن الجدل مرة أخرى من الواضح أن ثقافة المخدرات أصبحت في غفلة من الزمن مفردات تلوكها الألسن وجزء من عادات المجتمع وقيمه الاستهلاكية.

فلاح أفغاني: هذا النبات مفيد لعلاج السعال ولا نتناوله بهدف الانتشاء به كمخدر، جاء أعوان الحكومة وأتلفوا حقولنا نحن لم نزرع إلا مساحات صغيرة، القمح والذرة والبطيخ تحتاج إلى كميات كبيرة من الماء وزراعة مساحة صغيرة من المخدرات تغنينا عن زراعة هذه الحبوب التي تشتريها الحكومة بثمن زهيد.

فلاح أفغاني: نحن نعالج مرضانا بثمن هذه المخدرات ومنها نشتري المواد الاستهلاكية للإنفاق على الأكل منذ عشرين عاما والمخدرات تُزرع في أفغانستان لا نزرع أراضٍ كبيرة وإنما القدر الكافي لكسب قوتنا.

"
لا يُجيز العلماء التداوي بالمخدرات بأي شكل من الأشكال لوجود نص صريح بأن الحرام لا يمكن أن يكون علاجا
"
عبدالوالي بصيرت
عبد الوالي بصيرت – رجل دين: لا يُجيز العلماء التداوي بالمخدرات بأي شكل من الأشكال لوجود نص صريح بأن الحرام لا يمكن أن يكون علاجا كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فلا يمكن أن يكون شيء محرم دواء وهناك أدوية عصرية أفضل من المخدرات.

بيبه ولد امهادي: مع ذلك تنبعث رائحة دخان الحشيش والأفيون حتى من بعض المزارات والأضرحة، أناس من أجيال مختلفة يُدخنون بشراهة على بُعد خطوات معدودة من قبور يُفترض أن زائريها ينشدون السكينة ويقفون مع أنفسهم لمحاسبتها عندما تصبح هذه التصرفات مقبولة ويدمن الحمام يأسا من السلام يلتبس الحق بالباطل والإدمان بالخرافة.

مواطن أفغاني: الثعبان، هل تعرف الثعبان؟ أنا ضربته فرفع رأسه هكذا ثم قتلته فأُصِبت بالمرض وأصبحت مُدمنا على الحشيش، انتبهوا لا تقتلوا الثعبان أنا قتلته فابتليت بالمرض.

بيبه ولد امهادي: نصائح وهمسات نظرات وحركات آلية وعبارات قد تُوفق حينا ويجانبها المنطق السليم أحيانا لكنها قد لا تخلو من طرافة.

مواطن أفغاني: أنا لا أشتري الحشيش وإنما آتى إلى هذا المكان فأجد أصدقائي وآخذ منهم حشيشا، إذا امتنع الناس عن تدخين المخدرات سوف نمتنع نحن أيضا، تُبت ثلاث مرات لكنني عُدت إلى الحشيش بسبب الأصدقاء، أنا أخاف وأعلم جيدا أن هذا ذنب وأتوب منه، أيها المترجم قل لهذا الرجل إنني لا أستطيع أن أعارض كلامه وأنا مدين له وإذا لم أمتثل لكلامه ستبتلعني الأرض، قل له إنني تائب ولن أعود إلى المخدرات.

بيبه ولد امهادي: أهو خوف حقيقي أم لوثة عقل بسبب المخدر؟ وهل لنا حول أو قوة حتى يخشانا هو أو غيره؟ ولماذا لم يخشَ رجال الأمن؟ وماذا يفعل هؤلاء يحومون حول الحِما.



[فاصل إعلاني]

كيفية زراعة وتهريب المخدرات في أفغانستان

بيبه ولد امهادي: زراعة الأفيون تستغرق ثمانية أشهر يتعهد فيها الفلاح هذه النبتة الساحرة بينما تتم زراعة الحشيش صيفا وتستغرق مدة أقصر بكثير، عندما يحل موعد الحصاد يترك المزارع أجمل ما في نبتته ويتجه إلى ما يُشبه الكرة، هذه هي السنبلة تتم جراحتها بلطف بواسطة سكين خاصة يخرج منها سائل أبيض هو ما سيُحول فيما بعد حياة الكثيرين إلى جحيم وإلى ألوان شتى من المعاناة ما يهم الفلاحين في نهاية المطاف هو ما سيجنونه من هذا النبات المرير، يعودون بعد يوم أو أكثر عندما يجف السائل الأبيض ويصبح مادة بنية يتم خرطها وتجميعها هذا كل ما يريده زارع المخدرات لا الأوراق ولا القصب ولا حتى الأزهار تهمه، تبدأ الآن مرحلة أخرى في إطار دورة المُخدر هذه المرحلة هي التخزين والتهريب والبحث عن أسواق صغار المزارعين والتجار لهم باع طويل في هذا المجال وأفضل مستودع لا يخطر على بال بين المشروع وغير المشروع، بين نشاط على السطح وآخر في باطن الأرض هذه هي العلامة الفارقة الرئيسية، عدة كيلو جرامات ستجلب لصاحبها آلاف الدولارات إذا عرف كيف يُسوِّقها جيدا، الأسعار تختلف من منطقة إلى أخرى لكنها في هذه المدينة تزيد على الثلاثمائة دولار للكيلو جرام الواحد لأنها لا تبعد كثيرا عن الحدود وما وراء تلك الحدود هو الذي يتلقف هذه المادة ويحدد سعرها في الأسواق العالمية لا سيما عندما تتم معالجتها كيمائيا لتصبح هيروين أو كوكايين، هنا أربع سيارات تمكنت أجهزة الأمن الأفغانية من مصادرتها بعد مطاردة طويلة وتبادل لإطلاق النار مع المهربين الذين احتُجِزوا وأودعوا السجن، خرجت الشرطة غانمة هذه المرة وها هي الكمية المُصادَرة أربعة آلاف كيلو جرام من الأفيون وبنادق وذخيرة القيمة الإجمالية في حدود مليون ومائتي ألف دولار.

"
استنادا لوثائق مكتب الأمم المتحدة للمُخدِّرات والجريمة فإن عائدات المخدرات في أفغانستان تبلغ 2.8 مليار دولار
 "
حبيب الله قادري

حبيب الله قادري: استنادا إلى مكتب الأمم المتحدة للمُخدِّرات والجريمة فان عائدات المخدرات في أفغانستان تبلغ مليارين وثمانمائة مليون دولار لكن في الواقع ما يحصل عليه الفلاحون هو ستمائة مليون دولار والبقية للمُهربين لا ندري ما إن كانوا يدخرونها في أفغانستان أو يستثمرونها في الخارج.

فلاح أفغاني: لو كان بالإمكان القضاء على المخدرات وإعمار أفغانستان لنجح الروس في ذلك فقد رشوا المبيدات ونثروا المواد الكيميائية على الحقول كما جاءت طالبان بسياطها ولم تنجح في القضاء عليها وقسما بالله لن تتمكن السلطات الحالية من القضاء على المخدرات عن طريق القوة وما لم تكن هناك بدائل وتتم تسوية جميع المشكلات وحفر الآبار وتعبيد الطرق وبناء المدارس.

بيبه ولد امهادي: ها قد قادنا الفلاح إلى واحد من المواضيع المثيرة للجدل لماذا انخفضت المحاصيل والمساحات المزروعة بالمخدرات في عهد طالبان ولماذا ازدهرت تلك الزراعة بعد سقوط الحركة؟ أرقام الأمم المتحدة والحكومة الأفغانية تُشير إلى تصاعد كبير عام 2004 في مختلف أنحاء البلاد وخاصة في هلمند التي زُرِع فيها أكثر من تسعة وعشرين ألف هكتار تليها ننغرهار بأكثر من ثمانية وعشرين ألفا ثم بادخشان بخمسة عشر ألف وستمائة هكتار وأوروزغان بإحدى عشر ألفا.

حبيب الله قادري: أعتقد أن السبب هو أن طالبان كانت تستخدم القوة ومن جهة أخرى كانت هناك كميات كبيرة من المخدرات في المخازن وربما كان على أصحابها الكف عن زراعة المزيد حتى ترتفع الأسعار.

مواطن أفغاني: عندما أعلنت طالبان عن منع زراعة المخدرات التزم كثيرون من خلال إعلان واحد أما إعلان الحكومة الحالية فلا يعيره الناس انتباها.

بيبه ولد امهادي: نعود إلى صاحبين فهما ما زالا منزويين يدخنان سألناهما عما يشعران به وهما يتناولان المخدرات قال الشاب أشعر بأنه في الفضاء يسبح بينما قال العجوز.

مواطن أفغاني: أنا رجل من سكان الأرض ولست من السماء الناس يدخنون المخدرات للمتعة وأنا أدخن لأنسى شهدائي ومشكلاتي، هم يدخنون تلذذا وأنا أدخن بسبب الغم.

بيبه ولد امهادي: حرب أخرى تخوضها أفغانستان العدو فيها موجود على امتداد البلاد يظهر ويختفي حسب المواسم وحسب قدرته على التنقل إلا أن خسائرها مثل خسائر الحروب الأخرى من الجسامة بحيث لا يمكن إخفاؤها والقافلة تسير، آراء وآراء مضادة تفسيرات وتأويلات لمنشأة الظاهرة وسُبل التخلص منها، مَن قال إن المخدرات قدر محتوم على أفغانستان إلى الأبد؟ ألم تقضي عليها كل من باكستان وتايلاند في عقدين من الزمن؟ المؤكد أن القضية ليست أفغانية فحسب فهي دولية بامتياز دولية على مستوى شبكات التهريب ودولية على مستوى المستفيدين منها والمكتوين بنارها ومن ثم فإنها تقتضي معالجة دولية. السلام عليكم.