- الطابع الإيطالي الذي يغلف المدينة

- تعدد القوميات واللغات والوحدة الشعبية

- الثنائية الدينية والتسامح اللافت للنظر

- الصراع مع أثيوبيا والتدخل الأميركي

 

 


الطابع الإيطالي الذي يغلف المدينة


مراد هاشم: وجهه وواجهتة إريتريا الجميلة، العاصمة أسمرة.. نظام ونظافة وبساطة وأمان برغم الفقر، أسمرة تحافظ على بهائها المدهش للزائرين بعمل دؤوب وبحماس سكانها الذين يصل عددهم إلى نصف مليون، في الثلاثينات من القرن الماضي وفي أقل من خمسة أعوام بنى الإيطاليون أسمرة، القرية الصغيرة أصبحت مدينة عصرية بمقاييس ذلك الزمان، تخطيطها وعمرانها ونظامها إيطالي الطابع والهوية وهي بمساكنها ومبانيها وكنائسها ومسارحها وقصورها ومعالمها كأنها تحفة معمارية نُقلت من الجنوب الإيطالي إلى هذا المكان من القارة السمراء وحينما أرغمتها هزيمتها في الحرب العالمية الثانية على الرحيل تركت إيطاليا وراءها أيضا ثقافتها.. في الملبس والمأكل والمشرب واللغة والعادات والفن والحياة وفي كل شيء.

سوميري روسوم – محافظ أسمرة: في الفترة ما بين عام خمسه وثلاثين وتسعمائه وآلف واندلاع الحرب العالمية الثانية، بنى الإيطاليون ما يعرف الآن بوسط العاصمة أسمرة، لذلك تجد الكثير من التشابه بين هذا الجانب من المدينة والمدن الإيطالية وحينما هُزم الإيطاليون في الحرب العالمية الثانية حل محلهم البريطانيون لكن في عهدهم لم يتم أي تعمير وكذلك في فترة الاحتلال الإثيوبي.. بل على العكس حدث تخريب واسع للمدينة.

مراد هاشم: شارع الاستقلال شريان الحركة الرئيسي في المدينة، كان يُعرف بشارع موسيليني ثم حمل اسم هيلا سلاسي قبل أن يغيره نظام مانجستو الاشتراكي إلى شارع الثورة، تعاقبت الأسماء وتعاقب المحتلون وبقي الشارع كما هو، تقرأ في وجوه المارة الذين يزدحم بهم الشارع في ساعات النهار الأخيرة خليطا من الملامح العربية والأفريقية وأحيانا الإيطالية، جلسة مع الصحاب في إحدى مقاهي الشارع العريقة هي هدف الغالبية، يرتشفون قهوة الماكيتو ويتحدثون في كل شيء إلا في السياسة، في الطريق إلى كيرن شمال غرب البلاد تهبط من ارتفاع يزيد عن ألفي متر عن سطح البحر هو ارتفاع الهضبة التي تحتضن أسمرة، تسعون كيلو مترا فقط وتصل إلى كيرن لتفاجأ بمشهد مختلف تماما مدينة عربية بامتياز بلسانها وثقافتها وبيئتها لكن عمرانها لا يخلو من تأثيرات إيطالية، تختلط بالسكان فتشعر وكأنك في مدينة سودانية، فاللهجة والأزياء والملامح واحدة، من أسمرة إلى ثاني مدن البلاد ومينائها الرئيسي مصوَّع، طريق يزيد طوله قليلا عن مائة كيلو متر لكنه في ساعتين يخترق ثلاث مناطق بيئية وجغرافية ومناخية، ليصل إلى البحر بعد أن يكون أيضا قد مر بثلاث قوميات على الأقل وديانتين المسيحية في المرتفعات والإسلام في السهل والساحل مع وجود تداخلات، مصوَّع بوابة إريتريا دخل منها التاريخ ليستوطن ويبقى، من هنا ومن كل شبر في الساحل الممتد لمسافة ألف كيلو متر على البحر الأحمر عبَر دين وانتقلت حضارة ومرت لغة وثقافة، قسمات الوجوه ولون الدم ولَكنة اللسان وطريقة الحياة هي نفسها في مدن الساحل جنوب جزيرة العرب، المدينة التي امتزجت فيها فنون المعمار العربية والتركية تُرمِّم وجهها بعدما أصبحت قِبلة لسياح تجذبهم عراقة التاريخ ودفء المناخ والتناقض الصارخ بين انفتاح لا يعرف الحدود وتدين عميق الجذور، المشاهد المتباينة والمختلفة في أسمرة وكيرن ومصوَّع ومناطق أخرى تفرض بقوة سؤال الهوية، هل امتدادات المحيط العربي والأفريقي العرقية والقومية وتأثيراتهم الحضارية والثقافية شتت الهوية هنا؟ أم ضيعتها بصمات الغزاة والمستعمرين الإيطاليين والبريطانيين والإثيوبيين؟ أم أن رغبة العيش المشترك والهم الواحد قد خلق هوية المواطنة الواحدة بغض النظر عن التباينات والاختلافات في الأصول والأعراق واللغة والدين؟ يقولون هنا أن عصور المحنة وعهود الاحتلال وآلام القهر ومعاناة الحرب عززت الشعور بالوحدة وقوت الإحساس بالخصوصية والتميز عن المحيط وخلقت طوقا وشوقا وعطشا للحرية والانعتاق من كل هيمنة ووصاية وولَّدت تصميما ورغبة أصيلة بالاستقلال لرسم معالم الحياة بإرادة تنبع من الذات، الاستقلال هو الكلمة المفتاح هنا فبعدما أصبح واقعا ملموسا على الأرض، يجزر الآن في العقول وفي النفوس عبر تفسيرات للهوية والثقافة والتاريخ قدر البعض أن فيها نظر، حلم الاستقلال استغرق تحقيقه خمسين عام، البريطانيون خلفوا الإيطاليين في العام ألف وتسعمائه وواحد وأربعين وبعد عشر سنوات وبنضال سلمي أنتزع الإريتريون منهم وبقرار من الأمم المتحدة حكما ذاتيا واتحادا فدراليا مع إثيوبيا التي استغلت السنوات العشر التالية في تسريع إجراءات الضم والإلحاق لتعلن إريتريا ولاية إثيوبية وتحقق حلمها التاريخي في منفذ على البحر الأحمر وهو ما فجَّر ثورة مسلحة استمرت ثلاثين عامان حصدت ثمانين ألف قتيل وشرَّدت نصف السكان، الثورة من أجل الإستقلال أحيطت بتأييد متنام في الداخل وتعاطف ودعم من البعض في المحيط العربي والإفريقي يقال عنه الآن إنه كان محدودا، لكن التناقضات والاختلافات في صفوف الثوار وحسابات السياسة والأيديولوجية وتدخلات الخارج أشعلت صراعا بين الثوار وصل إلى الاقتتال والتناحر والحركة التي بدأت في غالبيتها يمينية متدينة انتهت بعد سلسلة انقسامات وانشقاقات يسارية علمانية، بتسيُّد الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا للساحة وانتزاعها استقلالا بحيل السياسة وقوة السلاح في مايو من عام ألف وتسعمائه وواحد وتسعين أيده الإريتريون لاستفتاء بعد ذلك بعامين، ليكتب على بقايا سلاح دمرته الحرب يسمونها بمقبرة الدبابات هنا دفن الاحتلال وهنا ولدت الدولة من دون إشارة لأي هوية، لكن الجبهة الشعبية الحاكمة كانت تملك الإجابة.



تعدد القوميات واللغات والوحدة الشعبية

أحمد عمر شيخ – أديب وشاعر: إريتريا كمشروع يمكن منذ أن أعُلن..في البداية بذور التكون من.. أعلن مستعمرة إيطالية1890، طوال المئة عام كان أجيال وراء أجيال كانت تحلم بإنه تكوين وطن صغير الظرف.. الظرف الإستعماري وتعاقب الإستعمارات على إريتريا ما حقق الشعور هذا الشعور بالنسبة للناس، فبالتالي ظل الحلم يكبر يوم وراء يوم إلى أن تحقق هذا الاستقلال، لذا ربما لقرب عهدنا بهذا الاستقلال اللي هو كان التحرير سنة 1991، ثم رُفع العلم لأول مرة.. هذا العلم الذي يمكن حلم به الإريتريون رفع سنة 1993، لقرب عهدنا بهذه المسألة ما زلنا يعني نحلم بهذا الاستقلال أو يتضخم داخلنا هذا الاستقلال.

عبد العليم حسن- صحفي: الشعب الإريتري من أكثر الشعوب التي عانت من مرارة الإستعمار، فبالتالي في كل بيت إريتري شهيد.. معظم المواطنين الإريتريين تشردوا اغتربوا لجأوا، حرموا من وطنهم لسنوات كثيرة تجاوزت الثلاثين عاما، دي فترة الإستعمار الإثيوبي لوحدها وقبله كان الإستعمار الإيطالي وقبله كان الإستعمار التركي، هذا الأمر أوجد لدى الإريتريين الحب الوطني.. حب الوطن والترابط والانسجام.

مراد هاشم: تُمعن النظر في الوجوه، تتفحصها، تقرأ تفاصيلها، تحاول بالبصر والبصيرة النفاذ تحت جلدها لتعرف عِرقها أو تَحذر أصلها أو فصلها، عبثا تحاول أنت الغريب أن تنجح في التمييز بشكل دقيق بين تسعة أعراق وقوميات اعترف بها دستور الدولة الوليدة وساوى بينها بغض النظر عن حجمها وثقلها العددي وفاعلية كل منها ودورها الحضاري والثقافي في حاضر البلاد وماضيها، فرقة السبريت الوطنية الفنية تقدم القوميات التسع وتعرفها جميعا من خلال تراثها الغنائي، التجرينية وتستوطن الهضبة الوسطى امتداد جبال الحبشة الطبيعي، التجرية وتعيش في منطقة السهل والساحل بين الهضبة والبحر، العَفر يتركزون في المنخفض التناكل حتى الحدود مع جيبوتي والعرب الرشايدة في شمال شرق البلاد وهم مع البيجا في الشمال الغربي ينتشرون على طول الحدود مع السودان، بالإضافة إلى قوميات الساهو والكنامة والبلين الموزعة في أنحاء متفرقة من البلاد، هذه القوميات بعضها من أصول سامية سبأية وحميرية عبرت البحر في هجرات متتابعة على مدى ألف عام والبعض الآخر من أصول حامية قدمت قبل ذلك من جنوب وادي النيل وهضبة الحبشة لكنها في لغاتها وأساليب عيشها اكتسبت حضارة سامية، كما تُظهر ذلك أثار ونقوش يعتبرها الإريتريون برهان على استقلالهم تاريخيا عن الحبشة.

هيلي برهي- مدير متحف أسمرة: لدينا تاريخنا الخاص ولنا موروث وثقافة تاريخية خاصة تعود لفترة تسبق قيام مملكة أكسون، بل وقبل الميلاد بثماني مائة عام، صحيح كان هناك تواصل لكن الحضارة نشأت في البداية في إريتريا وما لدينا من أثار في هذا المتحف تشهد وتثبت أن حضارة قديمة قامت على الأرض الإريترية وقبل قيام مملكة أكسون في الحبشة بكثير.

مراد هاشم: زحام لغوي يشتت النظر، أربعة لغات أو خمسة على الأقل تضيق بها الواجهات واللافتات واللوحات الإرشادية، الدستور الجديد أقر لغات القوميات التسع.. لغات رسمية للبلاد، بعض هذه اللغات ليس له أبجدية يكتب بها وبعضها محصور في الأقلية العرقية الناطقة بها. غالبية القوميات تتحدث باللغتين الأوسع إنتشارا التجرينية والعربية. وهم اللغتان الرسميتان في دستور سابق للبلاد. وخلال فترة من عمر الاحتلال الإثيوبي الذي أعتمد لاحقه لغته الأمهرية كلغة رسمية، لتصبح الآن مع الإيطالية من ضمن مصفوفة اللغات التي يتحدث بها سكان لا يزيد عددهم عن أربعة ملايين نسمة، مدرسة الأمل العربية في العاصمة أسمرة، التعليم هنا بالعربية لأن الطلاب عرب وفقا للنظام التعليم المقر حديثا يتعلم الطلاب في المرحلة الابتدائية بلغاتهم القومية والعرب بالمفهوم العرقي للقومية هنا هم قومية واحدة من ضمن القوميات التسع، لذلك يتوقع أن تنحصر اللغة العربية وتتراجع بين الأجيال الجديدة للقوميات الأخرى وهي في الغالب عربية بالمعنى الحضاري، عربية بلسان وبالثقافة.

"
تطوير اللغات الإريترية يساعد في عملية بناء الوطن وتعزيز الوحدة الوطنية لأنه بتطوير هذه اللغات تتطور الثقافة والهوية
"
 موسى نائب
موسى نائب- المدير العام للتعليم: فيما يخص التدريس باللغة الأم ده فيه له مبادئ أساسية اللي نحن ننطلق منها، النقطة الأولى هي المادة الموجودة في الدستور الإريتري اللي بتثبت مساواة اللغات الإريترية، يعني كل اللغات الموجودة التسعة لغات كلها تعتبر لغات رسمية متساوية أمام الدستور النقطة الأولى، النقطة الثانية الميثاق ميثاق هيئة الأمم، بالنسبة للحقوق والأطفال اللي بيركز في هذه في نوعية التعليم وفي توفير التعليم الحقيقة اللي بيتناسب للطفل، النقطة الثالثة هي بحوث علمية أثبتت فائدة التعليم باللغة الأم في المرحلة الابتدائية، فنحن بنعتقد إنه تطوير هذه اللغات الإريترية هي تتم باستعمال هذه اللغات في المجال الأكاديمي، تطوير هذه اللغات يساعد في عملية بناء الوطن وتعزيز الوحدة الوطنية في اعتقادي إنه تطوير هذه اللغات هو عبارة عن تطوير الثقافة والهوية لهذه القوميات وتهميش هذه اللغات أفهمه عكس ذلك، تطوير اللغة العربية هو شيء أساسي وواجب دستوري بالسبة لإريتريا، لأنه اللغة العربية هي من اللغات الإريترية لأنه فيه عندنا تسعة لغات في إريتريا واحدة من القومية تتحدث باللغة العربية فعلى ضوء زي ما ذكرت لك على ضوء الدستور اللي بيثبت مساواة اللغات في إريتريا، فلابد من أخذ الواجب اللي أن نعطي الواجب الضروري لتطوير اللغة العربية، هذا المنطق الأول المنطق الواجب والدستوري وهذا..فعليه اللغة العربية هي لغة عالمية.

مراد هاشم: نظام التعليم اعتمد اللغة الإنجليزية لغة للتدريس والدراسة في مراحل التعليم المتوسط والعالي والبعض يتوقع أن يثمر ذلك مشكلات في المستقبل وتعقيدات تتعلق بالثقافة والهوية البلاد في غنى عنها.



[فاصل إعلاني]

الثنائية الدينية والتسامح اللافت للنظر

مراد هاشم: التعدد القومي واللغوي يشكل تحديا صعبا لوسائل الإعلام الإريترية، فهي تحاول بإمكانات محدودة وخبرات قليلة أن تعزز الشعور بالمواطنة الواحدة والهوية الموحدة وفي الوقت ذاته ترجمة مبادئ الدستور في التعبير عن جميع القوميات لغة وثقافة وفنا وهمَّا يوميا، لذلك يبث التليفزيون نشرات وبرامج بثلاث لغات هي التجرينية والعربية والتجرية بالإضافة إلى الإنجليزية في ساعات بث مقسمة بالتساوي، أما الإذاعة فتبث بخمس لغات محلية برامج سياسية ونشرات إخبارية وبرامج عامة ومسلسلات وأغاني تعد بشكل خاص لكل قومية مستهدفة وتطبع صحيفة إريتريا الحديثة الرسمية اليومية باللغتين العربية والإنجليزية لكنها أوسع انتشارا في طبعتها التجرينية.

"
وسائل الإعلام الإريترية تعمل على تطوير الهوية الوطنية وهي تقوم بذلك من خلال عكس الموروث الإريتري خاصة في فترة النضال الذي دام ثلاثين عاما من أجل الاستقلال" 
علي عبده

علي عبده- وزير الإعلام: وسائل الإعلام الإريترية تعمل على تطوير الهوية الوطنية وهي تقوم بذلك من خلال عكس الموروث الإريتري بخاصة في فترة من النضال الذي دام ثلاثين عاما من أجل الاستقلال وكان لابد لوسائل الإعلام أن تقوم بمهمة كهذه وأن تسهم أيضا في تطوير كافة قطاعات المجتمع الإريتري وهي تتولى مهمة إعادة اعمار البلاد ويجب أن يكون مفهوم هنا أن تعدد لغاتنا ومجموعاتنا العرقية قرَّبنا وعزز وحدتنا أكثر، فهي وحدة جوهرها الإختلاف. حاليا نركز بشكل كامل على العمل الداخلي عن رغبة أصيلة في معالجة القضايا لما فيه مصلحة الجميع.

زراي هيلي- صحفي: التعامل مع مجموعات عرقية مختلفة لها لغاتها وثقافاتها الخاصة وأساليبها المختلفة في الحياة، يبدو صعبا جدا جهة تمثيل الجميع في وسائل الإعلام وعلى الرغم من صغر حجم إريتريا إلا أن بها تسع قوميات يجب أن تقدم وتمثل جميعا في وسائل الإعلام بلغاتها وفنونها ووجهات نظرها، هنا تكمن المشكلة التي ينبغي طرحها ومناقشتها وسائل الإعلام.. بطبعها جماهيرية وتظهر المشكلة حينما تعرف أن غالبية لغات القوميات الإريترية ليس لها أبجدية تكتب بها وهي لذلك تستخدم الأبجدية العربية أو التجرينية أو اللاتينية.

منال جلال- مذيعة: الإذاعة طبعا لما بدت سنة 1979 كانت في بدايتها.. يعني في الميدان لما كنا كانت بتركز على البرامج التعبوية السياسية وكده، يعني بحكم الثورة ومتطلباتها بعد ما دخلنا البلد وتحررت البلد أكيد متطلبات الإذاعة تغيرت أو يعني وجهت ناحية الشعب بحيث أنه يعني تحاول تغير المفاهيم والأشياء اللي ركز عليها المستعمر في أنه هو مثلا يشوِّش يعني أفكار المستمعين أو المواطنين بصفة عامة.

مراد هاشم: الإجابة على سؤال الهوية تبدو أكثر صعوبة مع وجود ثنائية دينية في البلاد، المسيحية والإسلام وبين أتباعهما كما هو ظاهر قدر كبير من التسامح والتعايش والاندماج ورغم ذلك انتهجت سلطات ما بعد الإستقلال العلمانية، فالدين لله والوطن للجميع ولا دين في السياسة ولا سياسة في الدين والدعوة إليه أو التبشير به ممنوعان، بل أن تعليمهما في المدارس حذر لفترة، يقولون هنا أن نصف السكان من المسلمين ونصفهم الآخر مسيحيين وتورد أطراف أخرى تقديرات متضاربة، المسيحية دخلت البلاد في القرن الثاني الميلادي وإلى جانب أقلية كاثوليكية وأخرى بروتستنتية توجد غالبية قبطية ألحقت رسميا بالكنسية القبطية في مصر للاستقلال عن الكنيسة الإثيوبية، أما الإسلام فقد دخل البلاد في القرن السابع الميلادي إذ كان الساحل الإريتري أول أرض تطأها أقدام المهاجرين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج جزيرة العرب، بعدما أرشدهم الرسول إلى أرض صدق وحاكم لا يظلم عنده أحد وانتشر الإسلام بعد ذلك ومعه اللغة العربية على أيدي دعاة وتجار وفدوا في مراحل تاريخية متعاقبة، تدين بالإسلام أربع قوميات في البلاد في حين تتوزع القوميات الخمس الأخرى بتفاوت بين الإسلام والمسيحية مع وجود أقلية وثنية، لذلك يثار جدل حول هوية الدولة هنا، أهي عربية أم إفريقية إسلامية أم مسيحية.

أحمد محمد عمر- صحفي: أصلا ما كنا محتاجين لعناوين لتحديد هويتنا، يعني لازم على الإنسان أو المجتمع ما محتاج لعنوان اللي هو هوية إسلامية أو مسيحية أو هوية عربية عشان يحدد هويته، الإريترية هي هويتنا إحنا في حد ذاتنا (انقطاع في الصوت) أفتكر يعني تعريف الهوية من هذه من.. في هذا الاتجاه وبهذا الشكل بيدخلنا في إشكاليات كثيرة جدا يعني نحن عرب أو نحن أفارقة أو نحن مسيحيين أو مسلمين مش بهذا الشكل يعني تعرف الهوية، كما ذكرت في حديثي السابق أنه الإريترية، التاريخ المشترك، التعايش..التلاحم اليومي، القبول بالآخر هو المبادئ الأساسي لتعريف هويتنا أنا في اعتقادي.. بعيدا عن المفاهيم الأخرى اللي تدخل الناس في تعقيدات نحن في غنى عنها، ما شرط أنه عشان يكون عندك هوية يكون عندك لغة واحدة أو أصل واحد أو لأنه كثير من الشعوب وكثير من المجتمعات اللي عندها لغة واحدة عندها دين واحد بتشهد عدم استقرار، بدليل أنه يعني ما هي مشكلة الهوية هي اللي بتحدد استقرار المجتمع واستمراره، عندنا الصومال بيتكلموا لغة واحدة، بيتكلموا.. بيدينوا بدين واحد وهناك الآن عدم اتفاق.

أحمد عمر شيخ- أديب وشاعر: دائما تظل أسئلة الهوية مش بالنسبة للمجتمع الإريتري، لمجتمعات كثيرة يمكن تقدمت علينا في نموها، تظل مسألة ملحة ومسألة لا يمكن حسمها في إطار زمني محدد أو في تجارب محددة، نفس المسألة بالنسبة للإريتريين تظل مسائل الهوية هي محاولة تراكمية قد تستمر معنا لسنوات طويلة لكن ينبغي أن تكون النظرة دائما موضوعية للمسائل وتظل مسألة الهوية زي ما قلت لمجتمعات حتى متوحدة في اللغة وفي الثقافة تظل معضلة، لكن نتفق كلنا إننا إرتريون نحيا في هذه المساحة الجغرافية، بعد ذلك مسألة الهوية والأشياء تظل مسألة بحث قد يلعب الأدب دور في مسألة كشف بعض جوانبها وقد يلعب الفكر والجوانب الأخرى أيضا دور في كشف بعض.. الآن نحن غير مهجوسين بهذه المسألة كثيرا يعني تظل الهوية إريترية تحيا في محيط لا تنفصل عنه بأي شكل من الأشكال.

عبد العليم حسن: إريتريا هي إريتريا، يعني إريتريا هي جزء من محيطها العربي والإسلامي، إريتريا هي جزء من قارتها الإفريقية، إريتريا هي التي تعتز بوحدتها وبتنوعها وتعددها في داخلها، لا يمكن لأحد أن يستعلي على أحد أو لا يمكن عرق أن يهيمن على عرق ويهمش باقي الأعراق، فبالتالي هذا عنصر السر هنا سر الشعب الإريتري وسر انتصاره يعني.



الصراع مع أثيوبيا والتدخل الأميركي

مراد هاشم: الدين والقومية في إريتريا لهما أيضا امتدادات في الجوار وفي المحيط فالمستعمر رسم وفصل حدودا وقسم اثناء ذلك قوميات وأعراق وترك بذلك ألغاما وقنابل موقوتة، هذه الجرأة في الإعتراف بالتعددية الثقافية والقومية واللغوية يقابلها تخوف من الإغرار بحق التعددية السياسية وحرية التعبير وهو تخوف لا يراه البعض مبررا بأي حال من الأحوال، حرب أخرى مع الجارة إثيوبيا والسبب المباشر نزاعا على مثلث حدودي مساحته أربعمائة كيلو متر، أما غير المباشر فكانت إجراءات إتخذتها إريتريا لتعزيز أستقلالها الإقتصادي، إذ أصدرت النقفة لتكون عملة وطنية بدلا من البر الإثيوبي وقررت تنظيمات في مجالي الاستثمار والموانئ وهي خطوات تضررت منها أثيوبيا التي كانت تعتمد على مينائي مصوع وعصب الإريتريين، الحرب التي اندلعت بين عامي 1998 و2000 أعتبرت الأعنف في تاريخ المنطقة وسقط خلال ثلاث جولات ومواجهات واسعة فيها عشرات الآلاف من الضحايا وتشرد نحو مليون وباتفاق وُقع في الجزائر برعاية دولية عام 2000 سكتت المدافع، لكن الأصابع لا تزال على الزناد رغم صدور حكم من محكمة العدل الدولية يقر لإريتريا بالحق في المثلث المتنازع عليه.

زراي هيلي- صحفي: لا يد لنا في اشعال هذا الصراع، قوى خارجية هي التي افتعلته ولم يكن له في البداية صلة بالحدود إذ ارتبط إستراتيجية غربية خاصة بإستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية، تلك الإستراتيجية تهدف إلى تغيير النظام الحاكم في إريتريا، فأصبحت إثيوبيا جزءا من هذه الإستراتيجية خاصة وأن لها أطماع في الأراضي الإريترية وفي الحصول على منفذ على البحر الأحمر، لذلك توحَّد الجميع بهدف إسقاط النظام الإريتري الذي يُنظر إليه على أنه مستقل أكثر من اللازم ولا تريد هذه القوى أن يكون كذلك كي لا يصبح نموذجا للدول الأفريقية فقد استخدمت الحدود كحجة لتنفيذ هذا الهدف.

أحمد محمد عمر: الكرة في ملعب الإثيوبيين في الوقت الراهن هم الإثيوبيون هم افتلعوا هذا الملف من البداية بذريعة بادن ميل وهم الآن ما زالوا يروحوا مكانهم في قبول قرار مفوضية الحدود اللي أعلن ملكية بادن ميل لإريتريا وأفتكر نحن يعني إريتريا من حيث المبدأ قبلت بالمبدأ قبلت من حيث البداية بقرار المفوضية بأنه يكون قرار ملزم ونهائي وما زال موقفها ثابت في مكانه وهي إريتريا ستظل تنادي بالتطبيق العملي لقرار مفوضية الحدود.

مراد هاشم: خسائر الحرب لم تنحصر في الأضرار المادية التي تكبَّدتها قطاعات الدولة الاقتصادية المختلفة بعد ما سُخرت مواردها وإمكاناتها لخدمة المجهود الحربي، فقد وئدت مساعي الدولة الوليدة لاستكمال بنائها المؤسسي وأرجئ خروجها من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية وعطل العمل ببنود في الدستور تقر بالتعددية السياسية والحزبية وبحقوق المواطنين في التعبير والإنتخاب والإنتظام في جمعيات ومنظمات. وهي إصلاحات سياسية كان من شأنها تثبيت دعائم الأستقرار والإستقلال.

عبد العليم حسن: الفترة ما بين 1993 التي تلت إعلان إستقلال إريتريا إلى اندلاع الحرب أواخر 1997 وبداية 1998 حقق إنجازات لا يستهان بها تمثلت كالآتي.. أولها وضع الدستور الإريتري ثانيا استصدار العملة الإريتريا نقفة، ثالثا الشروع ذاته في وضع اللبنات وهيكلة الدولة، لأنه إريتريا ورثت بلد من الإستعمار ليس لديه أي مؤسسات دولة ولا بنية تحتية من طرق ومشاريع إلى أخره، في هذا المضمار قامت بعدة مشاريع إستراتيجية عملاقة سواء إن كان بدعم صناديق التنمية العربية والخليجية أو سواء كانت بدعم وقروض صناديق من البنك الدولي أو الدول المانحة، هذه الأموال التي تحصلت عليها فعلا أنفقتها في مشاريع بنية تحتية إستراتيجية، من طرق.. لمشاريع كهرباء.. لمشاريع ري.. لسدود، لكن الحرب صرفت كل توجهات الحكومة والشعب إلى مرحلة الدفاع عن النفس أو الحرب، فأصبح التمويل للحرب طاغي على تمويل مشاريع البنية التحتية.

"
من أهم الأهداف بالنسبة للإنسان الإريتري هو أن يكون هناك وطن مزدهر وأن تكون هناك تعددية رأي بوجود وطن يسع الجميع ويستطيع أن يُسهم فيه الجميع
"
     أحمد عمر شيخ

أحمد عمر شيخ: اشتعلت حرب كانت مدمرة بيننا وبين الإثيوبيين وما زلنا نحيا أثارها إلى هذا اليوم، بالتأكيد لا يكون هناك رضى لأن المشروع تمت اعاقته بشكل كبير يعني إذا قلنا من سنة 1993 إلى اليوم 11 سنة، ست سنوات منها أو سبع سنوات منها هي داخل هذه المعمعة.. معمعة الحرب وتوابعها وأثارها التي يمكن نحياها اليوم، أعتقد مازال الرضى لم يكتمل بعد، لأنه الأحلام كبيرة والوصول إلى الأحلام أيضا يتم خطوة بخطوة، من أهم الأهداف بالنسبة للإنسان الإريتري هو أن يكون هناك وطن مزدهر، أن تكون هناك تعددية رأي تحيا في بوتقة واحدة وأن يكون هناك وطن يسع الجميع ويستطيع أن يُسهم فيه الجميع.

مراد هاشم: الحرب مع الجارة الجنوبية سبقتها ولحقتها أزمات عاصفة في علاقات السلطة والحكم في أسمرة ببقية الجيران.. اليمن وجيبوتي والسودان، أزمات أتهمت إريتريا بسببها بالمبادرة بالعدوان وبإشعال الحرائق في منطقة تقف على برميل بارود وتشرف على ممر ملاحي مهم اللعب بأمنه أيضا بإعطاء إسرائيل موطئ قدم أمر لا يحتمل، لكن إريتريا تنفي التهم كلها وتفسر الأزمات بسعي الآخرين لاقتطاع أراضيها كما تفسر ما تصفه بالتحامل عليها بسعي البعض في المنطقة للهيمنة ومحاولته تشكيل الدولة الوليدة قبل أن يقوى عودها وصياغتها على نحو يمس باستقلالها ولا يخدم مصالحها ولا يحترم رؤيتها الخاصة بمفهومي الأمن والهوية.

"
بعض وسائل الإعلام الأجنبية تنقل صورة مشوهة جدا عن إريتريا وتعتمد في ذلك على معلومات غير دقيقة وغير صحيحة
"
علي عبده
علي عبده: بعض وسائل الإعلام الأجنبية تنقل صورة مشوهة جدا عن إريتريا وتعتمد في ذلك على معلومات غير دقيقة وغير صحيحة، تستطيع أن تقول أننا ضحايا في معظم الأوقات لحملات عشوائية وتغطيات ضحلة ونحن لسنا قلقين لسببين، الأول نحن نعرف من نحن وثانيا لدينا اعتقاد وإيمان قوي بأن مسيرتنا ستستمر وستتواصل برغم كل ذلك.

زراي هيلي: وسائل الإعلام الغربية صورت إريتريا على أنها دولة عدوانية والحقيقة أننا شعب مسالم جدا، نحن قاتلنا ثلاثين عاما من أجل السلام ولأننا عانينا من توالي المستعمرين الأتراك والمصريين والإيطاليين البريطانيين والإثيوبيين، لذلك نشعر أنه لا أحد بحاجة إلى السلام مثل حاجتنا نحن الإريتريين له، قاتلنا لأننا نريده واقعا على أرضنا ولأننا نريد أن ندير شؤوننا بأنفسنا، لا أن يملي علينا الآخرون ما نفعل وما لا نفعل، لذلك ما تردده وسائل الإعلام الأجنبية بشأن عدم تعاوننا مع جيراننا أو ما تعتبره عدوانا لا يقوم على أسس أو معلومات صحيحة.

مراد هاشم: وسواء كان سبب الإحتقان الأمني والإستنفار العسكري والتوتر السياسي الدائم في المنطقة هو خوف إريتريا على استقلالها وخصوصيتها وهويتها، أم خوف الآخرين من توجهاتها وطموحاتها أم هما معا؟ يبقى الجميع بحكم حقائق التاريخ والجغرافيا ومعطيات الحاضر وتحديات المستقبل مسؤولا عن أمن وسلام وأستقرار منطقة لا تنقصها الحرائق ولا التدخلات ولا الأطماع وإذا كان البعض يرى أن إريتريا قد أنكرت وتنكرت لهويتها وأشاحت بوجهها عن محيطها الحضاري وامتدادها الثقافي، بل ورفعت عصى العصيان في وجه الجميع يرى البعض الآخر أيضا أن إريتريا ليست الوحيدة التي يغلبها إغراء الغرب الحضاري وليست الأولى التي تغريها أحلام الشراكة في الأمن والمصالح مع إسرائيل والقوى الكبرى، بل سبقها إلى ذلك وسيلحق آخرون، بعضهم مُلئت أرضهم فسادا وقمعا وقواعد ومياههم أساطيل تنطق بكل اللغات وأولى بهؤلاء أيضا أن يلملموا أولا أشلاء هوياتهم الضائعة والمُضيعة وسط الرياح وعواصف العولمة قبل الإتيان على هويات الآخرين وتبقى إريتريا شاءت أم أبت وعد البحر ووعد أفريقيا وهما وعدها، منهما جاءت النعمة وحلت النقمة الحضارة والدين والغزاة والمستعمرون ومنهم الخير والشر فما ستزرعه بيد ستجنيه الأخرى.