- التمييز العنصري والنضال ضده
- الوضع بعد التخلص من النظام العنصري

التمييز العنصري والنضال ضده

غسان أبو حسين: أحداث القصة تبدأ بكان يا مكان في قديم الزمان قبل ثلاثة قرون وفي تفاصيل الحكاية أن نفراً من الغزاة حلموا زوراً بإقامة دولة لهم على أرض ليست لهم، يمموا وجههم من بحر الشمال حيث هولندا شطر رأس الرجاء الصالح بجنوب أفريقيا ليحتلوا الأرض ويمتلكوا الإنسان قبل أن ينازعهم فيهما جيرانهم من إمبراطورية لم تكن تغيب عنها الشمس وليبدأ بعد ذلك فصل الثورة على أصحاب الثروة من ذهب وألماس ويقتتل الطرفان في حرب سُمّيت بحرب البيور انتصر فيها البريطانيون مع بداية القرن العشرين، كان الانتصار مغرياً إلى حد تأسيس نظام حكم عنصري قسّم الناس مراتب بحسب ألوانهم، رأس السُلّم فيه للغازي والقاع فيه لأبن البلد وتزامن إنشاء نظام ما عُرف بالأبارتهيد مع نظام عنصري آخَر في فلسطين سُمّى آنذاك إسرائيل، لكن البطل يولد كما في الروايات من قلب المعاناة، فلاحاً يسكن المدينة ومحاميا خصمه الحَكَم، قضيته حريته وعائلته شعبه وبيته سجنه، هكذا قاد مانديلا ورفاقه بل وشعبه النضال لتنتهي حكاية بغيضة عن وحش التمييز العنصري، جنوب أفريقيا.. قد تزوغ عينيك هنا بين أعراق عدة وألوان وإحدى عشر لغة وثلاثة أديان سماوية وأخرى أرضية، لكن أمراً واحداً لن تحيد عنه عيناك وهو كيف سوّغت أقلية قدمت من أقاصي الشمال لنفسها أن تُشدد الخناق على الأغلبية في أقاصي جنوب الأرض، في بلد يزيد تعداد سكانه عن 43 مليون نسمة 80% منهم من السود و9% من البيض ونحوهم من الملونين، يُشكّل المسلمون نحو 2.5% جاء معظمهم منذ أمد طويل من الهند للعمل في ديربان أو سجناء سياسيين من شعب الملاي إلى جزيرة روبن بكيب تاون التي ظلّت قبلة للسجناء السياسيين ونشطاء النضال في الذاكرة الشعبية، الطريق إلى جزيرة روبن أو الجزيرة السجن هو ذات الطريق الذي سلكه هذا المناضل أول مرة قبل أربعة عقود وبين الرحلتين ثمّة فارق كبير فهو يمضي هذه المرة سيداً حراً لا مواطناً من الدرجة الثانية كما كان من قبل.

أحمد كاثرادا- رفيق مانديلا وبرلماني سابق: أسمي أحمد كاثرادا عمري ستة وسبعون عاما ولدت في مدينة صغيرة تبعد أكثر من ثلاثمائة كيلومتر عن مدينة جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا لعائلة مسلمة، علمتني عائلتي منذ طفولتي أن أحترم جميع الناس وخاصة الكبار منهم، بصرف النظر عن ألوانهم، لكن في ظل قوانين نظام التمييز العنصري السائدة حين إذ كانت المجموعات العرقية المختلفة تتلقى معاملة مختلفة لكل عرق، التحقت أيام المدرسة بالحزب الشيوعي قبل أن أنتقل بعد ذلك إلى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي برفقة مانديلا، لقد اتُّهمنا بالتخريب والخيانة العظمى.

غسان أبو حسين: تم الإعلان عن الاتهامات الموجّهة في القضية في الثاني عشر من يونيو عام 1964 أمّا العقوبة فكانت السجن المؤبد.. المؤبد مدى الحياة للمناضلين الثمانية مانديلا، ولتر، ريموند، غوفان، كاثرادا، اندرو، إلياس، غولدبيرغ، حيث كان على ويني زوجة مانديلا الانتظار طويلاً فيما توفّيت والدته قبل الإفراج عنه.

أحمد كاثرادا: نحن الآن في طريقنا لدخول الزنزانة التي سُجن فيها مانديلا حيث قضى هنا ثمانية عشر عاماً قبل أن ينتقل إلى سجن بولسمور، كما ترون بدلاً من السرير هناك فرشة وثلاث بطانيات ولا توجد مياه جارية أو مرحاض، كان على مانديلا استخدام هذا الدلو عوضاً عن ذلك، كان هنا طاولة وكرسي وخزانة كتب مما يجعل المساحة المتبقية أصغر وفي الليل طبعاً كانوا يغلقون الباب الخشبي ولم يكن يُسمح لنا بالحديث بعد ذلك، هذه زنزانتي حيث قضيت كذلك ثمانية عشر عاماً، لكن كما ترون لا يوجد شيء فيها الآن، أهم ميزة كانت في هذه الزنزانة وجود نافذة تطل على الجزيرة حيث كنت أرى من خلالها كيب تاون والأطفال المشرفين على الجزيرة، حيث مُنعنا من رؤية أطفال تقل أعمارهم عن السادسة عشر عاماً، دعا حزب المؤتمر الوطني الأفريقي العالم لفرض حظر على حكومة جنوب أفريقيا العنصرية في المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية والرياضية ومع عزل العالم لحكومة الأقلية حينئذ تصاعدت الضغوط التي أدت بدورها لتنامي النضال من أجل الحرية مما حسّن كذلك أوضاعنا في السجن.

غسان أبو حسين: لكن التحسّن كان عابراً، خصوصاً وأن استمرار فرض التمييز العنصري من قِبل حكومة الأقلية البيضاء دفع بالطلاب السود إلى تفجير انتفاضة غيّرت من المشهد السائد حينئذ.

انطوانيت بيترسون- شقيقة التلميذ هكتور: صبيحة يوم السادس عشر من يونيو عام 1976 تظاهرنا نحن الطلاب ضد إلزام الحكومة لنا دراسة المواد العلمية وغيرها بلغة الأفريكانز الخاصة بالبلد، كان الأمر صعباً ومربكاً مما حدا بالبعض إلى البقاء في منازلهم ونظراً لأن الوضع كان محتقناً في الأصل حيث أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وعدد آخَر من الأحزاب كانوا محظورين فقد دعت منظمة الوعي بهويّة السود إلى تنظيم مظاهرة سلمية وطُلِب منّا أن لا نحتك بالشرطة التي ستكون متواجدة بالتأكيد، لكن ولأن الأجواء كانت متوترة كان علينا فعل شيء ما، حالما انطلقنا متظاهرين في شوارع سويتو رأينا الشرطة ولم نُرِد الاحتكاك بهم.

سام نزيما- مصور فوتوغرافي: حينما وصلت الشرطة أعتقد أن قائد الشرطة كان معهم، خرج ذلك الرجل الأبيض وتبعه جميع أفراد الشرطة من حافلاتهم وقال ما الذي تفعلونه هنا أيها الناس؟ حينها بدأ التلاميذ بالركض والتجمع، ثم نادى سأعطيكم ثلاث دقائق لتنصرفوا وإلا فسأطلق النار عليكم، بالكاد كادت تمر دقيقة حتى بدأ التلاميذ بترديد النشيد الوطني وحينها أدركت أن الوضع أصبح خطيراً وضعت شارة الصحافة على ذراعي كي يميّز أفراد الشرطة أنّي صحافي ولست تلميذاً، حالما بدأ التلميذ الغناء سحب الشرطي مسدسه وأطلق النار مباشرة على التلميذ وأمر جميع أفراد الشرطة الذين معه بقول أطلقوا النار.

انطوانيت بيترسون: في المكان الذي أقف فيه الآن استطعت أن أرى بعض التلاميذ السود كأنهم يتحلّقون حول شيء ما، رُحت أنظر فيما بدأ التلاميذ بالتوافد على الموقع بقيت أفكر في مصير هكتور خصوصاً وإن عشرات القتلى سقطوا يومئذ.

سام نزيما: رأيت طفلاً يسقط على الأرض، ظننت أن أحد ضربه أو دفعه إلى الأرض حيث وقع، بعد ذلك قفز شخص يدعى بويسي ماكوبو وحمله بين ذارعيه، قفزت لألتقط تلك الصورة، رأيت انطوانيت بيترسون شقيقة هكتور بيترسون تبكي وتصرخ على جانب الطريق يا رب احفظ حياة أخي.

ماري هاريس- معهد ماكينور لقياس الرأي العام: بدأنا القيام باستطلاعات الرأي عام 1976 أي في نفس العام الذي شهد انتفاضة سويتو، لم يُسمح لنا بسؤال الناس حول موقفهم من حزب المؤتمر الوطني الأفريقي أو عن مانديلا ومَن الذي سيدعمونه، في تلك المرحلة كان السود يشعرون بالإحباط وخيبة الأمل لكنهم كانوا يحملون العديد من الآمال في المستقبل وهو ما ظهر فيما بعد، حيث كان ثلاث أرباع المواطنين عام 1994 راضين عن الحكومة، لكن النسبة تراجعت عام 2005 لتصل إلى ثلثيهم.

أحمد كاثرادا: في منظمة الأمم المتحدة دعمتنا الدول الأفريقية والآسيوية منذ البداية، لكن ذلك الدعم كان في داخل المنظمة أما الدعم العسكري فقد جاءنا من ليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية وأشير هنا إلى حركة التحرر في الجزائر، حيث تلقى مانديلا تدريباً في معسكراتها في وقت مبكر ولذلك عندما أُطلق سراحنا طلبت الولايات المتحدة من مانديلا أن يقطع علاقاته مع كوبا وليبيا ومنظمة التحرير وكان جواب مانديلا للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب.. عندما كنا نناضل جئناكم طلباً للمساعدة لكنكم رفضتم ودعمتم حينها نظام حكومة التمييز العنصري، أمّا هؤلاء الناس فقد دعمونا بكل السُبل ولذا فسيكون من غير الأدب الآن أن نقول لهم شكراً جزيلاً على ما فعلتم، فلم نعد أصدقاء، في نهايات عام 1985 وبدايات العام الذي يليه نقلوا مانديلا إلى سجن منفصل عنّا في سجن بولسمور، حينها خطى مانديلا أول خطوة نحو المفاوضات دون استشارتنا لأنه توقّع معارضتنا وقال فيما بعد حان الوقت الذي يُحتّم على القائد اتخاذ قراره وقد سمحوا له لاحقاً بالتشاور معنا حيث قابل كبار المسؤولين في حكومة البيض وكانت مطالبه إطلاق سراح السجناء السياسيين، رفع الحظر عن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وبقية المنظمات المحظورة، السماح بعودة المبعَدين إلى البلاد.

فريدريك دي كليرك- رئيس جنوب أفريقيا الأسبق: لقد قمت بذلك لأنه كان البديل الوحيد لوقف حمام الدم في جنوب أفريقيا، فنظام الأبارتهيد أو التنمية المنفصلة كما أطلق عليه لاحقاً فشل في جلب العدالة لجميع مواطنين جنوب أفريقيا، علينا أن نعترف بذلك لأنفسنا وقد قمنا بذلك بالفعل، نظام التمييز العنصري وضعنا في زاوية غير مبررة أخلاقياً وهي زاوية خاطئة ولذلك لم أجد ضرر في القول بأنه يجب إيقاف ما هو خاطئ، بل عليّ أن أصحح الطريق وإذا ما سألتني ما هو الدافع الرئيسي خلف قرار التفاوض؟ فهو تصحيح أخطاء الماضي.

"
النضال من أجل القضاء على التمييز العنصري أقل صعوبة من النضال لبناء الوطن
"
أحمد كاثرادا
أحمد كاثرادا: كنا نعلم أن ما ورثناه عن نظام التمييز العنصري هو فقر مدقع وجوع كافر وجريمة مستفحلة وأمراض ومشردون، لقد جاؤونا في اليوم التالي للانتخابات يسألوننا أين المنزل أو العمل الذي سأحصل عليه؟ هذه توقعات الناس دائماً، حينما تنظر للخلف أحد عشر عام من الديمقراطية تجد أننا صنعنا تقدماً مذهلاً، قمنا بتقديم مليون ونصف المليون منزل ووفرنا الكهرباء والماء لكن النضال من أجل القضاء على التمييز العنصري أقل صعوبة من النضال لبناء الوطن.

فريدريك دي كليرك: رغم إنجاز الكثير فيما يخص تقديم الماء النظيف والكهرباء للعديد من الناس وبعض الإنجازات في قصة المساكن لكن حقيقة الأمر هي أن ما يزيد أو يقل عن 50% من مواطني جنوب أفريقيا هم تحت خط الفقر وإننا لم نحقق أي نجاحات درامية في ضمان حقيقي لنوعية الحياة وكسب الحرب على الفقر وفي هذا المجال أعتقد أننا نواجه تحديات عظام وعلى الجميع أن يشارك في حل ذلك.

غسان أبو حسين: في خِضمّ تلك الأحداث المتسارعة كانت قرية مفيزو بإقليم ترانسكاي حيث ولد مانديلا تسير برتابة إيقاعها المعهود ومثل غيرها من الأرياف لم يكن أحد ليتصور أن ابن مفيزو الذي بدأ طفولته هنا راعياً للغنم سيرعى شؤون البلاد، أكثر من ألف ميل ما بين قرية مفيزو مسقط رأس مانديلا ومبتدأ رحلته نحو نيل حرية شعبه وبين ما وصلت إليه جنوب أفريقيا اليوم بدأها مانديلا بخطوة واحدة من هنا، مايو عام 1994 أكبر تجمّع لقادة العالم يشهدون من فوق تراب جنوب أفريقيا مراسم الحفل الذي أسدلت فيه الستارة على قرون من سيطرة البيض وعلت فيه أطياف قوس قزح من أمم وأجناس جاؤوا لحضور تنصيب أول حكومة غير عنصرية فيما كان يُعرف بجنوب أفريقيا العنصرية.

[شريط مسجل]

نيلسون مانديلا: لقد تحدثت عن الحرية فيما مضى من حياتي، إن نضالكم والتزامكم وانتظامكم قد حررني لأقف أمامكم اليوم.

غسان أبو حسين: فجر جديد أطلّ على البلاد فلم تَعُدْ كما كانت، المشهد لم يعهده التاريخ من قبل، فعادةً ما يأتي الاحتلال ويرحل، لكن هذه المرة رحل الاحتلال ولم يرحل المحتلون، في رحلتها نحو التميّز والإنعتاق من التمييز خطت جنوب أفريقيا سِفْر الحرية قبل أن تدرك أن ثمّة ما هو أصعب من الحرية وهو كيف تهبها لمَن حرمك منها.

باليكا مبيتي- رئيسة برلمان جنوب أفريقيا: هذا النظام النيابي بني برمته على العنصرية، قبل عام 1994 كان مبنياً على التمييز ضد الناس على أساس لونهم وذلك ضمن قوانين، فلم يكن مسموحاً للسود بالتصويت في الانتخابات العامة، كانت الأقلية في هذا المجتمع ممثَلة في السلطة، كانوا يقررون بالنيابة عن الجميع ما الذي يجب أن يحدث، أمّا الآن فلدينا نظام يساعد مواطني جنوب أفريقيا للعمل على المصالحة، المصالحة التي تُمكّن الجنوب أفريقيين من احترام الآخَر على أساس أننا منتمون جميعاً إلى جنوب أفريقيا بما فينا المستبدون السابقون والضحايا السابقون، فكلنا جنوب أفريقيين وكلنا نعمل معاً على المصالحة لأننا ننتمي لهذه البلاد وعلينا أن نبنيها معاً.



الوضع بعد التخلص من النظام العنصري

غسان أبو حسين: وإذا كانت الغالبية قد حصلت على الديمقراطية فإنها لم تحصل بعد على الرفاهية الموعودة، حيث مازالت الطوابير في انتظار المسكن أو الأرض التي وعدت الحكومة بإعادة 30% منها للسود حتى عام 2014 لكن 3% فقط عادت حتى الآن.

مشارك أول: بالنسبة لنا كشباب استطعنا الحصول على الحرية لكن حصولنا على الوظيفة مازال صعب المنال.

مشاركة أولى: نحتاج إلى تعليم وإلى مساكن في جنوب أفريقيا، كل هذه الأمور يصعب العثور عليها في مدينة إيست لندن.

مشارك ثاني: الجريمة هي ما يزعجنا الآن، الناس هنا يتعرضون للسرقة في الليل وباستثناء ذلك فكل شيء على ما يرام.

غسان أبو حسين: ومع انقضاء حقبة التمييز العنصري انهارت جدران المنع المحرمة على بقية الأعراق من الوصول إلى الشواطئ وبات بإمكان الجميع الاستمتاع بساعة الأصيل.

مشاركة ثانية: لم يكن يُسمح للسود حتى بامتلاك أو إدارة عمل تجاري، لكن الأمر مختلف الآن، إنها الحرية.

ماري هاريس: لا يزال السود يتوقعون الكثير من الحكومة، يتوقعون منها توفير الوظائف لهم، حيث البطالة هي الشغل الشاغل، بحسب استطلاعاتنا فقط واحد من كل عشرة سود راض عن ما أنجزته الحكومة لهم في توفير الوظائف وهذا ما يتوقعونه من الحكومة على مدى عشر سنوات، من جهة أخرى فإن البيض يتوقعون السلام والمساواة، الأمر ذاته بالنسبة للملونين الذين يشعرون أن حقوقهم منقوصة.

جون ستريمالو- أستاذ العلاقات الدولية بجامعة فيتس: من السهل تحديد التحديات التي ستواجه جنوب أفريقيا خلال السنوات الخمس المقبلة، فكسب الحقوق السياسية ليس سهلاً كالفرص الاقتصادية والاجتماعية والتحدي لهذا المجتمع يتمثّل في التخلّص من ميراث حقبة التمييز العنصري، هناك قلة من البيض الأثرياء فيما الأغلبية هم من الفقراء من غير البيض، لكن في المقابل فإن القطاع الخاص وسّع من الطبقة الوسطى، ليس هناك التزام بقضايا معينة من المرحلة الانتقالية على غرار قضية الأراضي، لكنّي على ثقة بأن هذه القضايا ستجد لها حلولاً بفضل العبقرية السياسية التي أظهرها هذا المجتمع.

[فاصل إعلاني]

"
مدينة جوهانسبرغ أنشئت حول مناجم الذهب الذي اكتشف في منطقة 
عام 1886 لتكون رافدا للعمالة الرخيصة من السود لمصالح البيض الاقتصادية
"
تقرير مسجل
غسان أبو حسين: مدينة جوهانسبرغ أُنشِأت حول مناجم الذهب الذي أُكتُشِف في منطقة (Wit watersona) عام 1886 لتكون رافداً للعمالة الرخيصة من السود لمصالح البيض الاقتصادية، أمّا سويتو فهو الاسم الذي يُطلق على مجموعة الضواحي التي خُصصت للسود في جنوب غرب جوهانسبرغ ومازالت كذلك ومن اتجاه موقعها أخذت اسمها وبين عهد بائد وحرية مكتسبة اليوم ظلت سويتو موطناً للعمالة الرخيصة والبطالة المكشوفة بل والجريمة، لكنها في ظل كل ذلك ظلّت قادرةً على أن تقدّم نماذج مميزة، مورين منيسي ناشطة سياسية في النهار وعاملة نظافة بالليل، لكنها قبل ذلك أمٌ تسابق الشمس في إعداد أبناها للمدرسة مع صباح يوم جديد، قد تكون مورين نموذج لأولئك الذين أنجزوا مشروع الحرية، لكنهم لم يُنجزوا بعد مشروع التحرر من تبعات الاستعمار، مشكلة التعليم في جنوب أفريقيا يصعب انتزاعها من أسس وبناء النظام العنصري الذي كان سائداً حتى عام 1994 والمستمَدة من فلسفة الفصل العنصري التعليمي لمختلف المجموعات العرقية وغياب العدالة حتى في توزيع المعرفة، حيث بدأت بصورة رسمية عقب عام 1948 بإنشاء دارات منفصلة للتعليم الخاص بكل عرق، حيث لكل منهم مدارسه الخاصة ومناهجه التعليمية الخاصة والتي كانت في معظم الأحيان تؤهّل السود للأعمال الدونية في مدارس بميزانيات أقل وفصول غير مؤهّلة وكُتب غير مجانية، في حين تسلّح البيض بمهارات متقدّمة ومدارس أرقى ولذا كانت مواجهة الانعكاسات الناجمة بحاجة لوقت طويل أو على الأقل لجيل جديد.

دانكن هيندل- مدير وزارة التربية بجنوب أفريقيا: نعم سيستغرق الأمر وقتاً حتى يمكننا أن ندّعي بثقة أن أطفالنا في المدارس يحصلون على فرص متساوية في التعليم الجيد بصرف النظر عن لونهم، لكن رغم ذلك لا أرى أننا يجب أن نقلل من الخطوات التي قطعناها في إلغاء إرث التمييز في التعليم، خصوصاً في المدارس الابتدائية، حيث نرى اليوم تلاميذ بيضاً وسود يتفاعلون بسعادة ومع ذلك أعتقد أننا بحاجة إلى عشرين عاماً مقبلة كي نتمكّن من القول إننا نملك نظاماً يتيح فرص تعليم متساوية في هذا البلد.

غسان أبو حسين: إلى المحكمة تتوجه مورين رافعةً قضيةً ضد جهاز الأمن، بعد ما وفّرت أجواء الحرية الحالية الفرصة للتقدم بالشكوى أمام القضاء على مسؤول رفيع المستوى في جهاز الأمن بادعائها حول مسؤوليته عن هجوم لعناصر الشرطة على مظاهرة لمنظمة فاقدو أرضهم وتعرض عدد من أعضائها للضرب، المشهد قد يبدوا غريباً عن أيام سابقة فالقاضي والمدّعي والمتهم كلهم من السود هذه المرة.

مورين منيسي- ناشطة في منظمة فاقدو الأرض: نحن في انتظار ما سيخرج به المدّعي العام فيما يخص قضيتنا، لقد قالوا هذا الصباح إنهم لا يزالون يبحثون في أي محكمة ستنظر في قضيتنا، خططنا لإقامة مهرجان لمنظمتنا في إبريل عام 2003 وقبل أن تبدأ الفاعلية بدأت الشرطة باعتقالنا وتعذيبنا ولذلك رفعنا قضية ضد الشرطة وفي المقابل رفعت الدولة قضية ضدنا، بعد أن صوتنا في السنوات الخمس الأولى للحكومة وجدنا أنها لن تتعامل مع قضية الأرض وفق ما ينبغي ورأينا استمرار معاناة الناس تجاه فقدان الأرض فـ 78% من الأرض هنا ما زالت تعود ملكيتها للمزارعين البيض و3% فقط للسود.

غسان أبو حسين: الرعاية الصحية ظلّت الشغل الشاغل للعديد من فقراء جنوب أفريقيا، في بلد تتزايد فيه نسب الإصابات والحوادث وجرائم القتل اليومية عن خمسين جريمة حسب الإحصاءات الرسمية.

شعيب محمد- مستشفى كريس هاني براغواناث بسويتو: هذا المستشفى هو الأكبر في جنوب أفريقيا، حيث يستقبل على مدار الساعة يومياً بين ثلاثمائة إلى أربعمائة مريض، معظم الإصابات تأتينا بسبب حوادث الطرق وحوادث العنف في المجتمع وترتفع في نهاية الأسبوع بسبب احتساء الكحول، كما تعلم فإن فيروس (HIV) في تنامٍ مستمر في جنوب أفريقيا، لذا فإن الإستراتيجية لمكافحته تقوم على طريقين؛ الأولى الوقاية من انتشاره والثانية تقوم على كيفية علاج المصابين به بفاعلية.

غسان أبو حسين: أكثر من خمسة ملاين شخص من إجمالي السكان البالغ تعدادهم نحو ثلاثة وأربعين مليون نسمة يحملون فيروس(HIV) المسبب لمرض الإيدز وفق أرقام منظمة الأمم المتحدة واستناداً إلى مجلس الأبحاث الطبية هنا تنتقل عدوى الفيروس لألف وسبعمائة شخص يومياً، غير أن عدداً من مسؤولي الحكومة في أفريقيا يشككون في دور فيرس (HIV) في الإصابة بمرض الإيدز وهو ما يُبقي الجدل مستمراً في ظل تصاعد عدد المصابين.

مانتو ميسمانغ- وزيرة الصحة بجنوب أفريقيا: أعتقد أنه يجب علينا أن نفهم الفرق بين الشخص المصاب بفيروس نقص المناعة المكتسب (HIV) ومن لدية مرض الإيدز، لأن بعض الأحيان نُطلق على فيروس (HIV) مرض الإيدز وهذا ليس صحيحاً، إنه ظاهرة ولذلك علينا أن نفرّق مرة واحدة وللأبد بين الاثنين، بحيث نخلق رسالة أمل عالمية للأناس المصابين.

غسان أبو حسين: بعد عناء يوم طويل بين البيت والمحكمة تبدأ مورين يوم عملها الذي لا يخلو من المشقّة في الوقت الذي يأوي الناس فيه إلى فراشهم.

مورين منيسي: بدأت عملي هذا كعاملة نظافة منذ عام 1996، أعمل في مناوبة ليلية، بالطبع ليس من السهل على امرأة العمل ليلاً لكن الوضع الذي نعيشه أجبرني أن أعمل في مثل هذا الوقت وأن أترك أطفالي وحدهم، إنه ليس بالأمر السهل، أجد صعوبات في تسيير أمور البيت بسبب موقع المنزل الذي أعيش فيه وطبيعته وفترة الدوام، إنَّ نضالنا سيجبر الحكومة على تسريع حل مشكلة الأرض لأننا إذا ما جلسنا وأيدينا مكتوفة فلن نتمكّن من استعادة أراضينا، حسناً أودّ أن أقول إنني سأضمن حياة كريمة إذا ما حصلت على الأرض، لكن إذا لم يتحقق لي ذلك فلن أتملك منزلاً وستكون هناك مشكلة حقيقية لأننا لا نرغب في العيش في مثل هذه الأوضاع غير الصحية واللا مقبولة، فأنا أتمنى لو أن لي منزلاً عادياً كالآخرين لأقيم فيه ولكن لكي أحقق ذلك يجب أن أحصل على الأرض أولاً.