- جونيار ورحلة البحث عن الذات في طوكيو
- أسباب انجذاب اليابانيين إلى الثقافة الغربية

- حي شيبويا وتغير هوية الشباب الياباني


جونيار ورحلة البحث عن الذات في طوكيو

فادي سلامة: صباح الخير.

جونيار – مغنٍ ياباني: أهلا بكم.

فادي سلامة: حيك يبدو هادئا؟

جونيار: نعم مقارنة بوسط المدينة.

فادي سلامة: ولكنه لا يناسب مع أسلوب غنائك؟

جونيار: نعم.

فادي سلامة: جونيار مغن شاب يحاول شق طريقه في عالم الفن رغم صعوبة الحياة في طوكيو، جونيار عمره 24 عاما وهو من محافظة ياماغاتا التي تبعد خمسمائة كيلو متر شمال طوكيو، جونيار ليس شابا خارقا إنه شاب عادي، تخرج جونيار من المدرسة الثانوية ولم يرغب بإكمال دراسته في الجامعة فلم يكن أمامه سوى العمل في إحدى مصانع الآلات لكنه بعد ستة أشهر قرر أن يلاحق حلمه في أن يصبح مغنيا مقتديا بأخيه الذي سبقه في هذا المجال.

جونيار: أنا من محافظة ياماغاتا، الجو في قريتي حار في الصيف والدي يعمل في البناء والدتي كانت تعمل في شركة والآن تقوم بعمل جزئي، جدي وجدتي في نفس المنطقة يسكنان، العلاقة بين أهلي قوية وجيدة إذا حدث أي مكروه يتجمعون ليساعدوا بعضهم البعض، اسمي الحقيقي جونيار ولكن أعضاء فرقتي أطلقوا علي اسم جونيور، جئت إلى طوكيو قبل حوالي خمس سنوات ورغبت في البداية في القدوم إلى العاصمة وسهل الأمر علي وجود شقيقي، بدأت العمل في شركة للبناء ثم رغبت في تجريب حظي في طوكيو، في البداية عارض والدي الذهاب إلى العاصمة وقال لي عليك أن تعمل أولا لتختبر الحياة وتتعلم منها وبالفعل عملت في شركة بقريتي فترة من الوقت ثم قررت الذهاب إلى طوكيو.

فادي سلامة: الإقامة في طوكيو حلم يراود معظم الشبان اليابانيين فهي أرض الأحلام والفرص فيها يمكن أن تتغير حياتهم بل يمكنهم فيها أن يغيروا حياتهم ورغم الازدحام الشديد يجد كل شخص طريقه في النهاية، جونيار الذي جاء من بلدة صغيرة صُدِم باستقبال طوكيو له.

جونيار: عندما جئت إلى طوكيو أحسست بفتور العلاقات في المدينة من خلال علاقتي مع جيراني البعض أحيانا لا يردون التحية لكنني بعد فترة فكرت بأن هذه المدينة تجمع أشخاص من أماكن مختلفة لذلك قد يكون الفتور بينهم أمرا طبيعيا، في البداية كنت محتار هل يمكنني أن أعيش بالفعل في طوكيو؟ ولكن بعد أن سكنت فيها لبعض الوقت أحسست بأنها مكان جميل، منذ مجيئي وحتى الآن أصبح هناك فرق كبير في فهمي للمدينة وطبيعة العلاقات الإنسانية فيها، في البداية لم يكن لي الكثير من الأصدقاء ولكن الآن أحس بشعور جيد بين أصدقائي، أنا لا أحب الذهاب إلى شيبويا مؤخرا أذهب أحيانا للغناء هناك ولكن هناك الكثير من الأشخاص في تلك الأماكن إنها مزدحمة كثيرا.

فادي سلامة: إلى أين تذهبون إلى شيبويا؟ أين تمرحون في شيبويا؟ منطقة الشبان في طوكيو بلا منازع كل يوم يتردد على شيبويا أكثر من مليون شاب وشابة تجذبهم فيها محال الثياب والزينة والمطاعم ومحال التسلية وخاصة التروكي والألعاب الإلكترونية، تكاد تكون شيبويا حديقة تسلية بحجم كبير حفلة تنكرية والجميع مدعو إليها، شيبويا قِبلة للمراهقين الهاربين من مدارسهم، هذا الشاب قال لي إنه يحب أن يلهو مثلنا فسألته أي نوع من اللهو هذا الرد جاء عفويا هو وصديقه الذي يحاول التظاهر بالذكاء قالا إنهما يحبان لهو إنفاق المال، يتجمعان مع أصدقائهما في شيبويا ويتحدثون ولكن عن ماذا؟ هل تتحدثون عن مستقبلكم؟ هل تناقشون قضايا مجتمعكم؟ ما الذي يقلقكم؟ هل تعتبرون أنكم مازلتم تحافظون على هوية بلادكم؟ نعم لا، ردود متناقضة إذاً هل تحبان الموسيقى التقليدية؟ أسئلتي بدت صعبة ومملة بالنسبة لهما هوية مجتمع كلمتان ليس في قاموسيهما فجأة اتفقا على أنهما يحبان فرنسا، هاتان الفتاتان تأتيان أيضا إلى شيبويا وإن كانتا لا تحبانها ولكن بما أنهما جاءتا فعليهما أن تلتزما بزي تنكري، إريكا وجامايكا يمكنني أن أجزم بأنهما ليس اسمين يابانيين، إريكا تدرس في مدرسة ثانوية دولية تتحدث الإنجليزية بطلاقة تأتي إلى شيبويا لأن جميع أصدقائها يتجمعون فيها ولأنها تشعر بالملل، متعتها تحلق الشبان حولها ولما لا فجميع الفتيات يحببن ذلك، إريكا التي بدت الأكثر ذكاء بين أصدقائها ترغب في أن تصبح مصممة أزياء، الحضور إلى شيبويا يمنحها خبرة كما تقول في مجالات جيدة وسيئة، أسألها مثل ماذا يا إريكا؟ لا تستطيع التعبير عن نفسها تقول لي لا أعلم وتمضي، جونيار كان مراهقا عندما جاء لأول مرة إلى شيبويا لكنه لم يتأقلم مع أجواء المكان لعلها انعكاسات البيئة التقليدية التي عاش فيها.

جونيار: عندما وصلت إلى طوكيو لأول مرة كنت أرغب في الذهاب إلى شيبويا لكنني عندما ذهبت إلى هناك أحسست أنها مكان لا يناسبني، شيبويا مدينة الشباب ولكن لا أعلم كيف أفسر لك إنه مكان لا يمكنك أن تشعر فيه بالراحة وفي المقابل أيضا فإن مدينتي الأصلية ياماجاتا ليس فيها أحد أشعر بأنها خالية وغير ممتعة جميع من فيها أعرفهم، نوعية الشباب في شيبويا لا أفهمهم حتى الفتيات اللواتي يلون وجوههن لم أستطع تقبل أفكارهن وأسلوبهن ولكن يمكنني أن أدرك ما يختلج في صدورهن، أنا أيضا عندما أكون وحيدا أشعر بحاجة للأصدقاء حولي لكنني ما لا أتفهمه هو إذا كانت لدى الشخص رغبة بتكوين أصدقاء أفليست هناك طريقة غير تغيير لون الوجه لعمل ذلك، لو كانت الفتيات يغيرن لون وجوههن لمجرد الرغبة في ذلك لتفهمت الأمر ولكن أن يقمن بذلك لمجرد إثبات الانتماء إلى مجموعة معينة فهو أمر لا أتفهمه حقيقة.

فادي سلامة: ساعي البريد قطع حديثنا مع جونيار لكن الطرد الذي أحضره أضاء جوانب في شخصيته لم يكن من الممكن التعرف عليها مهما طال حديثنا.

جونيار: هذا الطرد من أهلي، كنا قد قلنا لهم أنا وشقيقي إننا نرغب بأكل الباذنجان المخلل، والدي يزرع الباذنجان في حديقة البيت يزرعه في أوقات فراغه للتسلية ووالدتي تخلله.

فادي سلامة: شقيق جونيار الأكبر مغنٍ أيضا، كان قد أرسل بشريط فيديو لأهله عندما احترف الغناء ووقع عقدا مع إحدى الشركات الفنية ويأمل جونيار بأن يلحق بأخيه.

جونيار: شقيقي الأكبر مغني أيضا اسمه في الحقيقة تاكويا ولكنه حول اسمه لتاكس هذا نوع من الأسماء أسهل للحفظ وممتع أكثر ويلفت الأنظار كما أنه يسهل عليه في المستقبل بيع الأغاني في الخارج.

فادي سلامة: جونيار ينتمي أيضا إلى فرقة كاميلوم لكن الطريق مازال صعبا وطويلا أمام جونيار وهاشي وغوري أمام الهواة وإن كانت تدريباتهم في الأماكن العامة وتشجيع المارة يزيد من عزيمتهم بينما يستنفذون مدخراتهم.

جونيار: الآن أحصل على حوالي مائة وخمسين ألف ين وأستخدم منها حوالي عشرين إلى ثلاثين ألفا وأنفق أكثر من ذلك عندما نحجز أستوديو للغناء، إنني أخسر مالا من أجل أن أحقق حلمي ولكن الغاية الأساسية عندي هي أن يسمعني الآخرون، لدينا موقع على الإنترنت نتلقى عليه رسائل التشجيع، البعض يأتي أكثر من مرة والبعض الآخر لا يأتون أحيانا بسبب انشغالهم، مشجعونا يقولون إن أغنياتنا تشعرهم بالاطمئنان والمتعة والفرح، لقد مضت أربعة أعوام على انضمامي للفرقة الوضع ليس جيدا.

فادي سلامة: حديقة يويوغي المتصلة بشيبويا مكان مثالي بالنسبة لجونيار ولعدد كبير من الشبان الآخرين ليعرضوا فيه مواهبهم التي تجتذب الشبان والكبار على حد سواء.

"
التأثير الأكبر على الشباب يأتي من خلال وسائل الإعلام كالمجلات والإذاعات التي تطغى عليها المواد الغربية لذلك تتعرض الشخصية اليابانية إلى تأثير كبير من الغرب
"
              مشارك

فنان ياباني شاب: الشباب الآن يأملون بتحقيق أحلامهم لذلك يبذلون جهودا كبيرة، كل منا لديه أفكار خاصة به ونحاول تطويرها لتفيدنا في تحقيق أحلامنا، إن التأثير الأكبر على الشبان يأتي من خلال وسائل الإعلام كالمجلات والإذاعات التي تطغى عليها المواد الغربية لذلك تتعرض شخصيتنا كيابانيين إلى تأثير كبير من الغرب، في الحقيقة لا أعتقد أنه مازال هناك إحساس بالهوية اليابانية لكن هذا لا يعني أننا نسينا الهوية اليابانية تماما، أحيانا أرغب بالذهاب إلى مدينة كيوتو والاستمتاع بالثقافة التقليدية اليابانية، فرقتي بدأتها منذ أربعة أعوام ونقدم عروضا في الشوارع والصالات، مازلنا هواة ولكننا نأمل بأن نحصل على دعم إحدى الشركات لنصبح مشهورين، إنني أكتب قصائد عن مشاعر الشباب وتلاحق استحسانا كبيرا، قصائدي أتحدث فيها عن أهمية الابتسامة والتفاؤل لأن المجتمع المحيط بنا فيه كثير من السوداوية.

سيدة يابانية: أحب الأغاني القديمة ولكن هذا الغناء جميل أيضا إنه ممتع، آتي أحيانا للاستماع لا أفهم أحيانا الكلمات ولكني أستمع فقط للغناء.

فادي سلامة: لكن نمط الأغاني التي يغلب عليها الـ(Hip Hop) والـ(Pop) وكذلك طريقة الأداء وأزياء الشبان تفاجئ السياح الأجانب الذين كانوا يتوقعون مشاهدة الساموراي والكيمونو ومقابلة أوشين، هيويوغي تكاد تقلب صورة الشبان اليابانيين في الأذهان.

سائحة أسترالية: كان لدي بعض الأصدقاء اليابانيين في أستراليا وكانوا جديين كثيرا ولكن بعد أن جئت إلى هنا تعرفت على جانب آخر الشباب هنا يحبون الاستمتاع بوقتهم، هناك تأثير غربي كبير على أسلوب الغناء الياباني ولكنهم يغنون باليابانية وقد أوجدوا نوعا من الأسلوب الخاص بهم ويدعا (J.Pop) أعتقد أنهم تأثروا كثير بالغرب يبدو أنهم خسروا هويتهم ولكنهم حصلوا على هوية جديدة وهي قوية جدا أكثر من هوية الشباب في أستراليا فالجميع هنا يهتم بالثياب وربما لا يطيعون آباءهم ولكنهم يركزون على ناحية الإبداع أعتقد أن هذا أفضل من التراث التقليدي.



أسباب انجذاب اليابانيين إلى الثقافة الغربية

فادي سلامة: لماذا يتعارض مفهوم الإبداع مع مفهوم التراث التقليدي عند الغربيين؟ ولماذا ينجذب الشاب الياباني أصلا الذي تمتد حضارة بلاده آلاف السنين إلى الثقافة الغربية؟

سيدة يابانية ثانية: عندما كنا شبابا كنا مثلهم ولكن الآن أصبحنا نهتم بالفن التقليدي كالعزف على الطبول، أنا شخصيا أحب الآن الفن القديم والجديد.

فادي سلامة: إذاً ما سبب اهتمام الشباب بالفن الغربي؟

سيدة يابانية ثانية: لأنه ممتع ولكن هذا لا يعني أن البعض وإن كانوا قلائل اهتموا بالفن التقليدي، لابد أن هناك تأثيرا للحياة والثقافة الأميركية، الآن الشباب يعتقدون أن أحدث شيء هو أمتع الأمور لذلك يحبون تقليده وهو ما تقدمه أميركا لهم ولكنهم بعد ثلاثين عاما ستتغير أفكارهم وهويتهم.

"
أميركا احتلت اليابان وفرضت على الكبار وعلى الشباب التخلي عن هويتهم ووطنيتهم، ولكن عندما يعمر الياباني ويكبر يبدأ الشعور والتفكير في الهوية اليابانية
"
           مشارك

مواطن ياباني: الولايات المتحدة احتلت اليابان وفرضت على الكبار وعلى الشباب التخلي عن هويتهم، لقد فرضت على اليابانيين أن يتخلوا عن وطنيتهم لأنه بعد أن خسرت اليابان في الحرب وأُدخِل إليها ما يعرف بالديمقراطية أصبح أي شخص يتحدث عن الوطنية يعتبر من الرجعيين الذين كانوا أساسا السبب في قيام الحرب حتى أن مجرد حمل علم اليابان أصبح أمرا مستهجنا بينما إذا أصبحت تغني الـ(Jazz) فإن ذلك هو الأمر الطبيعي، لقد محت أميركا هويتنا ولكن عندما يعمر الياباني ويكبر يبدأ الشعور والتفكير في الهوية اليابانية وحينها يدرك الإنسان أن الثقافة اليابانية والغناء والعزف على الطبول اليابانية جميل جدا لكن مثل هؤلاء الذين يعتبرون أن الفن الياباني رائع لن يأتوا ليغنوا أو يعزفوا في مثل هذا المكان.

سيدة يابانية ثانية: الشباب هنا يغنون باليابانية أليس كذلك؟ هذا دليل على وجود هوية يابانية، إنهم لا يغنون بالإنجليزية رغم قدرتهم على ذلك، الشباب يستخدمون أحيانا ألحانا من جزيرة أوكيناوا المعروفة بعراقتها حتى أن الـ(Rap) الياباني أمر ممتع، أنا لا أعلم أبنائي أي شيء عن هويتهم اليابانية لأن مثل هذه الأمور تأتي من خلال وسائل الإعلام بشكل طبيعي.

فادي سلامة: إذا كانت هوية الإنسان تشمل طبيعة المظهر الخارجي وأسلوب الحياة فيمكن القول إن الشعب الياباني فقد جزءا كبيرا من هويته ولكن الفارق الشاسع بين الطابع الغربي للحياة اليابانية المعاصرة وماضيها الشرقي العريق ترك نوعا من الفراغ والحيرة في نفوس الشباب وأسئلة كثيرة يحاولون الإجابة عنها، جونيار لا يتذكر أن والديه قالا له إن الوطنية أمر سيئ ولكنه يتذكر تماما أنه لم يسمع والديه يتحدثان من قبل عن شيء اسمه الوطنية، رغبنا في معرفة ما يعنيه تعبير الهوية الوطنية بالنسبة لجونيار فدعوناه نحن الأجانب لزيارة حي أساكسا في طوكيو أو البلدة القديمة التي لا يمكن لأي سائح أن يفوت زيارتها، جونيار قال إن قلبه خفق بشدة عند عبوره بوابة كاميناري التي تتصدر الحي فهي أول مرة يزور فيها المكان رغم إقامته أكثر من ستة أعوام في طوكيو، جذبته الحلويات اليابانية التقليدية وأزياء الكيمونو وبضعة تماثيل تجسد الساموراي.

جونيار: هذا تمثال أحد أمراء الساموراي لا أعرف قراءة اسمه الصعب ولكن ثمنه مرتفع.

فادي سلامة: عند دخولنا حرم المعبد تغيرت تقاسيم وجه جونيار بدت عليه الجدية أبدى اهتماما بالتمائم الصغيرة التي تجلب الحظ السعيد وأخذ يتمتم بكلمات لعلها صلوات تقليدية وأخيرا وقف أمام المحراب وصلى.

جونيار: أعتقد أن الشعور بحب الوطن عند الأجانب أقوى منه عند اليابانيين وأعتقد أنني سأفكر أكثر بهذا الموضوع عندما أكبر في السن، اليابان بلد رائع أحب اليابان ربما لأنني ولدت في هذا البلد، اليابانيون شديدو التحمل لدينا سوتشي ونينجا ولكن الآن ليس هناك نينجا، أنا فخور لأن اليابان بلد يُعجَب به الجميع الأجانب يأتون من مختلف بقاع العالم للتعرف على الحضارة اليابانية، أنا سعيد حقا لأن هذا المكان مازال يحافظ على تراثنا عندما صليت وتعطرت بالبخور أحسست بشعور رائع، أنا لا أكره الثقافة التقليدية ولكن الحياة تطورت وأصبحنا على ما نحن عليه، طبعا من الجيد أن نستفيد من الثقافة القديمة في تطوير ما لدينا ولكن عدم قيامنا بذلك لا يعني أن الشباب الياباني قد فقد هويته الوطنية، على سبيل المثال نحن نعجب كثيرا بأميركا لكن لنا أيضا هوية خاصة بنا يمكنك أن تلاحظ ذلك بسهولة.



[فاصل إعلاني]

حي شيبويا وتغير هوية الشباب الياباني

فادي سلامة: الباحثة ناكومورا والباحث هارادا متخصصان في دراسة مجتمع الشبان في اليابان وهما يعتبران أن شيبويا بيئة مثالية للتعرف على التغيرات التي طرأت على هوية الشاب الياباني.

كيوكو ناكامورا - باحثة في معهد هاكوهودو: الشباب هنا يلتقطون صورا مع أصدقائهم يمكنهم أن يختاروا عدة أنواع من الصور والخلفيات فيبدون بحلة قد تختلف تماما عن صورهم الحقيقية، ربما يبدون أجمل هذه الصور يعتبرها الشبان هنا ضرورية كنوع من تبادل البطاقات الإسمية.

يوهيه هارادا - باحث في معهد هاكوهودو: لحي شيبويا طابع خاص يختلف عن الدول الأجنبية، اليابان تعاني من ضيق المنازل وهذا يجعل الكثير من الشباب لا يستطيعون التسلية وإجراء حفلات في منازلهم لذلك توفر هذه المحال المكان المثالي ليتجمعوا ويلهو.

فادي سلامة: الهوية الجديدة للشاب الياباني تطورت كثيرا ويعتقد هارادا أن السبب وراء هذا التطور الكبير عوامل اقتصادية واجتماعية.

"
الوضع الراهن لليابان يبرهن على أن النجاح يقتصر على الذكاء الشخصي والقدرة على بناء علاقات مع الآخرين، والشباب الياباني يمتلك عددا من الشخصيات والوجوه تساعده على النجاح
"
         يوهيه هارادا

يوهيه هارادا: اليابان في الماضي كانت بلدا فائق التنظيم مبنيا على قدرة الجماعة كما في الشركات التي كانت تعتمد على جهود عمالها وتنظيمهم لتنجح لكن الوضع الراهن لليابان يبرهن على أن النجاح يقتصر على الذكاء الشخصي والقدرة على بناء علاقات مع الآخرين، الشباب أصبحوا يؤمنون أنهم مهما كانوا بارعين في الدراسة فلن يستطيعوا النجاح إذا لم يكونوا أيضا بارعين في مجال العلاقات الشخصية، أعتقد أن أمامهم مستقبلا كبيرا، الشباب الياباني لديه قدرة كبيرة على الاختيار، إنهم يمتلكون عددا كبيرا من الشخصيات أو بالأحرى وسائل التعامل مع الآخرين وستجد أن لهم شخصية يبرزونها مع أصدقاء التسلية وشخصية أخرى يبرزونها في العمل وأخرى في المدرسة، إن امتلاك عدد من الشخصيات والوجوه يساعدهم على النجاح ويعتبر أمرا مميزا بالنسبة للشباب الياباني.

شاب ياباني: البداية كانت بتقليد الفرق اليابانية للفرق الأجنبية الأميركية التي ابتدعت هذا النوع من الأزياء وبعد ذلك أصبح المعجبون اليابانيون يطورون تلك الأزياء من خيالهم، إذا تجولت في منطقة هارجوكو فسترى أن الشباب يبحثون عن صور المغنين والمشاهير الذين يحبونهم مثل همازاكي أيومي ومن ثمة يتقمصون تلك الشخصيات المشهورة ويغيرون في هيئتهم، نحن نقوم بما نحب عمله ما تراه هو أسلوب مبدع يعبر عن النواحي الفنية في شخصيتنا وكل منا يعبر بطريقته الخاصة ولكن يمكنك أن ترى مؤخرا اهتماما بين شباب هارجوكو بالعودة إلى الثياب التقليدية ومزجها بأفكار مبدعة، اليابان بلد عريق والكثيرات يحببن مؤخرا ارتداء الكيمونو، كان الأمر في البداية مجرد تقليد للأميركيين ولكنه تحول بعد ذلك إلى ثقافة فريدة من نوعها لا تجدها إلى في هارجوكو.

سائحة كندية: إنه أسلوب غريب ليس لدينا مثل هذه الأشياء ولكن في أميركا الشمالية قد تجد البعض يقومون بمثل هذه الأشياء ولكنهم لا يرغبون بأن تُلتقَط صورهم أما هنا فهم يحبون أن يعرضوا أنفسهم، الشباب الياباني في رأيي يتعرض لضغوط كثيرة لذلك يرغبون في شيء يعبر عن هويتهم ومشاعرهم، إنهم لا يحبون أن يصبحوا مثل أهلهم موظفين وعاملين كادحين، الشباب كأنهم يقولون أنهم لا يريدون أن يكونوا جزء من التراث التقليدي وهو تراث أحادي الطريقة والشكل وما يقوم به الشباب هنا هو مجرد نوع من الثقافات الفرعية وهو أمر جيد.

يوهيه هارادا: في التسعينات تغيرت الحياة في اليابان وتفككت العلاقات العائلية وظهر العنف بين الشباب وضعفت الهوية اليابانية والشعور بأهمية الوطن ولكن مؤخرا يمكن أن تلاحظ عودة الهوية اليابانية إلى الشباب بعد تحسن الوضع الاقتصادي وإذا سألت أحدهم فسيقول لك إنه يحب اليابان هذا ليس بسبب تنامي اليمينية أو الوطنية ولكن ببساطة لأنهم أصبحوا يقارنون اليابان مع البلدان الأخرى التي تقع فيها المشاكل والإرهاب.

فادي سلامة: الباحثان أكدا لنا أن الشبان اليابانيين طوروا قدراتهم على التعامل مع الآخرين وتخلوا عن الشخصية الخجولة المنطوية على نفسها وقد يكون الفضل في ذلك حسبما يقولان للحضور الكثيف للثقافة الغربية وخاصة الأميركية في المجتمع الياباني، عدد سكان اليابان يشهد انخفاضا تدريجيا بعد أن وصل معدل المواليد إلى 1.29% لكل امرأة كما يمر الاقتصاد في تباطؤ وسط المنافسة التي تواجهها اليابان من جيرانها وخاصة الصين هذه المعلومات تُنشَر وتذاع بشكل دائم ولعلها السبب في حالة القلق التي يشعر بها الشبان بشأن مستقبلهم، جونيار يعمل خمسة أيام في الأسبوع في أستوديو صوتيات يؤجر قاعاته للهواة مثل جونيار حيث يمكنهم التدرب وتطوير مهاراتهم وقد حصل على عمله حين أثار إعجاب المشرف على المكان بتحيته المؤدبة التي أصبحت نادرة بين الشبان.

جونيار: أحصل على حوالي ألف وخمسمائة دولار في الشهر ولكنها بالكاد تكفى، العمل ليس صعبا يجب فقط الانتباه إلى عدم دخول مياه في الأجهزة الكهربائية عند تنظيفها.

فادي سلامة: جونيار حصل على خبرة كبيرة من خلال عمله ولكن المستقبل لن يفتح أبوابه له قبل أن تتبناه إحدى الشركات الفنية.

جونيار: عندما أغني لا أفكر في أي شيء ولكن عندما أنزل من على منصة الغناء يعود القلق إلى تفكيري بشأن حياتي ومستقبلي، لقد تقدمت بطلبات إلى عدد شركات الغناء ولكني انتظر النتيجة آمل في النجاح، يقولون أنه من الأفضل أن يكون أعضاء الفرقة من الشباب حتى ينجحوا ولكن هذه ليست قاعدة وأنا سأبذل جهدي.

فادي سلامة: جونيار لم ينجح في امتحان الغناء الذي تقدم إليه لكنه قال لنا إن مواظبته على الغناء هي مفتاح نجاحه، جونيار ومثله كثيرون يعلمون أن صائدي المواهب من الشركات الفنية في بحث دائم عن نجم جديد وهكذا يعتقد جونيار أن نجمه سيسطع يوما ما.