مقدم الحلقة أحمد الهوتي
ضيوف الحلقة - عدة شخصيات، -
تاريخ الحلقة 15/07/1999




أحمد الهوتي
أحمد الهوتي: سماها العرب بوابة التجارة إلى العالم، وأطلق عليها سكانها (نافذة النسيم العليل). حكمها العرب العمانيون حوالي قرنين من الزمان فكانت مصدر خير عليهم، تبدل حالها وتحولت من غنىً إلى فقر، وانتهت أهميتها التجارية لرحيل العرب العمانيين منها، إنها (غوادر) الواقعة أقصى الجنوب الغربي لباكستان، وتأخذ موقعاً استراتيجياً مميزاً على بحر العرب، وهي الجزء الساحلي من إقليم (بلوشستان) وأقرب للحدود الإيرانية، يصل تعداد سكانها نحو سبعين ألف نسمة جميعهم من البلوش، طقسها يشبه إلى حد كبير طقس الخليج العربي، فهو معتدل شتاءً حار صيفاً، لعبت دوراً كبيراً في التقارب بين العرب والهنود والأفارقة.. حيث كانت منطقة للتجارة الحرة في الأربعينات والخمسينات، فالسفن القادمة من الهند وإفريقيا تتزود منها بالمؤن قبل أن تغادرها إلى البصرة والكويت والبحرين ومسقط وبالعكس.. وكانت أسواقها مليئة بالبضائع التي تصل من إفريقيا وفارس والهند وغيرها من الدول.

ظلت غوادر تحت الحكم العماني حوالي مائتي عام حيث أهداها حاكم بلوشستان نصير خان نوري لعمان في عهد السلطان سعيد بن سلطان عام 1760م، وبقت كذلك حتى عام 1958م، عندما وُقعت اتفاقية انتقالها بواسطة بريطانيا بين السلطان سعيد بن تيمور وحاكم باكستان أيوب خان يتم بموجبها نقل السلطة إلى باكستان بشروط ثلاثة:

أولاً: يحق للمواطنين اختيار الدولة التي يريدون الانتماء إليها، وحمل جوازها دون الخروج من وطنهم.

ثانياً: حصول عمان على المعونة البشرية من غوادر في أي وقت شاءت.

ثالثاً: تستثمر باكستان المنطقة حتى عام 1998م -كحق امتياز- على أن تستردها عمان بعد هذا التاريخ إذا رغبت في ذلك، هذا على حد قول أهل غوادر، ومع خروج العمانيين رحل التجار وأصحاب رؤوس الأموال إلى الخليج، وهاجر عدد كبير من سكانها إلى عمان، وأصبحت غوادر خالية، وتبدلت حياتها الرغيدة إلى شقاء، فشحت الموارد والأعمال، وانتشر الفقر والمرض.

حسين أشرف (وزير الأسماك السابق في بلوجستان): باكستان طلبت من عمان أن تأخذ غوادر، وذلك نظراً لوضعها الجغرافي المميز لأن غوادر كانت منطقة حرة في الخمسينات، فكانت تؤثر على الحركة الاقتصادية والملاحية لباكستان وإيران، وكانت المحاولات أن تأخذ باكستان غوادر لإلغاء هذه المنطقة الحرة، وبالتالي تنتقل الحركة إلى موانئ باكستان، وألا تدخل بضائع أجنبية إلى البلاد، وتسبب خراباً للاقتصاد لهم.

أحمد الهوتي: عدد كبير من السكان يحملون جوازات سفر عمانية، ويعتبرون علاقتهم بباكستان التزام أدبي -فقط- رغم مرور أكثر من أربعين عاماً على الحكم الباكستاني، فلا يوجد بيت إلا وقد علقت على جدرانه صور سلاطين عمان، وفي المجالس العامة تستأثر الخليج وما يدور فيها حديث السكان الذين مازالوا يحلمون بعودة غوادر إلى سابق عهدها، والغريب إصرارهم على الدفاع عن عمان لو تعرضت لمكروه حتى ولو لم يطلب أحد منهم ذلك.

أشرف حسين (رجل أعمال): أهل غوادر يعتبرون أنفسهم عمانيين بغض النظر عن المعاهدة التي تمت بين الحكومة العمانية والباكستانية، وحتى حياتهم وأعمالهم وممارساتهم مرتبطة بعمان سواء في أزمتها ومحنتها سابقاً، أو في رخائها حالياً، وحتى اليوم الأهالي مستعدون للتضحية نفساً ومالاً لعمان حتى لو لم يطلب أحد منهم ذلك.

أحمد الهوتي: يجمع الناس بأن علاقة الحكومة الباكستانية بهذه المنطقة هو الخراج السنوي الذي يدفع لرجال الجمارك الباكستانيين، وليس هناك مجال لتنمية وتعمير المنطقة وأصبح الطريق الوحيد أمام هؤلاء المطالبة مع باقي مناطق (بلوشستان) بالحكم الذاتي، لتتمكن حكومة (بلوشستان) من تنمية وتطوير مناطقها وشعبها الفقير.

حسين أشرف: نحن نريد أن نُسَير أمورنا الداخلية بأنفسنا، وهذا حق لنا، ففي الدول والحكومات يسمح للأقوام أن تحصل على حكم ذاتي..ومثل قومنا يحق لهم أن يحصلوا على هذا النوع من الحكم، لتسيير شؤوننا التي لا تعني باكستان.

أحمد الهوتي: الأسلوب القبلي هو السائد في غوادر، فشيخ المنطقة يقوم بحل المشاكل بين المواطنين دون حاجة لتدخل الشرطة الباكستانية التي يتركز دورها على مراقبة الجريمة ومتابعة الغرباء، أما السكان فلا يحبذون تدخل الشرطة في شؤونهم باعتبارهم غرباء عنهم، وقوانين المرور معدومة تماماً، فلا حاجة لوضع لوحات على السيارة ولا أوراق ثبوتية لملكيتها، فمعظمها سيارات مهربة من الشرق والغرب، فهذه السيارات التي تجوب الشوارع لا أحد يعرف أصحابها الحقيقيين، فهي تُهرب وتُجلب للمنطقة، وتباع بشكل ودي.

علي أكبر (شيخ المنطقة): الناس يأتون للشيوخ الذين يقومون بإحضار طرفي النزاع وشيخ مع وجود كبار السن، ويحكم الشيخ بينهم ويحل النزاع، أما إذا لم يرضوا بهذا الحكم فإنهم يتوجهون للشرطة، ومن ثم تحال القضية للمحكمة.

طارق علي (تاجر): معظم النزاعات والمشاكل نحلها وحدنا، ولا نحتاج لتدخل الشرطة.

أحمد الهوتي: المنطقة فقيرة جداً، فدخل الفرد العادي لا يتجاوز الستين دولاراً في السنة، ويعزى سبب الفقر إلى الجهل وتأخر التعليم في هذه المناطق، والناس لا يهتمون بالمستقبل قدر اهتمامهم بالحصول على كسرة الخبز ومكافحة الجوع، ويؤكد الأهالي إمكانية تحسن أحوالهم لو استثمرت الموارد الطبيعية المتاحة، فلقد أكدت اكتشافات قامت بها شركات أميركية عام 1973م وجود أنهار نفطية في البحر والصحراء، إضافة إلى الخيرات التي يجود بها البحر، ولا تجد من يسوقها إلى الخارج.

عبد الرحيم ظفر (مستشار سابق): ليس النفط فحسب، بل هناك معادن أخرى متوفرة، لو تم اكتشافها وإنتاجها فستكون هذه المنطقة من أغنى المناطق، أما فيما يتعلق بالنفط ففي بداية السبعينات جاءت شركة (مارتن) الأميركية للبحث عن النفط على بعد عشرين كيلو متراً من غوادر، واكتشفت وجود كميات تجارية من النفط، وقد صرح وزير النفط الباكستاني آنذاك يوسف خدك بأنه اُكتُشِف النفط في هذه المنطقة بكميات هائلة.

أحمد الهوتي: الأسواق قديمة جداً، وتأخذ شكل الأسواق الشعبية في بعض الدول العربية بممراتها وأزقتها الضيقة، ويباع فيها مختلف أنواع البضايع والمواد الاستهلاكية بعضها يأتي من باكستان، ومعظمها من إيران المجاورة، وأسعار معظم البضايع رخيصة باستثناء المستورد منها، وكانت هذه الأسواق مزدهرة إبان الحكم العماني نظراً للعلاقات المميزة التي ربطت غوادر بالكويت، والبحرين، والبصرة، ومسقط، وزنجبار وبومباي.

أشرف حسين: طريقة السوق والمحلات وأسلوب البناء أشبه بالأسواق والمحلات العمانية التقليدية، أما البضائع والمواد الاستهلاكية فهي تصلنا من مناطق (بلوشستان) المختلفة، وأغلب البضائع تصلنا من إيران القريبة، وتصل بعض المواد من (كراتشي) والمناطق الباكستانية الأخرى خاصة الفواكه والحبوب.

أحمد الهوتي: صيد الأسماك هو المهنة الرئيسية لأهل غوادر فغالبية السكان يعملون في البحر يخرجون فجراً ويعودون مع غروب الشمس، وتنتظر سيارات نقل الأسماك عودة الصيادين على الساحل، حيث يتم نقل الأسماك داخل صهاريج مبردة إلى المناطق الباكستانية المختلفة، ويقوم الأطفال بمساعدة أهاليهم في نقل الأسماك من القوارب الراسية في عرض البحر إلى الساحل حيث تقف السيارات.

وللصيد مواسم يعرفها الأهالي، كما أنهم يعرفون المواقع التي تكثر فيها الأسماك وفي ميناء الصيد يتم تفريغ الأسماك من السفن الكبيرة إلى المخازن، ثم تباع -مباشرة- لتجار إيران وكراتشي الذين ينقلونهم بواسطة هذه السفن، وتعتبر أسعار الأسماك رخيصة جداً مقارنة بأسعارها في بعض مناطق الخليج العربي فسمكة كبيرة كهذه لا يزيد ثمنها عن الدولار الواحد، ولأنها مدينة ساحلية فأهلها يجيدون الأعمال البحرية بكل أنواعها، فصناعة السفن تجد رواجاً كبيراً وهي تتنوع من سفن لصيد الأسماك، وأخرى للشحن، ويتم جلب الحطب لصناعتها من (ماليزيا) والهند وبعض مناطق بلوشستان.

والحدادة مهنة قديمة في غوادر، ويتوارثها الأبناء عن آبائهم الذين أصبحوا خبراء في تسخير الحديد والنحاس لخدمة الإنسان في الأعمال المختلفة.

صناعة الحلوى هي الأخرى من الصناعات المزدهرة، وتتناقلها الأسر جيلاً بعد جيل، وهي من المهن القديمة، ويتقنها عدد كبير من السكان، وصناعتها تشبه صناعة الحلوى العمانية، وتوزع هذه الحلوى في مناطق بلوشستان.

أما البدو فيعملون في جمع الحطب، ونقله على ظهور الجمال إلى السوق لبيعه إلى التجار، ويرحلون إلى الصحاري حيث يقيمون بعد التبضع وشراء احتياجاتهم.

بعض الناس يتقنون صناعة الحصر أو البُسُط التي تستخدم كأثاث في المنازل وهي تصنع من سعف شجرة صغيرة تشبه النخلة تنبت في الأودية والصحراء، وميزة هذه الحصيرة أنها تقاوم حرارة الشمس وتعيش لفترة طويلة.

المشروعات التي نفذتها الحكومة الباكستانية في هذا الجزء الاستراتيجي من بلوشستان تكاد تكون معدومة، ويمكن حصرها في ميناء الصيد الذي يستوعب حوالي خمسين سفينة خشبية فقط!!ويتم تفريغ البضائع الصادرة والواردة داخل هذه المخازن التي لا تستوعب أكثر من خمسمائة طن من البضائع!!ويستعمل الميناء في الغالب لتصدير الأسماك إلى الموانئ المجاورة.

كما قامت باكستان ببناء سد وسط الجبال لتزويد السكان بالمياه، حيث تعاني المنطقة من شح في المياه، وينقطع وصول المياه للبيوت من وقت لآخر، وحتى المياه المستخدمة والقادمة من السد تعتبر غير صالحة للشرب لاحتوائها على كميات من الشوائب والأتربة، أما الأسر الفقيرة فتحصل على المياه بواسطة هؤلاء الناس الذين ينقلونه بثمن بخس على ظهور الحمير في الصهاريج المعدنية، بينما التيار الكهربي فيصل خلال ساعات النهار -فقط- وبعد الغروب فالمدينة تعيش في ظلام دامس، ويضطر الناس إلى استخدام القناديل.

المطار أشبه بملعب كرة مهجور في وسط الصحراء، فهو خال من كل مظاهر الحركة الجوية، عدا تلك الطائرة الصغيرة التي تحط رحالها كل يوم لتغادر عائدة أدراجها في المساء.

قادر بخش صادق (مهندس): لقد نفذت الحكومة الباكستانية مشروعات للماء والكهرباء والطرق، لكنها ليست كالمشاريع التي تنفذ في باقي المدن الباكستانية، فالحكومة ترسل المهندسين لإيجاد وسيلة لتطوير المنطقة وتوفير الحاجات الضرورية، لكنهم يعودون دون أن يعملوا شيئاً لعدم وجود مبالغ ولا إمكانيات لتنفيذ المشاريع، وبالتالي فالمشروعات كلها لا تجدي ولا تنفع.

خطبة الجمعة في أحد مساجد غوادر
أحمد الهوتي: السكان جميعهم من المسلمين السنة، يؤدون عباداتهم في أكثر من 25 مسجداً منتشراً في ربوع المنطقة، وبعض هذه المساجد تتبع الجماعة الإسلامية التي تحصل على دعم خارجي، وتقوم هذه الجماعة بأنشطة مختلفة منها: الوعظ في المساجد وإنشاء المدارس المتخصصة لتعليم القرآن الكريم والحديث والعلوم الإسلامية وتأهيل أئمة المساجد، وتضع الجماعة علمها الخاص على مدارسها ومبانيها وتختلف طريقة خطبة الجمعة في غوادر عنها في العالم العربي حيث لا تستغرق الخطبة أكثر من دقيقتين تسبقها محاضرة يلقيها الخطيب باللغة البلوشية، ويتم جمع التبرعات-عادة-بهذه الطريقة لبناء مسجد جديد.

الآثار القديمة الموجودة في غوادر تعود جميعها إلى عصر الحكم العماني، فأبرز ما فيها قلعتها التي تحولت إلى معقل للشرطة الباكستانية التي كانت مقر الوالي إبان الحكم العماني، وتنتشر الأبراج الدفاعية وسط البلاد، وهي شبيهة بتلك الأبراج الموجودة في دول الخليج العربي.

وهذه هي المدرسة السعيدية التي تأسست في نهاية الخمسينيات أسوة بالمدرسة السعيدية في مسقط وصلالة العمانيتين، وخلف هذا الجبل تتناثر بقايا سد غوادر الذي كان يحصر مياه الأمطار، ويمنعها من التغلغل إلى البحر، والسوق الكبير مازال يتذكر أيام نشاطه في فترة الخمسينيات، وهو اليوم يعاني من كساد كبير وشح في البضائع.

علي أكبر: الآثار العمانية تتجلى في بيت السلطة الذي سكنه السلطان سعيد بن تيمور، ثم تم بناء القلعة التي نتخذها عاصمة لنا، وهناك مجموعة من الأبراج أحدها في حارة الخان، والأخرى في وسط المدينة، وبعض الأبراج اندثرت لقدمها وعدم الاهتمام بها، وتوجد آثار في (بشكان) القريبة، فهناك قلعة كبيرة، والآثار الأخرى تتمثل في مبنى الجمارك وبيت الوالي.

أحمد الهوتي: يتحدث أهل غوادر اللغة البلوشية، وهي لغة قديمة تدخل فيها مفردات عربية وفارسية وهندية، وتقترب لهجتهم إلى لهجة البلوش الموجودين في الخليج حيث تختلف اللهجات في اللغة البلوشية من منطقة لأخرى، والناس رغم بساطتهم فهم كرماء ويبذلون الغالي والرخيص لإكرام ضيفهم، وعاداتهم في الاستقبال وتناول الطعام قريبة إلى العادات العربية، فعندما يدخل الضيف يحيي بتحية الإسلام، ثم يصافح ويعانق الموجودين، وبعد الجلوس يسألونه عن الأخبار التي جاء بها وبعدها يتناولون الطعام في جماعة.

صناعة السفن في غوادر
عبد الرحيم ظفر: نحن فرع من السلالة العربية خاصة الذين يقبلون على الصلاح، فعاداتنا وتقاليدنا وطريقة حياتنا تشبه العادات والتقاليد العربية القديمة، وعلاقاتنا بالخليج العربي لا زالت قائمة حتى اليوم، ورزقنا وخيرنا يأتي من الخليج، وتاريخياً نحن أمة واحدة تفصلنا العوامل الجغرافية.

أحمد الهوتي: معظم البيوت مبنية من الطين والجص باستثناء بيوت العاملين في عمان والخليج العربي التي تختلف من حيث بنائها وتصميمها، ويلبس الرجال هنا السروال الفضفاض والقميص الطويل، ويضعون على رؤوسهم القمة العمانية أو العمامة، أما النساء فيلبسن الثوب البلوشي الذي يخاط محلياً، وهو ذو تطريز واسع ويصل إلى الركبة وتلبس تحته المرأة السروال، وتضع على رأسها اللحاف وعلى وجهها الخمار أو النقاب.

مراسم الزفاف بسيطة جداً، فبعد عقد القران-مباشرة-يطوف الأهالي بالعريس في أرجاء الحارة حتى الوصول إلى بيت العروس، حيث يبقى العريس في بيت أهل زوجته ثلاثة أيام، ينقل بعدها عروسته إلى بيت الزوجية الذي لا يزيد عن غرفة واحدة ضمن منزل العائلة، وتقوم فرقة الفنون الشعبية بتأدية الرقصات والأهازيج ابتهاجاً بهذه المناسبة، ويرتدي العريس ملابسه التقليدية وقد توشح بهذا العقد المصنوع من الأوراق النقدية، وغالباً ما تتحمل أسرة العريس كافة نفقات الزواج حيث لا تنفق أسرة العروس شيئاً في الزواج.

وتشتهر غوادر بمجموعة من الفنون الشعبية، فهذه الجلسة الغنائية خصصت لعزف القصائد الوطنية أو الغزلية فيبدأ المغني الذي يمسك-غالباً-بهذه الآلة التي تشبه الربابة بترديد بعض المواويل ويشاركه شخصان يعزفان على آلتين تشبهان العود العربي لكنها بوتر واحد بعدها يبدأ الغناء، ولا تصاحب هذا الفن الإيقاعات والطبول، وعلى السواحل يؤدي الصيادون فنون (الكليوة) و(السروان) التي تشبه الفنون الإفريقية.

الأهالي يعالجون مرضاهم عند الطبيب الشعبي الذي ينتقل من مكان لآخر وهو يحمل معداته الطبية القديمة وكميات من الأعشاب الطبيعية التي تصلح لعلاج أمراض: السكر، والصداع، والبطن، والظهر، والكسور بمختلف أشكالها، ويعاني الناس أمراضاً متعددة كضعف البصر نتيجة ارتيادهم للبحر في الصيف الحار والملاريا والكوليرا لقلة النظافة وكثرة الأوساخ، أما المستشفى الوحيد الموجود في مدينة (تربت) القديمة فيلجأ الناس إليه في الحالات الحرجة كحوادث السير.

(الكريكت) من اللعبات المحببة إلى نفوس الشباب، ففي أوقات الفراغ تقام المباريات بين أبناء القرى على الشاطئ، كما أن لعبة كرة الطائرة لها عشاقها وهي تختلف عما نشاهده في الغالب، حيث يتكون الفريق من تسعة لاعبين، ولا يوجد رام فأينما سقطت الكرة تبدأ الرمية الجديدة، أما كبار السن فيمارسون الألعاب التي لا تحتاج إلى جهد عضلي.

ومن جوادر جئنا إلى تربت لنشاهد مسلمين لا يصلون، ولا يصومون رمضان، إنهم أهل الذكر. تبعد تربت عن جوادر بحوالي مائتي كيلو متر، وهي منطقة زراعية يهتم أهلها بزراعة النخيل والبرسيم والخضروات المختلفة، وهي المدينة التي انطلق منها محمد ابن قاسم الثقفي لنشر الدعوة الإسلامية في بلوشستان ويصل تعداد سكانها نحو 150 ألف نسمة.

في تربت ووسط هذه الجبال تسكن جماعة ندعى بأهل الذكر، أنشأها شيخ يدعى المهدي عام 1947م، الذي جعل الذكر بديلاً عن الصلاة وغير صوم رمضان إلى صوم العشر الأوائل من ذي الحجة، وأصبحت شهادته "لا إله إلا الله، ملك الحق، نور محمد، مهدي رسول الله" وللوصول إلى هذه المنطقة المحصنة عليك أن تحصل على إذن من رئيس الجماعة، باعتبار أنها منطقة محظورة تقتصر عليهم.

وتمتلئ هذه الخيام الخالية بالحجيج أو الزائرين في التاسع من ذي الحجة، والثاني عشر من ربيع الأول، والسابع والعشرين من رمضان، حيث يصل عدد الحضور -آنذاك- حوالي ستين ألف شخص، يأتون من باكستان وإيران وبعض المناطق الأفغانية، ويصعدون من هذا المكان المنحدر وهم خاشعون، ثم يتجهون نحو هذا الباب، وينزعون أحذيتهم، ويمشون على هذه الأرض الصخرية متجهين نحو هذا الجبل الذي يسمى بجبل (المراد) ويطوفون حوله، وهم يرددون عبارات الشكر والثناء لله-سبحانه وتعالى-ويذكرونه عز وجل.

ومهما بلغت درجة الحرارة فالناس تتحمل لهيب الشمس تحت أقدامهم من أجل رحمة من الله-كما يقولون-وهذا المكان محاط بسور ضخم لمنع الناس من دخول هذه المنطقة المحرمة على غيرهم، ثم بعد ذلك يعودون إلى خيامهم استعداداً لأداء الذكر في مجالس الذكر التي تشبه إلى حد كبير المساجد لكنها بدون منابر.

حيدر علي (شيخ أهل الذكر): عام 1947م سيد محمد جان بوري جاء من الهند، وذهب إلى الكعبة المشرفة ليبدأ الدعوة المهدية، نحن نقول بأن المهدي هو إمامنا والنبي محمد-صلى الله عليه وسلم-هو نبينا، وعقيدتنا الله إلهنا، محمد نبينا، القرآن والمهدي إمامنا، آمنا وصدقنا، نحن نذهب للحج وإلى الكعبة المشرفة، أما جبل المراد فهو مكان للزيارة باعتبار أن المهدي كان يتعبد في هذا المكان.

أحمد الهوتي: وأوقات الذكر -غالباً- ثلاث مرات: الفجر والمغرب والعشاء، والرجال يرددون الذكر في مجلسهم، بينما النساء لهن مجلس مجاور، ويتوسط الإمام المصلين أو الذاكرين فيبدأ بفاتحة الكتاب، ثم يقرأ أدعية باللغة العربية، ويتبعها بأدعية وذكر باللغتين الفارسية والبلوشية، وبعد هذه الأذكار يقف الجميع في هيئة مصلين فيركعون معاً، ثم يسجدون، ويدعون ما شاؤوا باللغة البلوشية والفارسية.

بعد ذلك يدعو الإمام، ويردد الحضور خلفه الدعاء نفسه، ثم يسلم الإمام إعلاناً بانتهاء الذكر، ويسلم كل الحضور فرداً فرداً على التوالي، ثم يخرجون جماعة من مجلس الذكر، ويلاحظ أن اتجاه القبلة ليس نحو الكعبة بل باتجاه جبل المراد.

وتلقى الجماعة معارضة من باقي الجماعات الإسلامية في بلوشستان على اعتبار أنها خارجة عن الدين، مما يجعل أهل الذكر لا يسمحون لأحد بالدخول إلى هذه الأماكن المقدسة على حد قولهم.

حيدر علي: مكاننا ليس مغلقاً، نحن نسمح لكل الناس، وأهل السنة إخواننا، ونسمح لهم بالدخول، لكن بسبب المشاكل المتلاحقة التي نشبت خلال السنوات الأخيرة منعنا دخول أي شخص لهذا المكان، ونؤكد بأن أهل الذكر أقرب للسنة من باقي المذاهب، لأننا في أحوالنا الشخصية نستخدم أحكام المذهب الحنفي.

أحمد الهوتي: وتعتبر هذه الجماعة متجانسة ومتآلفة، حيث تطبخ الوجبات في مكان واحد وهم يأكلون جماعة، ويجلسون يتعبدون في مكان واحد، كما أن بيوتهم متشابهة إلى حد كبير، ويعتمد أهل الذكر على مواردهم الذاتية في إقامة وتسيير شؤون الجماعة، وتوفير الطعام والمسكن حيث يدفع كل زائر مساهمة مالية سنوياً توضع في صندوق الجماعة.

وتبحث جوادر عن مجد يعيد لها مكانتها التاريخية باعتبارها كانت أحد الموانئ الهامة في المنطقة، ويأتي اليابانيون والكوريون وغيرهم للاستثمار فيها، لكن أهلها لازالوا ينتظرون العرب، فمتى سيأتون لإعادة جوادر إلى سابق عهدها.

أحمد الهوتي –الجزيرة- من جوادر بالجنوب الغربي لباكستان.