- مصارعة الثيران بين التأييد والمعارضة
- مصارعة الثيران بين التجارة والتراث

تيسير علوني: في مكان ما من هذه الساحة أوائل القرن الماضي كتب الشاعر الأسباني فدريكو غارثيا لوركا قصيدة مشهورة في رثاء صديقه مصارع الثيران إغناثيو مخيس ومن مثل هذه الساحات استوحى رسامون كبار من أمثال غويا وبيكاسو لوحات شهيرة حاولوا فيها تخليد لعبة مصارعة الثيران التي كانت تتمتع بشعبية واسعة لدى المجتمع الأسباني ولكن ومع بداية مسيرة التحول الديمقراطي قبل أكثر من ربع قرن بدأت تواجه منتقدين ومعارضين بدعوى أنها تتضمن ممارسات وحشية وتعذيب ضد الثيران، كيف تجري لعبة مصارعة الثيران التي أصبحت فجأة مثارا للجدل داخل المجتمع الأسباني وما هي تفاصيلها وما هي مراحلها؟ حفلة المصارعة تنقسم إلى مراحل تبدأ بدخول الثور الأول إلى الساحة وهو من سلالة خاصة تسمى برابو أي الشجاع أو الباسل أو الأصيل، يدخل بكامل عنفوانه كتلة من العضلات القوية وقرنان معقوفان مدببان يثيران الرعب في أكثر القلوب شجاعة، يتولى مصارعون مبتدؤون مشاغلته وقيادته إلى حيث يكون المصارع الرئيسي الذي يبدأ بمحاورته بواسطة قطعة قماش حمراء تُشبه المعطف في عملية تبدو وكأنها اختبار للقوة بين الطرفين، المرحلة الثانية يتولى فيها فارس طعن الثور على ظهره برمح ذي سنان قصير في عملية تهدف إلى إحداث نزيف يستمر طيلة مدة الصراع الذي يدوم عشرين إلى خمس وعشرين دقيقة لكل ثور.. ثم تبدأ مرحلة أخرى يتولى فيها عدد من المصارعين إدخال ثلاثة أزواج من السهام في ظهر الثور تزيد كمية الدم النازف أصلا بسبب طعنة الرمح.. ثم يعود المصارع الرئيسي إلى مداورته ومحاورته واستفزازه مُعرضا نفسه لخطر لعله أصبح نسبيا بعد أن ضعفت قوى الثور بسبب النزيف المستمر الذي يسبب له حالة من العطش الشديد، الموسيقى التي يتم عزفها أثناء لعبة مصارعة الثيران هي موسيقى خاصة تشتهر بها أسبانيا وهناك رقصات تصمم على أنغامها، هذه الموسيقى تصاحب لعبة المصارعة وتواكب مراحلها منذ دخول الثور إلى الساحة راكبا وحتى خروجه منها سحبا، بعد أن يتأكد المصارع من أن غريمه أصبح في حالة قد لا تؤهله للاستمرار على الوتيرة نفسها من القوة والعنفوان يشرع في اختيار اللحظة والوضعية المناسبة لتوجيه الطعنة الأخيرة إلى الثور.. وهي طعنة تتم بواسطة سيف خاص ذي انحناءة خفيفة في نهايته والهدف منها هو تسهيل دخول السيف بشكل عمودي في ظهر الثور بطريقة تؤدي إلى اختراق قلبه.. ومع أن الطعنة تنجح في كثير من الأحيان في تحقيق الهدف إلا أن الثور لا يفارق الحياة بسرعة مما يستدعي الحاجة إلى طعنة أخيرة تستهدف البصلة السيسائية في مؤخرة الجمجمة وهي تُحدث شللا يؤدي إلى موت الثور اختناقا على الأرجح، بعد انتهاء المصارع من عمله بنجاح يتجه إلى تحية الجمهور وانتظار الجائزة، انتهت مرحلة من حفل المصارعة ولكن الجدل حول هذا التقليد العريق داخل المجتمع الأسباني لم ينتهي بل يمكن القول أنه بدأ منذ فترة قصيرة مع ظهور جمعيات الرفق بالحيوان التي واكبت مسار التحول من النظام الديكتاتوري إلى النظام الديمقراطي منذ نحو ربع قرن فقط، مع ما رافق هذا المسار من إطلاق للحريات وتغيير في طريقة التفكير خصوصا لدى الطبقة الشابة في المجتمع.. وبهذه الطريقة وبعد أن يُسحب آخر ثور من الحلبة ينتهي حفل مصارعة الثيران ولكن الجدل المُثار حول هذه اللعبة يستمر، جدل لعل أسبابه تبدأ من هنا مما وراء هذه البوابة التي يجتازها الثور لآخر مرة في حياته.


مصارعة الثيران بين التأييد والمعارضة

أنتونيا رودريغيث- ناشطة في حقوق الحيوان: التشاكيرو الذي يحبس فيه الثور قبل خروجه إلى الحلبة بأربعة وعشرين ساعة هو عبارة عن غرفة مظلمة وضيقة لا يستطيع الثور أن يتحرك فيها ومهمتها هي إصابة الحيوان بمزيد من الوطأة وبالتالي عندما يغادر الثور هذا المكان المغلق والمنعزل ويدخل الحلبة وسط الضوء والصياح.. فهو مصاب بمزيد من الحيرة لتعرضه لطعنه بالرماح لإصابته وإغضابه.

خوسيه روسا- بيطار بحلبة مصارعة: إن الثور في مكان مظلم ينتظر ما سيحدث ولدى خروجه تُفتح البوابة ويتم استدعائه وسط الضجة والضوضاء وهذا شيء غريب تماما على الثور.. ثم يفتح باب تشاكيرو ويتم استدعائه مرة ثانية وهو يرى الضوء في نهاية النفق ويخرج بمنتهى قوته بحثا عن الضوء والضوضاء التي تستفزه وفجأة يخرج إلى الضوء في ساحة غريبة مليئة بالضجيج بسبب كثرة الجمهور فأول ما يقوم به الحيوان هو الشرع في الركض والدفاع عن نفسه.

أنتونيا رودريغيث: هناك شكاوى تقدمت بها جمعيات حقوق الحيوان حول ما يتعرض له الثور إلا أن هواة المصارعة ينفون ذلك ولكنه تم إثبات دهن عيني الثور لمنعه من الرؤية وتعرضه للضرب ودهن أرجله بمادة حاكه كي يتزحزح عن مكانه ويستطيع المصارع إظهار شجاعته.

خيسوس فيرنانديث- مساعد مصارع: نعم قرأت مثل هذه الحكاية ولكنها أكاذيب وحتى قرأت أنه تُرمى على الثور أكياس من الأسمنت كي يدخل الحلبة وهو متهالك القوى وهذا غير صحيح على الإطلاق فعندما يدخل الثور الساحة يكون بكامل قوته ثم يتعرض في الحلبة لأشياء مختلفة والحلبة غريبة على الثور إلا أن ذلك لا يعني تعذيبه على الإطلاق، إن الثور لا يتعرض للتعذيب وثمة دراسات عدة تؤكد ذلك.

أنتونيا رودريغيث: مهمة الفارس نزف دم الثور وإصابته كي لا يكون في منتهى شجاعته ولا يهاجم المصارع بكافة متانته وبعد إصابته بتمزق عضلي ونزف دم فلا يهاجم بالطريقة نفسها وبإمكان المصارع إبراز مهارته.

"
هدف الفارس ليس تأليم الحيوان، بل تخفيف حدة الاحتقان الذي يعاني منه الثور لأن نزف الدم في عنقه يخفض الضغط الدموي، فيقوم الفارس بطعن الثور لتخفيف شدة توتره
"
      خوسيه روسا

خوسيه روسا: إن هدف الفارس البيكادور ليس تأليم الحيوان على عكس ما يمكن أن يُفهم، بل تخفيف حدة الاحتقان الذي يعاني منه الثور لأن نزف الدم في عنقه يخفض الضغط الدموي وهذا الانخفاض في الضغط بالإضافة إلى الركض وسط الحر والنشاط المكثف قد يثير الاحتقان والموت فيقوم بطعن الثور لتخفيف شدة توتره.

أنتونيا رودريغيث: إن المناخس نوع من السهام طولها 10 سم تقريبا، أنا لست خبيرة في هذا الموضوع ولكن هدفها إضعاف الحيوان وطعن الثور في فقراته كي يقع على الأرض قبل القضاء عليه بالسيف.

خوسيه روسا: في البداية توضع المناخس وهذه المناخس بمثابة منشطات صغيرة أو طعنات صغيرة على عظم الكتف وهذا يزيد من شجاعة الحيوان وشراسته ولا يسبب هذا سوى ضرر خفيف على مستوى الجلد وبالتالي فإن الحيوان لا يحس بأي ألم تقريبا.



[فاصل إعلاني]

مصارعة الثيران بين التجارة والتراث

أنتونيا رودريغيث: إن السيف الذي يصل طوله إلى متر واحد وظيفته طعن الثور واختراق قلبه لقتله، معظم المصارعين يخطؤون ويمزقون رئتي الثور بحيث لا يموت فورا بل شيئا فشيئا بعد تمزيق أعضائه الحيوية ورغم ذلك فإن الثور حيوان مكابر وهو سبب اختياره.. فمن وجهة نظر هواة المصارعة فإن الثور يقدم استعراضا رائعا.

خوسيه روسا: وحان الوقت الذي يرى فيه أنه لابد من قتل الثور لهذا قرب أجله وتبدأ مرحلة السيف، لماذا يُقتل الثور في نهاية الحفلة.. لماذا؟ ليس السبب تعظيم المصارع ولا تعظيم أحد، إن السبب هو أن الثور يتعلم ويتعلم بسهولة رائعة وإذا وقف أي شخص أمامه مرة أخرى فإن الثور سيهاجمه مباشرة.

تيسير علوني: وهكذا فالمجتمع الأسباني مُنقسم حول هذه اللعبة إلى ثلاث شرائح، إحداها تؤيد هذه اللعبة ولا ترى فيها أي انتهاك لحقوق الحيوانات بدعوى أنها لا تتألم أو أنها تتألم ولكن ليس كالإنسان وأخرى تعارض مصارعة الثيران وترى فيها جريمة في حق الحيوانات وربما يرونها عنوان لنوع من التخلف لدى المجتمع الأسباني، أما الشريحة الثالثة فلا تبالي بما يحدث أو إنها حائرة في اتخاذ موقف منها خصوصا وأن بعض الشخصيات الرسمية كملك أسبانيا تحرص على رعاية بعض حفلات المصارعة ولكن هل يفوق عدد مؤيدي هذه اللعبة عدد معارضيها كما يقول البعض.

أنتونيا رودريغيث : لا أبدا هناك معهد جالوب يقوم باستطلاعات للرأي سنويا ويطرح أسئلة متعلقة بمصارعة الثيران، مثل إلى أي درجة تعجبك الحفلة كثيرا، بعض الشيء أو لا شيء؟ وفي عام 2002 أجاب 10% فقط بأن المصارعة تعجبهم كثيرا و21% ببعض الشيء أما 69% فأجابوا أن الحفلة لا تعجبهم وهذا يعني أننا نمثل الأغلبية.

مصورة: لأنه لا يتم تعليم مصارعة الثيران في المدارس العادية مثل كرة القدم فإن عالم مصارعة الثيران لا يجري تعليمه في أي مكان وبالتالي من الصعب أن يتعلمه أحد إلا إذا كان هناك فرد من العائلة من هواة المصارعة.

أنتونيو ثوبالديا– طالب علم الفيزياء: قد يؤيد 50% مصارعة الثيران وقد يرفضها 50% وهذا يتعلق بالسِن، الآن القضية تتعلق بالسِن أكثر مما تتعلق بأي اعتبارات أخرى وقد يمثل الكبار في السِن أو المسنين فئات المجتمع المعجبة بالحفلة.

تيسير علوني: ومن الغريب أن موضوع يحظى بهذا المستوى من الجدل بين شرائح المجتمع في داخل وخارج إسبانيا لا يتم التطرق إليه من قِبل الأحزاب السياسية التي اعتادت إدراج كبائر الأمور وصغائرها في برامجها الانتخابية.

كارلوس ايرناندز– مسؤول المكتب الإعلامي للحزب الاشتراكي: لا تريد الأحزاب الحديث عن القضية لأنها تدرك أنها ستخسر عددا من الأصوات مهما كانت مواقفها، بصفة عامة مصارعة الثيران هي من العادات الأصيلة في البلاد وتثير عواطف كثيرة منها المؤيدة لها والمعارضة لها أيضا.. ولكنها مرسخة في المجتمع الإسباني إلى درجة أنه أي حزب يتجرأ على فرض قيود على الحفلة ومنعها فسيجد أمامه معارضة من جزء من المجتمع ولا يتجرأ أحد على مسك الثور من قرنيه ومواجهة القضية.

أنتونيو ثوبالديا: لم نجد ولو داخل حزب واحد آراء موحدة ولقد شاهدنا مؤخرا أنه تم التصديق في برشلونة على بيان رسمي مضاد لمصارعة الثيران وأصبحت برشلونة المدينة الأولى والوحيدة التي رفضت الحفلة ولكن عملية التصويت كانت سرية.

تيسير علوني: هذه اللعبة تشكل تجارة رابحة بالنسبة لمربي الثيران ومتعهدي ساحات المصارعة وأرباب الخدمات المرتبطة بها وللمصارعين بطبيعة الحال، في ثمانينات القرن الماضي مَنعت الحكومة وضع الإعلانات على الطرق الخارجية إلا أنها استثنت إعلان واحد لنوع من الخمور التي تنتجها إسبانيا لأنه يستخدم صورة الثور البرابو ورأى البعض هذا الاستثناء دليلا على أن الحكومة تعتبر مصارعة الثيران جزء أصيلا من التراث الإسباني أو على الأقل وسيلة للترويج السياحي.

أنتونيا رودريغيث: يقع على السياح جزء من المسؤولية عن بقاء أسطورة إسبانيا المرتبط بحفلات مصارعة الثيران ولو لم يدخل السائح إلى الحلبة ولم يشتري دمية لراقصة الفلامنجو وتمثال صغيرا للثور لكنا تقدمنا وحقيقة انتهز هذه الفرصة كي يعلم الناس.. ليس جميع الأسبان يهوون مصارعة الثيران.

"
الصورة النمطية للإنسان الإسباني تتمثل في أن الإسباني مصارع ينشغل صباحا في المصارعة ثم يشبع حتى التخمة وبعد ذلك ينام، وللأسف الشديد حفلة مصارعة الثيران مسؤولة عن وجود مثل هذه الأحكام
"
   أنتونيو ثوبالديا

أنتونيو ثوبالديا: سافرت خارج إسبانيا وما يخجلني هو ملاحظة أن الصورة النمطية للإنسان الإسباني تتمثل في أن الإسباني مصارع ينشغل صباحا في المصارعة ثم يشبع حتى التخمة وبعد ذلك ينام القيلولة حتى المساء وهذا بصراحة يجعلني أشعر بالحياء ولا يعجبني وللأسف الشديد حفلة مصارعة الثيران مسؤولة إلى درجة كبيرة عن وجود مثل هذه الأحكام المُسبقة والأجنبي الذي يصل إسبانيا يبحث عن هذه الحفلة.

تيسير علوني: إصرار جماعات الرفق بالحيوان على إلغاء مثل هذه الحفلات يبدو أنه لن يحقق نتيجة في المستقبل القريب على الأقل لأن شريحة واسعة من المجتمع الإسباني ترى فيها جزء من التراث الثقافي والهوية التاريخية لهذا البلد، الأخطار الذي يواجهها مصارع الثيران قد لا تبدو أبعادها واضحة إلا عندما يقع المحظور ويتمكن الثور من إصابة المصارع وقد سُجلت حالات وفاة لأشهر المصارعين في إسبانيا بسبب لحظة غفلة أو تهور، أما المصارعون من ذوي الخبرة كهذا الذي تجاوز عمره خمسين عاما فلا يغامرون بحياتهم ولدى شعورهم ولو للحظة بفقدان التوازن أو السيطرة على الثور فإنهم يتصرفون بطريقة قد تثير الضحك لدى الجميع إلا المصارع الخبير الذي يعرف أكثر من غيره عواقب التهور، الثيران المعدة للمصارعة يتم انتقاء نماذجها بعناية من سلالة البرابو وتُربى في مزارع واسعة إلى أن يبلغ عمر الثور أربع سنوات ويحقق بعض المقاييس اللازمة لدخوله حلبات المصارعة بمستوياتها المختلفة.

خوان ريبويو- مصارع ثيران: الثور الذي يدخل الحلبة يبلغ من العمر أربع سنوات ووزنه الأدنى يختلف حسب الحلبة وعلى سبيل المثال هنا في حلبة غرناطة التي تُعتبر من الدرجة الثانية يصل وزنه الأدنى إلى أربعمائة كيلو أما الوزن الأقصى فيتراوح بين حدود معينة وطبعا ثور يزن سبعمائة كيلو غير قادر على التحرك.

تيسير علوني: تدريب المصارعين يتطلب وقتا طويلا ويجري في مدارس خاصة يتلقون فيها إعداد أوليا ليصبحوا مصارعين متدربين أو مساعدين ويجري تأهيلهم في البداية لمصارعة ثيران تبلغ من العمر ثلاث سنوات كحد أقصى إلى أن يثبت المصارع جدارته وأهليته لدخول حلبات الدرجة الأولى ومنازلة ثيران مكتملة النمو، الملابس الخاصة بمصارع الثيران يستغرق ارتدائها وقتا طويلا ولا يستطيع المصارع ارتدائها لوحده بل لابد له من مساعدين.. ويحرص كثيرا من مصارعي الثيران على إجراء طقوس خاصة يغلب عليها الطابع الديني قبل دخولهم الحلبة ربما لما تنطوي عليه لعبتهم من خطورة، يقول الكاتب الغرناطي لسان الدين بن الخطيب المتوفي في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي في وصف الطريقة التي كانت تجري فيها حفلات مصارعة الثيران في عهده "يُطلق الثور أو بقر الوحش ثم تطلق عليه كلاب اللان المتوحشة فتأخذ في نهش جسمه وأذنيه وتتعلق بهما كالأقراط وذلك تمهيدا للقاء المصارع الذي يكون فارسا مغوارا يصارع الثور وهو على فرسه ثم يقتله في النهاية برمحه" إذاً فهذه اللعبة كانت موجودة في أواخر العهد الإسلامي في الأندلس ثم تطورت لتصبح لونا خاصا من ألوان مصارعة الثيران في الوقت الحاضر وتشترط مهارة كبيرة لدي المصارع وحصانه.