- كنوز وتراث تمبكتو
- تمبكتو والمستكشفون الغربيون

- جهود ترميم مخطوطات تمبكتو

- أخطار تتهدد تراث تمبكتو






عياش دراجي: لو لم يكن للصحراء سر وسحر لما نشأت فيها مدن وحواضر، قبل تسعة قرون كانت هذه الأفاق قاحلة لا تشهد غير حل وترحال القوافل، لكن التاريخ أراد هو الآخر أن يحط بعض رحاله عند بئر امرأة اسمها بكتو.. بئر بكتو بأمازيغية الطوارق تعني تنبكتو، خلف زرائب القش هذه التي مازالت تحفظ للمكان القديم مشهده وروحه وُلِدت مدينة على إيقاع حركة القوافل حلا وترحالا، طريق القوافل كانت تسمى طريق الملح وتمتد من تنبكتو إلى مناجم مدن الشمال وقد أدرك الطوارق أن الملح وحده لا يصنع حضارة.

علي ولد سيدي- مدير البعثة الثقافية في تنبكتو: انطلاقا من تنبكتو كانت هناك طرقا نحو الشمال لأن تنبكتو كانت همزة وصل مع أفريقيا الشمالية وعندها التقت طرق الملح والذهب والحمر، طريق الملح كانت تبدأ من تغازا أو تودني الواقعة على بعد ثمانمائة وخمسين كيلومترا شمالا وتنبكتو كانت أيضا تصل إليها طريق المخطوطات.

كنوز وتراث تمبكتو

عياش دراجي: الملح أو الذهب الأبيض كما كان يسمى هنا كان سعره أغلى من الذهب ولا عجب فحاجة أهل الصحراء إليه تفوق حاجتهم إلى المعدن الأصفر الذي كان يُصَدر إلى الشمال مع منتوجات أفريقية أخرى.

محمود عبده الزبير- مستشار رئيس جمهورية مالي: الذهب في بلاد السودان كان رخيص قياسا بالملح لأن الذهب كان يُبَادل.. الملح كان يُبَادل بالذهب يعني التجار المغاربة كانوا يأتوا بالملح ويبادلونه بالذهب والذهب في ذلك الوقت كان تبر يعني معظمه كان تبر.

عياش دراجي: المدينة التي تكاد تتحول فيها الأسطورة إلى حقيقة عرفت عهدا مزدهرا مع بدايات القرن الرابع عشر واشتهرت أكثر عقب عودة الملك كانكان موسى من الحج عام 1325 والذي بنى مسجد جنغري بير أو المسجد الكبير كباكورة عهد جديد، الملك كانكان موسى الذي كان يحكم هذه البلاد قبل سبعة قرون منح مائتي كيلو غرام من الذهب إلى المهندس الأندلسي أبي إسحاق الساحلي ليبني له هذا المسجد الذي أصبح فيما بعد منارة إشعاع حضاري يتجاوز منطقة الساحل والصحراء، حركة تغيير علمي وعمراني بدأها الملك الذي اُعتُبِرت حجته أشهر حجة في التاريخ الإسلامي إذ أخذ معه فيها اثني عشر طنا من الذهب مما أدى إلى هبوط سعره في القاهرة إذ تصدق بالذهب كله واضطر للاستدانة كي يتمكن من العودة لكنه عاد بهمة عالية أفرزت نهضة في العلم والعمران ومكنت تنبكتو من أن تنافس بقية المدن والحواضر الإسلامية وبلغت المدينة أوج رقيها في القرن السادس عشر.

عبد الرحمن بن السيوطي- إمام مسجد جنغري بير- تنبكتو: صحيح أن تنبكتو كانت بعيدة نوعا ما، لكن هذا لا يعني أن ننساها وهناك نوع من الإهمال بالتأكيد، هذا المسجد الذي عمره نحو سبعمائة سنة يعاني اليوم وقد صُنِف ضمن التراث العالمي منذ 1988 وقامت اليونسكو بترميمه حتى تمت إزالته من قائمة المعالم التراثية المهددة بالزوال، من هنا وحتى سنوات قليلة قادمة إذا لم نرمم المسجد فقد يعود مرة أخرى إلى قائمة المعالم التراثية المهددة، طبعا هذا إذا لم تُعَدْ صيانته على نحو كامل فهو مهدد والسقف بحاجة إلى تغيير فهو آيل للسقوط.

عياش دراجي: الثورة الهندسية التي شهدتها تنبكتو قبل سبعة قرون أدت إلى ميلاد طراز مزيج بين الهندسة السودانية السواحلية وأنماط هندسية أخرى.

"
تمبكتو عرفت طرازات هندسية ثلاثة هي الهندسة السودانية، وهندسة شرقية ظهرت في نهاية القرن الـ15، وهندسة فرنسية في نهاية القرن الـ19
"
علي ولد سيدي
علي ولد سيدي: البنا يبني جدران سميكة تفاديا لحرارة الشمس، بناية الهندسة السودانية فيها فناء ومنارة هرمية، أيضا كان هناك تواصل مع شمال أفريقيا وقد ظهرت هندسة جديدة في نهاية القرن الخامس عشر هي الهندسة الشرقية مع ظهور الأقواس والأشكال البيضاوية إضافة إلى ظهور الهندسة الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر، إذاً تنبكتو عرفت طرازات هندسية ثلاث.

عياش دراجي: الذوق السليم كان موضة العصر آنذاك وهو يعكس مستوى اجتماعيا رفيعا ولم يقتصر على مجال البناء الذي يستخدم فيه حجر الحور المناسب للبيئة الصحراوية بل تجاوزه إلى هندسة الأبواب ونجارتها وهي فن برع فيه نجارو تنبكتو أكثر من غيرهم في بقية المدن، هذه النوافذ يسمونها النوافذ التي تغار على نسائها وكيف لا تغار تنبكتو وقد حملت اسم امرأة، كل شيء كان مثيرا للاهتمام في تاريخ تنبكتو فحتى خبزها المستدير تكلمت عنه بطون الكتب ومازالت أفرانه الطينية تقابلك على جنبات الشوارع، خبز أكل منه الرحالة العربي ابن بطوطة حينما زار المدينة عام 1353، مدينة تخبز خبزها في شوارعها، مدينة لا تعرف البخل، تنبكتو اليوم وهي المدينة الصحراوية البسيطة تحاول الانبعاث من ركام الذاكرة.. ذاكرة تاريخ مشترك بنته قبائل الطوارق والعرب والأفارقة.. قبائل انصهرت وتصاهرت جميعا لتشكل مزيجا عرقيا لا فكاك بين أجزاءه ولكن تنبكتو المالية لم تشتهر بالتجارة فحسب بل كانت مدينة علم بلغت سمعتها الشرق والغرب كان عدد سكانها مائة آلف أكثر من ربعهم من طلبة العلم.

محمود عبده الزبير: كان عدد الطلبة فيها أكثر من خمسة وعشرين آلف طالب يعني ما يعادل سكان المدينة اليوم وكان فيها عدد المحضرات وعدد الكتاتيب والمراكز والمجالس العلمية تزيد على ثمانين أو تزيد على المائتين تقريبا في تنبكتو في ذلك الوقت، فإذاً كانت هناك حاجة كبيرة لإشباع فضول هؤلاء من العلوم كانوا يحتاجوا إلى كتب فكانت تأتيها مخطوطات كثيرة يعني مش كل هذه الجهات.

محمود محمد ددب- فقيه وأستاذ لغة عربية: المخطوطات جاءت إلى تنبكتو بعدة طرق لأن كما قلت لكم أولا إذا كان المكان مكان خاص للعلماء فالعلماء لابد لهم أن يكتبوا وقد يكون واحدا عالما ولا يقدر على الكتابة وليس بنساخا إذاً لابد أن يكون هناك رجال يمارسون النسخ والذي يمارس النسخ أيضا لابد أن يكون عالما ولابد أن يكون أيضا مجلدين، إذاً تنبكتو كان سوقا للعلم فلذلك يقول ليون لافريكا أهم التجارة الرائجة الرابحة في منطقة تنبكتو هي بيع الكتب، الناس كانوا لا يعيشون إلا بالكتب، حياتهم الكتب.. العلم، إذاً الكتب تأتي من طريق الصحراء، مثلا من طريق الصحراء بدء من طرابلس مثلا يأتي هناك الأوراق لنسخ الكتب أولا يأتي من جهة إيطاليا إلى طرابلس إلى هنا كما هناك بعض الأوراق يأتي من جهة مصر من طريق البحر فهذه الأوراق نحن يمكن أن نميز بين المخطوطات، هناك تمييزات خاصة نستطيع أن نعبر عنها أن نعمل التفاصيل بين هذه المخطوطة وهذه المخطوطة.

عياش دراجي: قلب تنبكتو الذي ينبض تاريخا ويضخ تراثا كان يتغذى من هذا المكان من جامعة سانكوري التي بنتها امرأة ثرية في القرن الخامس عشر وكانت تُدَرَس فيها كل المعارف والعلوم لكنها أمست اليوم مسجدا للصلوات الخمس لا أكثر، شتان بين الأمس واليوم فكتاتيب تعليم القرآن أضحت على هذه الحال والممسكون على جمر التعلم هنا يجعلون من بيوتهم كتاتيب ويرفضون وهن الحاضر وهوان ماضيهم على الناس.

طالبة بالكُتاب: بسم الله الرحمن الرحيم {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرُ وإن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ"}.

علي ولد سيدي: التعليم كان منظما في أربعة أطوار، السنة الرابعة يبدأ التعليم الأكاديمي وعندما ينتهي الطالب من تعليمه يجلس إلى أربعين شيخا أو معلما يمتحنونه وعندما يجتاز الامتحان يمنحونه دبلوما أو إجازة ثم يمنحونه عمامة ذات دلالة أكاديمية، إذا وُضِعت بهذا الشكل كحرف الألف فهذا يعني أن الطالب حذا إجادة في النحو وإذا أدرتها كحرف اللام تعني إجازة في الجغرافيا ثم تكرر حرف اللام يعني إجازة في الرياضيات مثلا وهذه الاستدارة كحرف الهاء تعني إجازة أخرى والحروف مجتمعة تشكل لفظة الجلالة الله وعقب الامتحان يمكن للطالب أن يفسر معاني القرآن هذه الرمزية نجدها فقط في جامعة سانكوري.

عياش دراجي: في تنبكتو نحو ثمانين عائلة تملك مكتبات خاصة من المخطوطات وفي منطقة تنبكتو وحدها يُقَدَّر عدد المخطوطات بثلاثمائة ألف جُلِبت إليها من طرق شتى تسمى طرق الحبر أو الطرق المداد.

محمود محمد ددب: هناك علاقة قوية بين تنبكتو وجميع المراكز العلمية، مسجد القرويين بفاس أم القرى وحتى مثلا إذا أخذنا مثلا طرق الحجاج الذين يأتون من حج بيت الله الحرام يأتون بالكتب، هناك مَن يأتي للتعليم وهناك أيضا مَن يأتي فقط لزيارة بعض العلماء وهناك مَن يأتي للتعليم وهناك مَن يخرج من هنا إلى تنبكتو ويذهب إلى مكان آخر وكذلك أيضا الأمراء في ذلك الزمن كانوا يحبون العلم ويشجعون العلماء على الكتابة.. على التأليف هذا كله مما ساهم مساهمة جبارة في كثافة المخطوطات.

"
كثير من المخطوطات جاءت من إسبانيا في العهد الإسلامي عقب طرد كثير من المسلمين الإسبان
"
محمد جلة ديكو
محمد جلة ديكو- مدير معهد أحمد بابا للدراسات الإسلامية: الطرق كثيرة ومتعددة وتباينت مع تغير التاريخ ومراكز الاستقطاب، كانت مراكش وتنبكتو ثم الجنوب الجزائري ثم ليبيا والشرق إذاً الطرق مختلفة وكثيرة ومراكز المصالح تغيرت مع تغير التاريخ، نرى كثيرا من الطرق أولا الطريق الغربي أسبانيا ثم المغرب فتنبكتو لأن كثيرا من المخطوطات جاءت من أسبانيا في العهد الإسلامي ووجد كثير من المسلمين الأسبان أنفسهم في تنبكتو عقب طردهم من هناك كما تعرفون ولدينا مخطوطاتهم هنا.. لدينا معالم تحمل أسماء علماء أسبان مثل مسجد سيدي يحيى، سيدي يحيى كان أندلسيا أسبانيا، أيضا هناك طريق آخر مركزي يمر عبر بدامس الليبية نحو تنبكتو وأيضا طريق الشرق مصر أو مكة كان ذلك عندما كانت مالي بلدا غنيا والعلماء يُدفَع لهم بشكل جيد.

عياش دراجي: تنبكتو تدرك أن كل هذا من الماضي لذلك تلتزم الصمت متواضعة بكبرياء لكنها تصر على إنعاش تراثها حتى وإن بقى الآخرون يدورون في حلقة مفرغة أو عاقبتهم أقدار دورة الحضارة كما يعاقب المعلم تلميذه.

على ولد سيدي: هناك انبعاث أو نهضة ناشئة فاليوم أدرك الناس مدى أهمية التراث الموجود هنا لاسيما الهندسي والمكتوب وهناك جهود تُبذَل خاصة من أجل التراث المكتوب أي من أجل المخطوطات التي تحتوي على كنوز.

عياش دراجي: عبد القادر حيدرة فضل فتح مكتبة مخطوطات ورثها عن أجداده يروي لنا قصة وصولها إليه وهو الذي يرعاها منذ خمسة وعشرين عاما ويرتزق من تعاونه مع مراكز بحث مهتمة بمخطوطاته.

عبد القادر حيدرة- صاحب مكتبة ممأ حيدرة للمخطوطات: هذه المكتبة هي المكتبة اللي تسمي بمكتبة ممأ حيدرة للمخطوطات والوثائق هنا في تنبكتو وهي مكتبة الحقيقة قديمة جدا لأنها مكتبة موجودة منذ القرن السادس عشر الميلادي في هذه الأراضي وكانت تنتقل في البوادي وفي القرى وكذا إلى أن وصلت أخيرا إلى مدينة تنبكتو وثبتت فيها، ورثها الآباء عن الأجداد وهكذا يعني حتى وصلت إلينا وحقيقة وقع لها الكثير من الويلات والمصائب والفساد فيما سبق ونحن منذ سنة 1993 بدأنا بالعناية بهذه المكتبة لأننا نرى في كل سنة في مخطوطات تذوب وتنقص يعني وينقص أعداد المخطوطات، إذاً فأنا فكرت في أن أجعل هذا المشروع لبناء مثل هذا المبنى لنضع فيها هذه المخطوطات حتى تكون يعني في مكان يمكن.. يسهل تناولها للباحثين والمهتمين لأجل هذا حولناها إلى هذا المكان.

تمبكتو والمستكشفون الغربيون



عياش دراجي: مجرد اسم تنبكتو مثير للفضول والخيال الغربي إلى درجة المغامرة المميتة وقد شد أكثر من مستكشف غربي رحاله إليها خلال القرن التاسع عشر ومنهم مَن هلك قبل الوصول مثل الإنجليزي غوردن لنغ ومنهم من نجى مثل الفرنسي روني كاييه الذي سكن هذا البيت عندما وصل تنبكتو في أبريل / نيسان من عام ألف وثماني مئة وثمانية وعشرين بعد رحلة أفريقية استغرقت أربع سنوات انطلاقا من السنغال، إصراره على نجاح المغامرة جعله ينتحل شخصية شاب عربي رباه جنود نابليون، لكن المغامرة التي كادت أن تفشل هي التي قام بها الألماني هنريك بارت والذي انتحل شخصية شاب مسلم هو الآخر.

"
الملكة فكتوريا أرسلت المستكشف الألماني هنريك بارت في مهمة استكشافية إلى أفريقيا، حيث أمضى بارت 7 أشهر في تمبكتو جمع خلالها معلومات كثيرة حول الحياة والحضارة فيها
"
فهيدي حيدرة
فهيدي حيدرة: هذه هي الغرفة التي كان يسكنها المستكشف الألماني هنريك بارت الذي أُرسِل من قِبل فيكتوريا ملكة إنجلترا بين عامي ألف وثمان مئة وثلاث وخمسين ألف وثمان مئة وأربع وخمسين، كانت مهمته استكشاف أفريقيا ففي تلك الفترة بحثوا عن رجل أبيض يستكشف أفريقيا فلم يجدوا غير الألماني هنريك بارت وقد أعطته الملكة فيكتوريا سيفا يهديه بدوره إلى صاحب الدار التي سيسكن فيها وكان مضيفه هو الشيخ البكاي الكونتي وقد كان بارت يتكلم العربية وادعى أنه مسلم في حين كان مسيحيا، آنذاك كانت تنبكتو تحت حكم ملك من قبائل الفُلاتة ومقره منطقة ماسينا جنوبا وتسائل الملك كيف للشيخ أن يستضيف بارت؟ فرد الشيخ أنه استضافه لظنه أنه مسلم واسمه عبد الكريم وادعى أنه من آل البيت وجاء للبحث عن جذور الإسلام هنا وفي هذا الإطار تم استقباله، الشيخ أعطاه مخطوطات وكثيرا من الأشياء وكان هو يمضي وقته في التدوين وجمع كثير من المعلومات حول الحياة والحضارة في تنبكتو، يكتب هذا في سجله الذي أخذه إلى ألمانيا وفي هذا الإطار استضيف ستة أو سبعة أشهر وعُلِم فيما بعد أنه ليس مسلما وحين هم بالرحيل قال له الشيخ إنه تحت حمايته وألا يخاف وكان في النهار يتخفى وفي الليل يعود لينام في هذه الغرفة.

عياش دراجي: استضافة المستكشف الألماني أثارت جدلا اضطر فيه مضيفه وهو أحد العلماء إلى إصدار فتاوى على أساس أنه مستجير ونظم قصيدة تبرئ صاحبه من الخيانة والتجسس والقصة بحيثياتها مع القصيدة مسجلة على مخطوطة في مكتبة عبد القادر. مكتبة عائلية أخرى جاءت كتبها من الأندلس عقب سقوطها لا تزال تحتفظ بها عائلة منحدرة من صاحب المكتبة محمود الكوتي أو الكاتي تحتفظ بها بعد أن جمعت منها أكثر من سبعة آلاف مخطوطة.

حواء توريي- مكتبة الكوتي الأندلسية: هذه المكتبة عائلية يعود تاريخها إلى عام 1468 منذ أن نُفِيَ علي بن زياد الكوتي أو القوتي فغادر الأندلس انطلاقا من طليطلة ومر على سبتة ثم فاس وولاتة ثم بلاد سوننكي حيث تزوج خديجة أخت الملك محمد سيلا وأنجب منها ولدا اسمه محمود وهذه المكتبة تسمت باسمه، إذاً تاريخ هذه المكتبة بدأ هنا وبخروجه من طليطلة جاء علي بن زياد ببعض من المخطوطات واشترى بعضها من فاس وولاتة، أيضا نجد هنا مخطوطات صهره الملك أزكيا محمد ومخطوطات ابنه محمود كاتي وغيرهم حتى القرن التاسع عشر.

عياش دراجي: أصحاب المكتبات الخاصة يفضلون ألا يخنقوا مكتباتهم بنوافذ زجاجية كي يتركوا أوراق المخطوطات تتنفس وذلك أضمن لها من التلف حتى وإن كان غبار الصحراء يتسلل إليها دائما ويكاد الغبار ينطق بأن هذه الكتب لا غبار عليها.

حوار توريي: أقول لكل مَن يعتقد أن أفريقيا معقل أمراض أن أفريقيا فيها الإنسانية وفيها الثقافة، فيها رجال يعيشون للثقافة منذ زمن بعيد وأجدادنا كانوا يعيشون على الثقافة ليس فقط الجوع والعطش والمعاناة بل العلم أيضا موجود في أفريقيا وهذا التراث وهذه المخطوطات مثال على ذلك.

[موجز الأنباء]

جهود ترميم مخطوطات تمبكتو



عياش دراجي: كثيرة هي المخطوطات التي ضاعت ولا سبيل لإعادتها أو ترميمها وكثيرة هي التي نجحت عمليات ترميمها وإنقاذها من التلف كهذه المخطوطة من صحيح مسلم، أما هذه المخطوطة في علم الجغرافيا فقد رسمت مياه الأمطار عليها جغرافيتها لكنها نجت من التلف لحسن الحظ.

"
للكتب والمخطوطات أعداء كثيرون، فالماء يغرقها والفأر يخرقها واللص يسرقها والجاهل يمزقها
"
محمود محمد ددب
محمود محمد ددب: والمخطوطات بصفة عامة في تنبكتو وضواحيها بالخلاصة صراحة هي تمثل الصورة الفعالية.. الصورة الحقيقية لماضي تنبكتو مع أن تنبكتو اليوم بين فرغانا وغانا تنبكتو الآن بين أطباق لتهديدها من كل جهة بمعنى أطفال تنبكتو أغلبهم لا يعرفون قيمة المخطوطات، الذي لا يعرف قيمة المخطوطات يضيعها، وجدنا في بين المخطوطات.. يقولون للكتب أعداء كثيرة الماء تغرقها والفأر يخرقها والقرضة تحرقها والماء تغرقها واللص يسرقها وهذه كلها أعداء للمخطوطات والجاهل أيضا يمزقها.. لا يبالي بها ولا يعرف قيمتها فهذه كلها من الأشياء التي نحن نعيشها اليوم، فلذلك نحن نرجو من أبناء تنبكتو ومن جميع المسؤولين من أي جهة كانوا أن يهتموا بشؤون هذه المخطوطات لأن هذه المخطوطات كأنها بطاقة الجنسية للعالم الإسلامي، الذي يملك المخطوطة لا يملكها لنفسه خاصة إنما يملكها لجميع المسلمين وغير المسلمين لأن كل واحد يريد أن يغرف من هذا البحر شيء يستفيد منه.

عبد القادر حيدرة: حقيقة نحن هنا منذ أن بدأنا يعني في طلب المساعدة للحفاظ على هذه التراث أو لإنقاذها لم نجد أحد من الدول العرب أو المسلمين ساعدنا في إنقاذها للأسف الشديد، المؤسسة الوحيدة التي ساعدتنا لبناء هذا المبنى هي مؤسسة خيرية أميركية وساعدتنا بدون شروط لبناء هذا المبنى، حقيقة هذه المؤسسة لا نعرفها ولم يسبق لنا أن نرى منها أحد وإنما واحد باحث هو مدرس في جامعة هاربر الذي زارنا وصور المكتبة آنذاك عندما كانت في البيت ووعدنا بأنه سيبحث لنا عن مساعدين عندهم في أميركا.

عياش دراجي: مركز أو معهد أحمد بابا للدراسات العليا والبحوث الإسلامية التي يحرص على جمع المخطوطات منذ عام 1970 يحرص أيضا على ترميم المخطوطات بما توفر لديه من وسائل ويحصي المركز نحو ثلاثمائة ألف مخطوطة في تنبكتو وضواحيها.

"
معهد أحمد بابا للدراسات العليا والبحوث الإسلامية يعد من ناحية المعطيات التراثية أكبر معهد في أفريقيا ثراء بالمخطوطات
"
ديكو
محمد جلة ديكو: نجمع المخطوطات عبر كامل البلاد ولكن ليس لدينا الوسائل للقيام بذلك كما يجب، حتى الآن لا نجمع فعليا إلا المخطوطات الموجودة في تنبكتو والمناطق القريبة منها وقد استطعنا أن نجمع نحو خمس وعشرين ألف مخطوطة ومعهدنا من ناحية المعطيات التراثية يعد أكبر معهد في أفريقيا جنوب الصحراء ثراء بالمخطوطات ونحن نجمع المخطوطات واجهتنا صعوبات في البداية وقد كان الناس مترددين في التنازل لنا عن مخططاتهم وحاليا عندما تكون لدينا الوسائل نشتريها منهم بأثمان غالية ولكن ليس كل واحدا يقبل أن يبيعنا مخطوطاته.

عياش دراجي: ورشة التخزين والتصوير الرقمي تحاول العمل بموازاة ورشة الترميم والتغليف لإنشاء مكتبة رقمية وتحوي حتى بعض المخطوطات المبتورة.

محمد دايغاييتي- مسؤول ورشة التصوير الرقمي: هذا المخطوط للحاج عمر تال الفوتي، هو نراه أنه ألفه ونظمه في المدينة المنورة وخاتمة المخطوط شاهد على ما نقوله ولكن الذي يؤسف له كثيرا أن بداية القصيدة مبتور وناقصة، إذاً نحن لا يمكن أن نستفيد من هذه المخطوطة اللهم إلا إذا حصلنا على نسخة أخرى في مكان آخر، هذا من المشكلات وثمة مشاكل أخرى أيضا يمكن أن.. المشاكل الأخرى التي يمكن أن نضيفها وجود نسخ أخرى أيضا مبتلة وبالية لا يمكن قراءتها وهي في الحقيقة نسخ نفيسة جدا جدا، إذاً لا توجد لنا نسخ أخرى لها.

عياش دراجي: تراث لا يبلى ويأبى أن يتجاوزه الزمن، مخطوطات الأمس تكاد تنطق بحديث الساعة أو هي تنطق به فعلا، عثرنا فيه على كتاب مخطوطا يتناول بعض أمراض النفس وثاني يهتم ببعض أمراض الجسد.

محمد جلة ديكو: هذا الكتاب يعود إلى القرن السادس عشر لأحمد بابا يعاصر تقريبا مكيافيلي ولكن يعاكسه تماما ففيه يتحدث أحمد بابا عن سلوك المحكوم تجاه الحاكم وسلوك الحاكم تجاه المحكوم كما يتحدث عن سلوك أهل العلم تجاه أصحاب السلطة وفي هذا يدعوا مباشرة المثقفين إلى عدم المبالغة في الاحتكاك بأهل السلطان وإلا فإنهم سيفسدون ويصبحون مرتشين، إذاً لدينا هذا النوع من الكتب التي تشكل مادة جدل ونقاش في الوقت الراهن وهي التي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، لدينا هنا أيضا كتاب مخطوطا آخر يتكون من مائتي صفحة حول الصيدلة والطب التقليدي يتحدث عن كل الأمراض في المنطقة وعن طرق علاجها وتُقسم فيه الأمراض إلى أمراض باردة وأخرى ساخنة ويصف الدواء لها وهذا الكتاب غير مسبوق.

محمود محمد ددب: من غرائب وعجائب ما لاحظناه بين المخطوطات أن العلماء القدماء يترجمون كتب النحو إلى كتب التصوف ويترجمون كتب التصوف إلى فن آخر، مثلا الكتاب الرسالة الميمونة الموجودة في مكتبة هنا مكتبة محمد طاهر هذا الكتاب يقال الرسالة الميمونة صاحبة يشرح الأجرمية في النحو على طريقة التوحيد وكما لاحظنا أيضا من بين الكتب هناك كتاب في النحو لابن مالك هذا الكتاب بعض العلماء يشرحونه بطريقة المدح على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كله عندنا مثال ونماذج موجودة في كثير من المكتبات في تنبكتو وضواحيها.

عياش دراجي: مكتبة ماما حيدرة التي عُرِضت بعض مخطوطاتها في مكتبة الكونغرس الأميركية لا تتجاوز مساحتها ثلاثين مترا مربعا وقد دعانا صاحبها إلى بيته لنطلع على كنز آخر من مخطوطات تنتظر الترميم أو الفرج وهي التي تحمل جراحات التلف والتردي الذي أصابها خلال القرون السالفة.

أخطار تتهدد تراث تمبكتو



عبد القادر حيدرة: تكلمنا عن الويلات اللي أصابت هذه المخطوطات شوف كيف بالت الأرضة.. القرضة يعني، كيف أكلت المخطوطات بهذه الصورة حتى أتلفتها ولم يبقى منها شيء، الصندوق هذا كان مملوء من المخطوطات ولكن أكلتها القرضة كلها لم يبقى منها أي شيء يفيد وهذه المخطوطة حتى الآن ممكن نقول سليمة يعني ولكن تحتاج إلى الترميم وهنا تكلمنا عن ما فعله الماء الأمطار بهذه المخطوطات فمثلا هذه الكتب ضاعت بسبب الماء، سابقا قلت لكم في سنة من السنين البيت التي تؤويه المخطوطات انهدمت وصارت المخطوطات تحت الطين ثم جاؤوا الناس واستخرجوها وضاع الكثير منها هذا مثال ذلك وسبق أيضا أن قلنا أن البيت هب فيه النار.. شب فيه النار وضاع الكثير من المخطوطات هذا أثار تلك النار.. شوفته، هذه مخطوطة مهمة جدا من المخطوطات لأن هذه المخطوطة يقول الناسخ الذي اسمه باب عثمان بن الأمام الصديق بن الشريف علي بن عمر الشريف الحسيني، وافق الفراغ من شرح السوداني الذي ألفه شيخنا محمد بغيغه نفعنا الله به في يوم الأحد في ثلاثة وعشرون من شهر الله المحرم في سنة عام 1103 من الهجرة هذا تأليف لمحمد بغيغه.. محمد بغيغه من العلماء الذين كانوا يدرسون في جامعة سانكوري وهذا الجزء شوف ترى كيف أكلته النار وهذا آخره وأوله أيضا موجود ولكن الجزء الذي قبله ضاع وعندما نقول أن فيه مؤسسة أميركية هي التي تساعدنا في إنقاذ هذه المخطوطات وهي أيضا ليست لها أي شيء أي دور أو أي طلب لذلك، فقط أن هذا تاريخ أو أثري أو تاريخ ثقافي وساعدونا لإنقاذ جزء منها والآن نريد من إخواننا المسلمين أن يكملوا هذه المهمة.

محمود عبده الزبير: بعض الباحثين في أميركا يعني بدؤوا يعني ينصحوا بقراءة التراث المخطوط في هذه المناطق لأن هناك العلماء يعني بذلوا جهود كبيرة في فض كثير من الخلافات في ذلك الوقت وكتبوا فيها كتب يعني معروفة، يعني من هذه الكتب يعني تذكرة الغافلين للحاج عمر الفوتي، يعني كتبها عن اختلاف وقع بين دولتين إسلاميتين هي دولة خلافة سكوتو ودولة برنو وقع بينهم.. هذا كله في نيجيريا وتشاد حاليا، فكان هناك كانت هناك حرب مدمرة بين هاتين المملكتين فالحاج عمر الفوتي في طريقه إلى الحج مر على هذه المنطقة وزار ملك برنو وزار ملك سكوتو وحاول أن يصلح بينهما، كان المفروض أننا نحن كأفارقة أول مَن ينهض للاستفادة هذه الأشياء لأن الآن في أفريقيا كما تعرف هناك حروب مدمرة في أجزاء كثيرة من القارة، حروب قبلية وما أشبه ذلك، لكن الأميركان بادروا إلى هذا فاهتموا بهذا الموضوع بالذات يعني طبعا ربما هما اهتموا بها ليستفيدوا من طريقة معالجة المسلمين لخلافات بينهم ليشوفوا لمعالجة الأمور بينهم وبين المسلمين يعني.

محمد جلة ديكو: أين المسلمون من كل هذا؟ نحن مازلنا في انتظارهم، أما الآن فالصمت مطبق وغيباهم كامل عن جهود حماية هذا التراث الذي هو ملك للأمة الإسلامية خاصة، ثم إن أغلب المخطوطات فيها علوم إسلامية ولابد للأمة أن تتدخل لحماية تراثها هذا أولا وثانيا إن 95% من المخطوطات مكتوبة باللغة العربية.

عياش دراجي: لإنقاذ هذه المخطوطات وتصنيفها وفهرستها وعرضها وربما نشرها لابد من جهد ومال فالاهتمام وحده لا يكفي فمثلا مخطوطات عائلة حيدرة لم يُعرَض منها سوى أربعة آلاف ولا تزال خمسة آلاف حبيسة في الصناديق وهذا المخزن ولكن الاهتمام الخارجي بمخطوطات تنبكتو ليس دائما بريئا فهناك المخطوطات التي تُسَرَب إلى الخارج استغلالا لحاجة أصحابها إلى المال.

محمد جلة ديكو: كما تعلمون المخطوطات مثل التحف الفنية العتيقة منتشرة في أماكن عدة وهناك مهربون للمخطوطات مثلما يوجد مهربون للتحف الأثرية وقد نجد مخطوطات في سويسرا أو في مكان آخر وهذا ليس جديدا فذلك معروف منذ العهد الاستعماري.. نجد مخطوطات حتى في باريس، إذاً ليس كل المخطوطات الموجودة في الخارج هُرِّبَت أو نُقِلَت حديثا، كما أن هناك مخطوطات تهرب في الوقت الراهن لأن بعض الأجانب يعرضون أموالا وأثمانا أعلى بكثير مما نعرضه نحن على أصحاب المخطوطات.

"
هناك مجموعات تعيش في أميركا معظمها تنحدر من أصول أفريقية، بدأت تؤسس مؤسسات وهمية للمتاجرة بسمعة تمبكتو ومخطوطاتها
"
محمود عبده الزبير
محمود عبده الزبير: الخطر أن هناك الآن مجموعات في الولايات المتحدة معظمهم ينحدرون من أصول أفريقية يعني أفارقة أصلا ماليين وغير ماليين بدؤوا يؤسسوا مؤسسات وهمية في أميركا ليتاجروا بسمعة تنبكتو وبالمخطوطات في تنبكتو، هذا الخطر الذي يعني نخشى منه إن لم تُتًخذ التدابير الرادعة أنا أخشى أن كثير من التراث المكتوب في تنبكتو سوف يتسلل إلى خارج تنبكتو، الدولة أيضا لابد أن تقوم بواجبها بحيث أن عندنا قانون لحماية التراث.. التراث بصفة عامة فيجب أن هذا القانون أيضا ينسحب على المخطوطات، يعني يُعَاقب مَن وُجِد.. مَن ضُبِط ومعه مخطوط يريد أن يصدره إلى الخارج يُعَاقب كما يُعَاقب مَن وُجِد معه أي قطعة أثرية.

عياش دراجي: مكتبة الونجري كنز آخر تجاوز مرحلة الخطر ويعمل صاحبها جاهدا للتنسيق مع بقية المهتمين بالتراث التنبكتي المكتوب لجعل المخطوطات في متناول الباحثين بدل أن تبقى مخزنا للفرجة أو طللا يُبْكى عليه.

مشارك أول: نحن وضعنا هذه المكتبة لأجل الطلاب والباحثين الذين يقومون ببحثهم وتحقيقه وفي المكتبة يعني كما تلاحظون عندنا أكثر من آلف مطبوعة بالنسبة للطلاب الذين يدرسون في المدارس التنبوكتية وبالنسبة للمخطوطات عندنا أكثر من ثمانية آلاف مخطوطة موجود في مكتبة الونجري.

عياش دراجي: لكن قبيل الرحيل من المدينة دعانا جانبها الشمالي لنرى نصبا تذكاريا مبني بالرخام وبهندسة متمردة على كل طرازات المدينة، النصب المتمرد يرمز لنهاية تمرد الطوارق عام 1996 فهنا أحرق المتمردون ثلاث آلاف قطعة سلاح أضيء شعلة سلام وبدأت المدينة عهدا جديدا، تنبكتو التي كانت تسمي علماءها وشيوخها قدسيين تسمى اليوم مدينة الـ 333 قديسا تركنها ترقد على تراثها الزاخر وتقاوم زحف الرمال ولكن المدينة لا تتركك ترحل دون أن تحكى لك أسطورتها لتخفف عنك عبء الحقيقة وثقل الواقع، هذا التمثال لفارس أبيض يقال له الفاروق تقول الأسطورة أنه من فرسان الجن يأتي ليوقظ أهل المدينة لصلاة الفجر، أسمته فاروقا كأنها تبحث عن عدل ما.. عدل الذاكرة تجاهها ربما فأي خيال يتسع لأسطورتك وحقيقتك يا تنبكتو.