- آتشه.. الوضع الاجتماعي بعد تسونامي
- تسونامي وصراع الانفصال في آتشه

- المساعدات الإنسانية ودور الحكومة الإندونيسية


ليلى الشايب: آتشه.. الجنة المسكونة بالحب والجمال، في لحظة من لحظات أواخر العام 2004 تغيرت إلى الأبد، استبد الرعب بأهلها، رعب قادم من أعماق المحيط.. تسونامي ضرب بأعتى قوته فدمَّر كل شيء وما لم يقو عليه طمس معالمه.. لولا أشجار جوز الهند العتيقة الشاهقة وهذه القباب التي تشهد أن المكان هو نفسه ولكن في زمن آخر يقترب من الخيال، آتشيه كمكان أصبح ذكرى محفوظة في الصور إن حفظت، خلا بعد تسونامي من سكانه بين أموات وهاربين إلى مناطق يعتقدونها أكثر أمنا ومن بقي أدرك أن حياته منذ ذلك اليوم تغيرت ولكي تستمر عليه أن يعدِل بوصلته على اتجاه جديد غير واضح لأن كل شيء مؤقت، البحث عن بقايا الأشياء أصبح نشاطا يوميا يستيقظ له البعض باكرا ليغنم ما لم تطله الأعين والأيدي بعد.. حتى وإن جاور الموت، الموت الذي أصبح مألوفا حتى في أكثر صوره قسوة على طرق اختفت خطوطها بفعل الماء والطمي، أصبحت عربة البِتْشا الوسيلة الآمنة، يضع فيها الأب أرواح من بقي من أسرته يحملون مصيرهم على متنها بعيدا عن جدران أو أسقف قد تتزعزع من جديد ويصبح الانتظار الصبور أمام محطات الوقود في أرض غنية بالثروة النفطية ممارسة يومية في حرارة ورطوبة خانقتين وتعجب كيف لا تسمع من يتذمر بل هناك من يجد الوقت مناسب للتأمل فيما اعتبرها حكمة وراء الكارثة.



 



آتشه.. الوضع الاجتماعي بعد تسونامي

مرزوقي- أحد الناجين من تسونامي: الجميع كان يأتي إلى إقليم آتشيه والعاصمة باندا آتشيه وهذا الإقليم كان يستعد لبدء تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، كان على الجميع أن يكون ملتزما بهذه الشريعة ولكن الغالبية لم تكن تهتم وعلماء الدين كانوا يدعون الناس بإلحاح للالتزام بأوقات الصلاة وغيرها من الفروض رغم أن جميع السكان هنا مسلمون، عندما أتذكر الكارثة وأنظر إلى آثارها حولي أتذكر صورة ياسين.. هي تصف حالة تشبه هذه تماما.

ليلى الشايب: مئات الآلاف نجوا من الموت والإصابة ولكنهم وجدوا أنفسهم في العراء وفي مخيمات نصبت على عجَل كمخيم متا إي، سكنوا وقبلوا عنوةً نسيان شيء اسمه خصوصية أو حميمية في تمسك غريزي بالبقاء انصهر فيه الكل بالكل، في خيمة كهذه لا يزيد طولها على عشرة أمتار ينام أكثر من عشرين فردا من خمس عائلات وأكثر وتستوقفنا مشاهد كهذه ولكنها لا تستوقف أحدا هنا.. أو هذه حيث نصف جوز الهند تصبح إناءً في غياب الصحون إشارة إلى كم الحنان الذي تمنحه الطبيعة رغم ما يقال عن قسوتها أحيانا وكلما تقدمتَ خطوة في هذا المخيم رأيت وسمعت المزيد حتى ما يتناقض مع محافظة غالبة على مجتمع آتشيه ولكنها الحاجة بالتأكيد واللغة التي تتغلب على الحرج والحياة عندما يكون المخاطب أجنبيا والطلب مُلِحًّا.

إحدى الناجيات من تسونامي: أريد منك بعض المال لأشتري ملابس داخلية، لا أملك هذا الثياب فقد فقدته في الفيضان.

ليلى الشايب: فُقِدت الخصوصية ولكن لم تفقد القناعة بالقليل وتقاسم ذلك القليل في عيد الأضحى الذي حلَّ وهم في هذه الحال في انتظار أيام أفضل، المخيمات تجمع العائلات أو من بقي منها أما هذه الدار، دار الإحسان فتجمع الأيتام، تسونامي حسب الإحصاءات الرسمية خَلَّف خمسين ألف يتيم أثار وضعهم زوبعة وتصدت السلطات والجمعيات الأهلية لأي محاولة للمساس بهم أو الاقتراب منهم لاسيما من جهات أجنبية واشترطت على من يرغب في مساعدتهم أن يساعدهم وهم في أرضهم وليس بإخراجهم من إندونيسيا، رغم البؤس فإن الحال هنا قد يكون أفضل منه في الخارج، بعد الكارثة لا شيء تغير في حياة هؤلاء الأيتام سوى أن عددهم زاد والمكان ظل على ضيقه والإمكانيات على شحها مع هامش صغير لسخرية مريرة تعقبها عودة سريعة إلى صرامة وروتين الأنظمة الداخلية، روتين محبب إلى النفس التي تحن دائما إلى هذه المقاعد وهذه الأصوات. غير بعيد وعلى غرار الأحزاب السياسية والجمعيات التي نزلت بسواعدها للمساعدة، نزل الجيش أيضا إلى الميدان ليصبح جزء من المشهد الإنساني العام على رغم العلاقة غير الودية والحذرة مع سكان آتشيه تحديدا وجمعتهم الصلاة ولحظات حزن وتأمل في رحاب مسجد بيت الرحمن الذي صمد في وجه الكارثة ولكن تلك اللحظات ليست سوى استراحة المحارب إذ للعلاقة بين الجيش وآتشيه وجه آخر.



[فاصل إعلاني]

تسونامي وصراع الانفصال في آتشه

ليلى الشايب: الصراع على انفصال إقليم آتشيه هو أقدم الحروب الانفصالية في آسيا، اندلع عام 1976 ولا يزال مستعرا إلى يومنا هذا، قتل فيه اثنا عشر ألف شخص في مواجهات صعبة صعوبة جغرافيا الإقليم ثم جاء تسونامي ليضيف إلى القائمة ما يقرب من مائتين وأربعين ألف قتيل ورغم عقم الصراع واختلال ميزان القوى تستمر المواجهة مكشوفة أحيانا صامتة أحيانا أخرى ولكنها في صمتها كالنار تحت الرماد.. مدينة كورنجرايا المعلقة بين البحر والجبل تختصر أوجه آتشيه المتناقضة وتحمل الإجابة ولو رمزيا على السؤال التالي، لماذا تمرد هذا الإقليم على الحكومة المركزية ولماذا يريد الانفصال؟ الآتشيون يقولون أن إقليمهم غني بشتى الثروات أهمها النفط ولكن القليل.. القليل يذهب إليهم فيما يذهب الكثير المتبقي إلى جاكرتا والشركات الأجنبية، لهذا صعد المتمردون إلى هذه الجبال وأعلنوا العصيان بلا هوادة حتى في ظروف الكارثة.

ليلى الشايب: أصبح عناصر جام أو حركة آتشيه الحرة القياديون مصنفين إرهابيين، صورهم في أكثر من مكان وعلى رؤوسهم مكافآت لمن يُبَلِّغ عنهم وحتى وإن أهتم أحد بالتدقيق في الصور التي اختلطت بوجوه المفقودين في تسونامي فبدافع الفضول ليس إلا، كثيرون وإن لم يجاهروا يجدون مبررا للحركة في مسعاها الدؤوب للانفصال وليس الآتشيون العاديون فقط الذين يظهرون هذا التفهم بل حتى المسؤولون الرسميون.

أزور أبو بكر– نائب محافظ إقليم آتشيه: العدل والرفاهية في آتشيه هو ما يمكن أن ينهي الصراع، نفهم أنهم محرومون من عدد من الأشياء والذين تمردوا هم أصناف، هناك الذين تيتموا بعد أن قتل آبائهم وهناك المسيسون الذين اختاروا الانضمام إلى المعارضة ولكن كلهم هدفهم واحد وينبغي أن نحل مشاكلهم حسب الأولوية.

ليلى الشايب: لم ينسى الآتشيون معاملة الحكومة القاسية للإقليم لتأديبه، منعت عنه خيراته ومنعت عنه مساعداتها وذهبت إلى حد الطلب من البنك الدولي أواسط عام 2003 إيقاف برنامج مساعدات للإقليم بقيمة سبعة ملايين ونصف مليون دولار.

"
آتشه أكبر منتج للغاز وتتميز أرضها بالخصوبة وموقعها إستراتيجي، وإذا حصلنا على استقلالنا نرغب في التعاون مع بقية بلدان العالم للإفادة من ثروات الإقليم
"
 مالك محمود

مالك محمود– رئيس الوزراء في حكومة آتشيه في المنفى– السويد: حاليا آتشيه هو أكبر منتجي الغاز في هذه المنطقة من العالم وأرض آتشيه هي أرض خصبة وغنية بثروات أخرى، أيضا موقع إقليم آتشيه جيوسياسيا استراتيجي جدا بالنسبة للتجارة والاتصالات ويندر أن تجتمع كل هذه المواصفات في منطقة واحدة، بالنسبة لنا نحن الآتشيون إذا حصلنا على استقلالنا فإننا نرغب في أن نتعاون مع بقية بلدان العالم في الاستفادة من ثروات الإقليم، هذه تصوراتنا للمستقبل أما الآن فإن جاكرتا تغتصب آتشيه وخيراته ولا نستفيد نحن شيئا.

ليلى الشايب: في زمن الكوارث يُعْتَقَد أن لا مكان للسياسة وحساباتها ولكن تسونامي الذي أخذ الجميع بغتة كشف عجز الجميع حكومة ومتمردين، كانت تلك فرصة لتصحيح الوضع والمصالحة مع أهل آتشيه ولكن الفشل كان نصيب الطرفين والمتمردون بالذات كانوا هم أنفسهم بحاجة إلى من ينقذهم عندما زحف الموج عليهم في هذه الجبال التي اعتقدوا دوما أنها ملاذهم الآمن.

مالك محمود: من حسن الحظ أن القادة والمقاتلين في حركة آتشيه الحرة كانوا في مأمن إلى حد ما في مناطق معينة من الجبال والغابات أما من خسرناهم فقد كانوا موجودين في المنطقة المحاذية للشاطئ والتي ضربها تسونامي بقوة.

ريحان اسكندر– رئيس حزب العدالة والرفاهية: لقد أُنْهِكَ المتمردون من حالة الطوارئ المستمرة ومن القتال، قتل منهم الكثير فبدؤوا ينسحبون ولكن هناك من يصمد لهدف تكتيكي وهو الإبقاء على الحركة وروح الحركة والاستمرار في انتظار الوقت المناسب للعودة إلى القتال.

ليلى الشايب: الإقرار بالعجز عن التعاطي الناجح مع كارثة تسونامي ترجمته حركة آتشيه الحرة بما يمكن اعتباره أضعف الإيمان، الدعوة إلى هدنة غير مشروطة فُسِّرَت على نطاق واسع بأنها تحرك سياسي ذكي جاء ليحرج الحكومة التي فرضت قبل يوم واحد قيودا على تحرك الأجانب من موظفي إغاثة وعسكريين وإعلاميين.

مالك محمود: ما حدث هو أنه عندما أُغْرِقَ آتشيه تحت موجة تسونامي وهو أصلا يتلقى الضربات من الجيش الإندونيسي اضطرت الحكومة لفتحه أمام العالم ليخرج عنوة من عزلته ولتدخل المساعدات الدولية وأنا متأكد من أن حكومة جاكرتا لم تكن سعيدة بذلك.. بعد أن تغير الوضع تماما وكانت أيضا فرصة لمن توقف الاتصال بينهم ليستأنفوا الحوار والبحث عن أفضل الحلول لآتشيه ليس بالنسبة إلى الآن فقط وإنما بالنسبة للمستقبل أيضا.

ليلى الشايب: ورغم اتهامات الحكومة للمتمردين بأنهم يصطادون في مياه تسونامي العكرة فقد جلس الطرفان إلى طاولة المحادثات في العاصمة الفنلندية هيلسنكي لأول مرة منذ عشرين شهرا، منذ ثمانية وعشرين عاما لم يتغير مطلب المتمردين ولم يتغير أيضا موقف الحكومة لا انفصال ولا حتى استفتاء على الانفصال مع أن الاستفتاء في المطلق قد يكون الإجابة الحاسمة لو سُئِل أهل آتشيه أي مصير يريدونه لإقليمهم ولكنهم نادرا ما يجاهرون برأيهم.

الحبيب محمد رزق شهاب– زعيم حزب الجبهة الدفاعية الإسلامية: حسب ما نعلم أن أغلب الشعب في آتشيه لا يريدون أن يتدخلون في هذا الأمر لأنه خطير لديهم لو يتكلم وفي شيء مثلا عنصر دفاع.. لجام سيقتلهم الجيش الإندونيسي وإذا يتكلم يدافع عن إندونيسيا مثلا عن الجيوش سيقتله الجام، إذاً موقف أغلب الشعب في آتشيه السكوت والتوقف الهادئ ولذلك نستطيع أن نستنتج يعني من هذا الواقع في آتشيه أن الجام ليس بالأغلب.

ليلى الشايب: ولكن رغم الصمت يجد البعض مبررات لطلب الانفصال يعترف بها حتى من لا يعترف بالانفصال حلا.

الحبيب محمد رزق شهاب: من أيام سوكارنو وسوهارتو.. يعني الحكومة الإندونيسية قتلت كثيرا من إخواننا في آتشيه، قتلت يعني أنفس كثيرة وثم أيضا.. يعني ويستحلون.. العسكر يستحلون نسائهم ويقتلون رجالهم، إذاً نحن نفهم لماذا هؤلاء غضبان وزعلان ويطلبون الاستقلال من إندونيسيا.. وبالزيادة إلى ذلك آتشيه ولاية غنية ولكن للأسف الشديد الحكومة المركزية في جاكرتا يعني ما تحكم بالعدل يعني 2% من.. نحن نقول إيش من ثروات آتشيه هذا لآتشيه و98% لجاكرتا وهذا غير عادل، المفروض 90% لآتشيه، إذاً آتشيه ولاية غنية ولكن الناس مساكين فقراء هذا طبعا يسبب يعني غضبان وزعلان في آتشيه هم يعني يشعر كأنهم ليس من الإندونيسيين ولذلك يعني يطلبون الاستقلال ويتحركون.. إذاً من هذه الناحية نفهم.

ليلى الشايب: لولا تسونامي، يقول الباحثون عن الحكمة وراء المصائب لما تقارب الخصوم، هو فرَّق ودمَّر وحطَّم آمالا ولكنه أوحى للبعض بضرورة منح الأمل ولو رمزيا وظاهريا وببزة عسكرية يتحدث حاملوها لغة متصلبة قد تذهب بذاك الأمل.

رياميزات رياكودو– قائد القوات البرية في الجيش الإندونيسي: نحن كالجسد الواحد وفي نفس المركب، كقائد في الجيش الإندونيسي أشعر أن آتشيه جزء من بلدي الموحد ولا يمكن فصلها وعلى هذا لا تفاوض نحن ننتظر أن يستسلموا ووعد إذا استسلموا فستنتهي معاناة الجميع.

ليلى الشايب: تسونامي ضرب إقليم آتشيه لدقائق ودمره تدميرا وخلط الشجر بالحجر بالبشر ولكنه خلط معه أيضا أوراق السياسة في الداخل والخارج هو انتهى ولكنه فتح آفاقا ضبابية للصراع على الانفصال يراد إنهاؤه بالاستسلام لا بالحوار كما أصبح العسكريون يرددون وأرسى مفهوما جديدا للتعاون الدولي الإنساني يسميه كثيرون غزوا إنسانيا لا أحد يعرف في غمرة الفوضى كيف يدخل الأرض المنكوبة ويستقر وبدونه لا حياة لمن بقوا على قيد الحياة ولكن إلى متى؟



[فاصل إعلاني]

المساعدات الإنسانية ودور الحكومة الإندونيسية

ليلى الشايب: كان سباقا ضد الزمن ومع الطبيعة ذلك الذي خاضته الحكومة الإندونيسية وأجهزتها لتدارك آثار الكارثة ولكنها خسرت السباق بحرا وبرا وجوا وتوقفت آلاتها عن العمل حتى قبل أن تبدأ، تراجعت بصمت خجول مؤقت لتفتح الإقليم المغلق والمعزول لأول مرة منذ زمن أمام العالم، أسماء وشعارات لعشرات المنظمات الدولية المعروفة وغير المعروفة سكنت الإقليم في أيام معدودة ساعدها حسن تنظيمها وتطور أجهزتها وخبراتها على النزول والاستقرار بسرعة فاقت التوقعات وبدون أي تدخل من أحد حتى الحكومة نفسها، بعضها وصل بعد يومين فقط من عبور تسونامي هذه الأرض المنكوبة عندما كان مستحيلا إيجاد موطئ قدم فيها بفعل الفيضان.

بيرنت أبلند– الناطق بأسم منظمة وورلد فيجن للإغاثة: لم نتلق أي تعليمات من الحكومة الإندونيسية حتى الآن بأي شأن من الشؤون، نقوم بما تعودنا أن نقوم به في ظرف كهذا في مناطق صراع متشابهة في العالم سواء في أفغانستان أو السودان أو غيرهما والحكومة لم تتدخل أبدا في عملنا، في الحقيقة الحكومة أخذت بالكارثة التي فاجأتها وفاجأت غيرها ولم تدر كيف تتصرف، هناك الكثير من موظفي الدولة الذين قتلوا في باندا آتشيه وبطرق شتى يحاولون إعادة تنظيم أنفسهم وهم مشغولون حتى إنهم لم يناقشونا في شيء.

ليلى الشايب: وعندما بدأ الحديث عن العون والإغاثة لم تُذْكَر الحكومة الإندونيسية إلا في سياقات معينة أما العناوين البارزة فكانت من قبيل العالم يهب لنجدة ضحايا تسونامي.. وفي غمرة هذا الزحف والعالم كله يُنْصِت لأنَّات الضحايا ويفتح عيونه بدهشة على دمار غير مسبوق بدت الدولة حريصة على صون هيبتها وتسجيل حضورها عبر تصريحات حينا وإجراءات غير متماسكة أحيانا أخرى.

أزور أبو بكر: من المهم التأكيد على أننا نحن دعوناهم لمساعدتنا ثم نبدأ في بناء قدراتنا الذاتية، هم لا يستطيعون أن يتصرفوا بمعزل عنا وبدون رغبتنا ولكنهم أيضا يعرفون حدود ما يمكن أن يعطوننا وما لا يمكن، لا يجوز أن توجه الدعوة إلى أحد ثم تقول له فجأة ارحل نحن بحاجة للعون وبعد أن نحصل عليه نقول شكرا.

ليلى الشايب: ولكلٍّ روايته وتفسيره وحتى انتقاده الصريح.

ستيفن غوين فوغان– مساعد مدير منظمة كير الإنسانية: يجب التمييز بشكل خاص بين العسكريين وبين العاملين في الحقل الإنساني، غالبا ما يكون دور العسكريين في الأيام الأولى للكارثة غير واضح بل ويتسبب في حدوث مشاكل، عندما يأتي العسكري وبيمينه يمسك السلاح وبشماله يقدم الطعام للضحايا فهذا أمر صعب.

ليلى الشايب: تسعة آلاف وأزيَد من العاملين في منظمات الإغاثة الدولية موجودون في الإقليم حتى أنك أحيانا لا ترى غيرهم في شارع كهذا يتنقلون ويقدمون كل أشكال العون لمن بقوا على قيد الحياة وباتوا يعرفون جغرافيا الإقليم ربما أكثر حتى من بعض سكانه، بعض هذه المنظمات استعان بشباب إندونيسي من آتشيه وغيره لكسر حاجز الحذر في التعامل مع السكان، شباب من خيرة الشباب المتعلم والمتطوع واستأجر بيوتا من مسلمين لم يُغَيِّر فيها شيئا في رسالة ضمنية تقول نحن ضيوف عندكم، ضيوف مؤقتين.

"
الحكومة الإندونيسية هي من وجه الدعوة إلى الوكالات الدولية والحكومات والعسكريين لمساعدتها على مواجهة آثار تسونامي
"
دانيال كورين

دانيال كورين– الناطق بأسم منظمة ميرسي كوربس للإغاثة: الحكومة الإندونيسية هي من وجه الدعوة إلى الوكالات الدولية والحكومات وحتى العسكريين لمساعدتها على مواجهة آثار تسونامي سنبقى هنا أطول فترة ممكنة نستطيع خلالها أن نقدم العون ولكن إذا طلبت منا الحكومة أن ننهي وجودنا هنا فسنرحل.

ليلى الشايب: هذا المستشفى الألماني المؤقت أُقيم في مكان مستشفى زين العابدين في قلب العاصمة باندا آتشيه الذي دمر الطوفان ما بداخله ولم يبق إلا على جدرانه، قصة هذا المستشفى الذي جُهِّزَ لاستقبال المرضى والمصابين في خلال اثني عشر يوما فقط في ظروف مناخية ونفسية استثنائية لا يمكن إلا أن تقف إجلالا أمام صانعيها لنجاحهم وطاقتهم على التأقلم مع ما لا تقو عليه النفس البشرية أحيانا، مستشفى بأتم معنى الكلمة وإن اختلف الشكل، عالم خاص لا علاقة له بالخارج بحرارته وغباره وروائحه المهددة للحياة، هنا يُمْنَحُ الأمل وتكتب حياة لقادمين جدد إليها ويرفض القائمون على هذا المستشفى الحديث عن أي شيء آخر سوى عن روح التطوع والتضامن، استطعنا ندخل ونرصد هذا الجهد الإنساني الواضح ولكن هناك عيون الشك التي ترصد زوايا أخرى في هذه المهمات الإنسانية كهذه اللحظات مثلا في الطابق الأول من مستشفى زين العابدين وبحضور الطاقم الطبي نفسه.. وإذا دققت النظر سترى ملامح حرب عقائدية غير معلنة بعد بين أطرافها رموز وإشارات متبادلة يفهمونها.

الحبيب محمد رزق شهاب: ما نبغي أي أجانب وخصوصا من الغرب جاء إلى آتشيه ليخرب الشريعة أو ليصوروا الأمور الدينية الموجودة في آتشيه لأن بعض الأجانب جاء في إندونيسيا للتنصيرية ونحن ما نرضى هذا.

ليلى الشايب: آتشيه يصفه العارفون بتاريخ إندونيسيا الإسلامي بالأخ الأكبر لباقي أقاليم البلاد والنموذج لنشر فكر الدعوة ولا غرو فقد كان يسمى ولا يزال بوابة مكة، منه ينطلق الحجاج إلى مكة والمدينة وشواهد باقية رغم الدمار ورغم المخاوف.

ريحان اسكندر: التغيير الثقافي والأخلاقي يصبح خطيرا عندما يكون المجتمع المستقبِل للثقافة الدخيلة في مرحلة من الوهن وبالتالي تصبح قدرته على المقاومة أكثر ضعفا وهذا ما نخشاه على مجتمع آتشيه.

ليلى الشايب: ومن تجارب سابقة بات الآتشيون يميزون بين الوجوه والنوايا وبمثل هذا الحرص على أن تداوى الجراح بأيدي مألوفة غير مستعدة للتخلي، رغم وهنها تحرص السلطات الإندونيسية على الإيحاء بأنها غير غافلة وأن عيونها متيقظة وجاء تاريخ السادس والعشرين من آذار عام 2005 كموعد نهائي لمغادرة الأجانب أرض آتشيه جاء رسالة واضحة للبعض ومشوشة للبعض الآخر.

خالد دياب– الهلال الأحمر القطري: في اجتماعات شبه خَلِّينا نقول يومية بقضايا الأمن للمنظمات الإغاثية العاملة مع مؤسسات الأمم المتحدة فتم طلب منا حقيقة بتنسيق ذهابنا بتسجيل كل الأجانب العاملين في المؤسسة بإخبارهم أين نريد أن نذهب؟ ومتى؟ ربما هو التخوف يكون من القوات العسكرية أكثر من العاملين بالحقل الإغاثي.

ليلى الشايب: بعد أقل من أسبوعين على كارثة تسونامي نزل في آتشيه أكثر من تسعة عشر ألف فرد من القوات الدولية وتحولت مطارات مدنية إلى مطارات عسكرية وازدحمت سماء الإقليم بطائرات الهليكوبتر بأعلام وشعارات بلدانها تحمل الغذاء والدواء والخيام إلى مناطق نائية مستعصية، الأستراليون بحكم قرب المسافة كانوا أول من نزلوا وإلى جانبهم البريطانيون والأسبان والماليزيون واليابان التي قامت بأكبر عملية عسكرية خارج حدودها منذ الحرب العالمية الثانية، ثلاث سفن حربية على متنها ما يقرب من ألف جندي من قوات الدفاع الذاتي ولكنها اختارت أن لا تظهر كما آخرون حريصون على الظهور ولكن ينأون بأنفسهم عن السياسية بكل وجوهها.

جيمس براون- سلاح الجو الأسترالي: لا أعرف أي شيء عن السياسيات من وراء ما يجري أنا رائد في الجيش الأسترالي أراقب الطائرات ونوصل المساعدات الإنسانية فقط ونحن نؤدي ذلك بشكل جيد.

ليلى الشايب: لا أحد يؤكد أو ينفي بصورة قاطعة ما قيل عن طلب الولايات المتحدة إقامة قاعدة عسكرية دائمة في آتشيه وهي التي تحركت بسرعة فائقة كعادتها من جزيرة أوكيناوا اليابانية القريبة مستعينة بثلاث سفن وخمس وعشرين طائرة هليكوبتر متجاوزة القوات الأجنبية الصديقة بأشواط عددا وعتادا.

نيلي– البحرية الأميركية: ليست لدينا النية في إقامة قاعدة عسكرية دائمة هنا سنبقى فقط طالما نحن قادرون على تقديم خدمات إنسانية وعلى مساعدة الحكومة الإندونيسية ثم سنرحل، لن نبقى أنا متأكد.

ليلى الشايب: واتساقا مع أو خلافا للاتفاقات الرسمية البعيدة عن العدسات والتي حتما لم يُكْشَف عن فحواها هذا ما يقال أمام وسائل الإعلام.

رياميزات رياكودو: حتى إذا رأت أميركا أن قاعدة عسكرية لها في آتشيه أمر حيوي فالقرار يعود إلينا نحن فقط.

ليلى الشايب: يرحل هؤلاء جميعا أو لا يرحلون وقد لا يهتم كثيرون بطرف الحصول على إجابة، الباقون هنا هم هؤلاء الذين تغيرت حياتهم إلى الأبد الباحثون عن إجابات لأسئلة بسيطة جدا عن مكان آمن أكثر صلابة يؤويهم لو زُلْزِلًت الأرض من جديد تحت أقدامهم وعن مفقودين لا يزال يوجد أمل في اللقاء بهم وإلى هذه اللحظة يكتفون بما يسدُّ الرمق وبما يبقيهم ملتصقين بمن نجا من الأقربين لينمحي شيئا فشيئا عن العيون شبح تسونامي ولكن ليس من ذاكرة الزمن التي دوًّنت ما دوَّنت من نوائب مرت من هنا وتركت آثارها في كل مرة.