مقدم الحلقة:

ياسر أبو هلالة

ضيوف الحلقة:

عدة شخصيات

تاريخ الحلقة:

20/02/2003

- اغتيال الشيخ عبد الله عزام.
- عبد الله عزام وتداعيات الهزائم العربية على تكوين شخصيته الجهادية.

- بداية جهاده وعمله الفدائي ضد الصهاينة.

- تأثير عبد الله عزام في أوساط الطلبة وتصاعد المد الإسلامي.

- القضية الأفغانية وبداية العمل الجهادي هناك.

- ميلاد ظاهرة الأفغان العرب ولقاؤه بأسامة بن لادن.

ياسر أبو هلاله: سيرة أول الأفغان العرب (تحت المهجر).

عبد الله عزام: أما نحن كعرب، فنحن صممنا وأقسمنا اليمين، وأنا أتكلم باسمي أن نبقى سائرين حتى نقضي نحبنا على هذا الطريق أو نتفيأ ظلال هذا الدين، لا مناص. لا رجوع. لا تردد أبداً.

ياسر أبو هلاله: عبد الله عزام من الميلاد إلى الاغتيال، الحياة مشدودة بين حبال الجامعات والعلم والدعوة وميادين القتال.

عبد الله عزام: قد بعنا -إن شاء الله- لله أنفسنا، ولن تنتهي معركتنا -إن شاء الله- في أفغانستان، بل معركتنا هي العمر كله، مع أعداء هذا الدين، ننازلهم في كل حين، وننتزع حقنا بحد الحسام.

ياسر أبو هلاله: تأسيس مكتب خدمات المجاهدين ولقاءه بتلميذه أسامة بن لادن.

أسامة بن لادن (زعيم القاعدة): الشيخ عبد الله عزام -عليه رحمة الله- هو رجل بأمة وأظهر بوضوح بعد أن اغتيل -رحمه الله- مدى العقم الذي أصاب نساء المسلمين من عدم إنجاب رجل من مثل الشيخ عبد الله -عليه رحمة الله- فأهل الجهاد الذين حضروا الساحة وعاشوا تلك المرحلة يعلمون أن الجهاد الإسلامي في أفغانستان لم يستفد من أحد كما استفاد من الشيخ عبد الله عزام، حيث أنه حرَّض الأمة من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب.

اغتيال الشيخ عبد الله عزام

ياسر أبو هلاله: الجهاد المبكر على تخوم فلسطين وتشكل ظاهرة الأفغان العرب وصولاً إلى النهاية الدامية في شوارع بيشاور. الدماء الغزيرة التي كتبت نهاية أول الأفغان العرب، أستاذ الشريعة والداعية والمقاتل خطت في الوقت ذاته بداية لفصل جديد من رواية الأفغان العرب، التي توالت فصولاً وصولاً إلى الانفجار الكبير الذي كان شرارة أولى حروب القرن.

الولايات المتحدة سارعت إلى اتهام القاعدة أبرز تجليات ظاهرة الأفغان العرب، قبل أكثر من عقد كان يُفترض أن تبدأ نهاية الظاهرة، بعد أن هز انفجار عنيف بيشاور مأوى المجاهدين العرب ومهوى أفئدتهم، انفجار أودى بحياة عبد الله عزام ونجليه محمد (ابنه البكر) وإبراهيم (ابنه الأوسط).

نهاية دامية لم تفاجئه، بل سعى إليها تماماً كما سعت إليه.

كان الشيخ في طريقه لإلقاء خطبة الجمعة كما اعتاد في مسجد (سبع الليل) ولم يكن قد مضى شهر على محاولة اغتيال تعرض لها من خلال تفخيخ المنبر الذي كان يخطب عليه.

حذيفة (نجل عبد الله عزام): ما كدت أصل إلى الشارع الرئيسي الذي يتفرع منه الشارع الفرعي الذي يؤدي إلى المسجد، حتى وجدت الناس قد تجمعوا ووجدت الشرطة ووجدت الازدحام الشديد، وكنت قد رأيت حطام السيارة، والسيارة الثانية التي كان.. كان يركب بها ابن عمي والحارس الشخصي كانت خلفه مباشرة، كانت نوافذها قد تهشمت بالكامل تقريباً، فمباشرة نزلت أسأل، فقالوا: إن الوالد قد أُخذ إلى المستشفى، وكانوا لا يزالوا يجمعون أشلاء محمد وإبراهيم، أخي.. طبعاً أخي محمد وأخي إبراهيم قد تقطعا بالكامل.

أم محمد (زوجة عبد الله عزام): الدنيا برد.. برد شديد في هذاك الوقت وجلسوا من 12:10 حتى الساعة الرابعة ودمه مازال ينزف كما هو سخن يغلي، لما دخلت الساعة 5 إلا ربع عليهم إني كنت أمسك.. يعني مسكت جسمهم كله هيك بيغلي جسمهم كأنهم أحياء، دمهم لم يتجمد بتاتاً.

ياسر أبو هلاله: أصابع الاتهام وُجهت لأكثر من جهة، وبدا أن دمه تفرق بين القبائل، هل كان الموساد (جهاز الاستخبارات الإسرائيلي) الذي أرَّقه دور الشيخ في عسكرة الانتفاضة الفلسطينية الأولى؟ أم المخابرات السوفيتية انتقاماً من دور الشيخ في تجييش العالم الإسلامي لصالح القضية الأفغانية؟ أم الأميركان الذين آل الأفغان العرب عبئاً عليهم بعد ما استنفذوا دورهم بهزيمة السوفييت؟ أم الأنظمة التي تتصادم مع بعضها؟ أم متشددون تكفيريون؟ أسئلة لا تزال معلقة، جريمة قُيِّدت ضد مجهول، بيد أن المراقبين يرجحون أن من يقف وراءها هو من أقلقه التزاوج بين العمامة الأفغانية والكوفية الفلسطينية، تزاوج جسَّده الشيخ الذي تماهت الحدود والجغرافيا عنده في آفاق الإيمان والأيديولوجيا.

عبد الله عزام: وطريق فلسطين هي طريق أفغانستان، ومن سلك غير هذا الطريق فإنه خاسر في الدنيا، بائر في الآخرة.

ليس أمامنا في فلسطين إلا أن نسلك الطريق الذي سارت فيه أفغانستان أن بدأت بالحجارة والخشب ثم تطورت الآن إلى أن وصلت إلى الصواريخ وغيرها، سنحمل لابد في فلسطين من مواصلة الجهاد، الجهاد الإسلامي.

عبد الله عزام وتداعيات الهزائم العربية على تكوين شخصيته الجهادية

ياسر أبو هلاله: خيط من الدم ربط بين فلسطين وأفغانستان، منية تأخرت عقوداً، إذ قاتل الشيخ فتىً زوداً عن أكناف بيت المقدس قبل أن يقضي بعيداً، من مهد فلسطين إلى لحد بيشاور درب وعر وطويل، تداخل فيه العام بالخاص، هَمُّ التشريد فرداً، وآمال التحرير أمةً، صراع بين اعتبارات خاصة وتصاريف ظروف دولية وإقليمية، بعيداً وسط الدموع والدماء شيَّع آلاف العرب الأفغان شيخهم الذي غير بوصلتهم صوب كابول، تاركين الوطن والأهل والعشيرة، العمل والدراسة لينازلوا ثاني القوتين العظميين طمعاً بإحدى الحسنيين. في مقبرة الشهداء العرب انضم عزام إلى كثيرين ممن قادهم إلى تلك النهاية.

من لحد بيشاور إلى مهد فلسطين، نقلة لها ظروفها الموضوعية والشخصية. مطلع أربعينيات القرن الماضي بدأت الحكاية بمولد الطفل عبد الله عزام لعائلة بسيطة من الفلاحين يعتاشون على ما تجنيه أيديهم من هذه الأرض، يحافظون على قيم الدين وموروث العادات، كانت في حياتهم البسيطة كثير مما ينغصها، المستعمر البريطاني والمشروع الصهيوني الذي ينذر بكارثة مقبلة.

تلك الكوابيس التي لونت أطياف طفولة عبد الله عزام كان يبدد بعضها بوارق أمل تمثلت في قوافل الثوار والشهداء، على رأسهم عز الدين القسام عالم الدين السوري الذي قضى في (يعبد) قريباً من (السيلة الحارثية) في معركة غير متكافئة مع المحتل البريطاني مسطراً بواكير الجهاد والاستشهاد على الأرض المباركة، ولا تزال يعبد والسيلة تفخران بالانتساب إلى جنين القسام، مستعمر بريطاني ومشروع صهيوني يقابلهما عجز عربي، واقع بائس ازداد قتامة مع نكبة 48 التي فجعت الطفل مبكراً، الاحتلال البريطاني يرحل والجيوش العربية تهزم أمام عصابات الصهاينة، وانسد الأفق أمام مشاهد الإذلال والقتل والتشريد، مع ذلك كان ثمة بصيص أمل يذكره ببطولات القسام، في مسجد القرية الذي كان من رواده شاهد مجاهدي الإخوان المسلمين الذين قدموا من غير بلد للجهاد.

عبد الله عزام: لم يدخل الإسلام الحقيقي المعركة سنة 1948، دخلت قوات من الإخوان المسلمين أرسل حسن البنا أربع كتائب من مصر، وكتيبة جاءت من الإخوان المسلمين من العراق (....) الصواف، محمد محمود الصواف، وكتيبة من سوريا يقودها مصطفى السباعي، وكتيبة من الأردن يقودها عبد اللطيف أبو قولة لكن ما هي.. ما هي النتائج؟ ضحوا بتضحيات كبيرة، أظهروا بطولات رائعة كانت النتائج أن قتل البنا في مصر، وأخذ الشباب الذين يجاهدون في فلسطين في الدبابات المصرية، وُضعوا في السجون.

ياسر أبو هلاله: داهمته هزيمة عام 67 بعد عامين من زواجه، وقبلها كان قد تخرج من معهد زراعي ليعمل معلماً، كانت الهزيمة أقسى ما اختمر في ذاكرته من مرارة. مرة أخرى تُهزم الجيوش العربية وتعلو راية إسرائيل في حمى البيت وظل الحرم.

عبد الله عزام: في أقل من يوم احتل اليهود المسجد الأقصى، أنا كنت في قريتنا فدخلت الدبابات اليهودية أو الإسرائيلية قربنا، لم يطلق عليها أية طلقة ضد الدبابات أبداً نحن ما كنا نعرف الحرب ولا RBJ ولا هذا، كان عندنا بندقية إنجليزية حملتها وكم شاب صغار في الثانوي، أخذتهم ونزلت قال حتى نقف أمام الدبابات، فجاءنا الشاويش الأردني، وقال: ارجعوا أنتم الآن دبابة واحدة تمر تدوسكم وتمضي، أنتم ماذا عندكم ضد الدبابات؟ وكان ناصحاً لنا.

ياسر أبو هلاله: كان عزام يرى أن الهزيمة للأنظمة قبل أن تكون للشعوب، وتحديداً للأنظمة القومية التي همشت التيار الإسلامي الذي كان قد انضم إليه فتىً، غير أن التيار القومي ظل ناشطاً بعد الهزيمة، وإن كان قد بدأ بالتراجع، وهو ما جعل الطابع القومي والوطني والماركسي يغلب على تنظيمات المقاومة الفلسطينية، خصوصاً أنها لاقت دعماً من الأنظمة القومية، ومن الاتحاد السوفيتي، ذلك كله جعل من الصعب على الشيخ عبد الله عزام ولوج عالم المقاومة الذي ظل يتوق إليه على رغم عمله في التدريس، وقيامه بأعباء العائلة.

أم محمد (زوجة عبد الله عزام): في منتصف الليل الساعة يمكن الثانية، وإذا بيه يوقظني من النوم بيقول لي: تعالي اسمعي، فيه شيء أريد أن تسمعيه، فخرجت معه إلى الفاراندا خارج البيت، وإذا يعني رجال وشباب أطفال، وأشبال يعني يهزجون أهازيج الجهاد، ويرددون أناشيد الجهاد والأناشيد الوطنية، فكان هو يبكي، قال: أليس عيباً علينا نحن كمسلمين إنه يبدأ هؤلاء بالجهاد قبلنا؟ ومنذ ذلك اليوم كان وقتها أستاذ في التاج الثانوية، منذ ذلك اليوم انقلبت حياته، يعني ذهب إلى المدرسة، وأصبح يُعد العدة كيف يترك المدرسة وكيف يستقيل منها، ويذهب للجهاد في سبيل الله، وأخذ يكلم بعض الإخوة لابد إنه إحنا نذهب في الجهاد في سبيل الله، وبالفعل بدءوا يرتبوا، وكونوا قواعد الشيوخ في هذه الفترة.

[فاصل إعلاني]

بداية جهاده وعمله الفدائي ضد الصهاينة

ياسر أبو هلاله: في غابات الأردن الشمالية، وفي قواعد التدريب هذه، وفي أغواره على تخوم فلسطين وجد الشيخ ذاته بعيداً عن أسرته وعمله. كان العمل الفدائي بإطاره الإسلامي ترجمة لآمال الطفولة بقدر ما كان استجابة لواقع الاحتلال.

اختار عبد الله عزام الانتقال من قاعات التدريس إلى قواعد القتال، وقد شكَّل ذلك بداية نزاع في شخصيته بين المدرس والمقاتل، يحاول الجمع بينهما، وإن فشل في ذلك فإن فريضة القتال تتقدم على سواها.

حمل الشيخ السلاح في صفوف حركة فتح مستفيداً من وجود الخلفيات الإسلامية لمؤسسي الحركة. في قواعد التدريب وساحات العمليات كان الشيخ يشق طريقاً جديداً في الجهاد في نظره هو الوحيد الموصل إلى الأقصى، لذا لم يكن مستغرباً أن يكون اسم القاعدة المسؤول عنها في قرية مرو شمال الأردن قاعدة بيت المقدس.

عبد الله عزام: بعد هزيمة العرب سنة 67 ظهرت مقاومة جديدة بوجه جديد، المطلوب منه أن يطمس على وجه إسلامية فلسطين، على وجه القضية، ورفعوا راية علمانية لا دين لفلسطين، كنت أنا أقاتل في فلسطين مع فتح، فصار خلاف بيني وبينهم، فسألت المثقف الثوري، قلت له: ما دين فتح؟ قال: فتح لا دين لها. فبقي الإسلام بعيداً عن المعركة في فلسطين.

ياسر أبو هلاله: كان المسؤول عن قواعد الشيوخ حسب تسميتها آنذاك أحمد نوفل، والذي رافق عزام في رحلة الجهاد والدراسة والتدريس من بعد.

د. أحمد نوفل (أستاذ في الشريعة): في مرو قاعدة بيت المقدس أميرها وقائدها الدكتور الشيخ عبد الله عزام، هنا كان لنا قاعدة في هذه الأودية والجبال، في المغيرة أيضاً، في بيت يافا كان لنا قاعدة في منطقة الرفيد، كان لنا قاعدة سوى 3 معسكرات تدريب، واحد شتوي في الأزرق، وواحد صيفي في دبين، ومعسكر ثالث في منطقة العانوق.

لنا في الأغوار مجموعة من القواعد المتقدمة، قاعدة الشيخ عبد الله مثلما قلت يعني حيث حل العلم والقرآن والتفسير، وكذلك كل القواعد، لكن هو بشكل متميز حيويته وعطاؤه الغزير، الشيخ شارك في كثير من العمليات، لكن واحدة منها في منطقة الباقورة، يعني من أبرز العمليات اللي قام بها الشيخ، قصفوهم بالطيران طيلة النهار، ويعني ملابس الشيخ يعني أصابها الشظايا والرصاص، لكن لم تكتب له لا جراح ولا شهادة، يعني هذه كان واحدة من.. من أبرز العمليات، أذكر أنه في رمضان من مواسم الجهاد كنا ننزل والشيخ يومياً نطلب الشهادة، ونطلب الجهاد، لكن الله تعالى ما كتب لنا شهادة، يعني بقينا شهراً بطوله كل يوم ننزل لعمليات قنص، ويعني أكثر من.. من عملية من العمليات الكبيرة شارك فيها الشيخ سوى العمليات التي قلت عنها اليومية.

ياسر أبو هلاله: في تلك المرحلة ترسخت قناعات الشيخ بالجهاد سبيلاً وحيداً للتحرير واقتحام حدود المحتل، قناعات كُتبت بالعرق والدماء والدموع، لكن المسيرة لم تكن معبدة بالورود، فالأشواك كثيراً ما عطلت رحلة الجهاد، فالتيار الإسلامي لا يزال ناشئاً، والتنظيمات الفدائية لا تقبل بمنافس واعد إلى أن اصطدم العمل الفدائي بصخرة الواقع.

لم يعد ممكنا استمرار الجهاد عقب تناقض مشروع الثورة الفلسطينية مع واقع الدولة الأردنية، فانسحب الإسلاميون مما اعتبروه فتنة، خصوصاً أن خصومهم من الماركسيين كانوا قد مضوا بعيداً في تحدي الدولة من خلال تفجير طائرات مدنية بعد اختطافها.

د. أحمد نوفل: العمل الفدائي كان غابة متشابكة من الفوضى من.. من، فيه صور جميلة، لكن أيضاً كان.. كان هناك فوضى.. كان هناك مخاطرات بالغة كما يعني قلت لك، تعرضنا للموت على يد أبناء جلدتنا مرات، وحوصرنا في دبين بالذات مرات، يعني أوشكنا أن.. أن نُقتل من أجل أن فقط نحاول أن نظهر بإسلامنا، كان ظهور مجموعة منتمية للإسلام محرماً تحريماً قاطعاً، وممنوعاً منعاً أكيداً، فمن يلوم ينبغي أن يستحضر السياق التاريخي والزمن والظروف الموضوعية لولادة الحركات أو عدم ولادة الحركات أو تأخر هذه الولادات.

ياسر أبو هلاله: حتى في خضم العمل العسكري ظل العالم يعيش داخل المقاتل في شخصية الشيخ، ولم تمنعه المعارك من إكمال دراسة الماجستير في جامعة الأزهر، وعقب إلقاء السلاح غادر إلى القاهرة ليكمل دراسة الدكتوراه في أصول الفقه.

د. أحمد نوفل: وكان لنا وله أستاذ -رحمة الله عليه- مصري عبد الرحمن عبد الخالق، كان يحتضن طلبة الأردن وفلسطين بالذات كأبنائه، ويحوط ها المجموعة بعناية بالغة، كتلة من اللطف أثر في شخصية الشيخ -ما فيه شك- بعلمه الغزير، بسعة اطلاعه، ما فيه مخطوط، ما فيه مطبوع إلا وهو مطلع عليه، فأعطى الشيخ سعة اطلاع لاشك، ثم أيضاً صلته بالطلبة الوافدين من الشام، من.. من السعودية، من الأردن، من فلسطين، كانت صلة واسعة.. صلة الشيخ عقد صداقات كثيرة، أيضاً تعرف إلى رموز الدعوة في.. في مصر، الأعلام الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت، اتصل بهم جميعاً، ولعل من أبرزهم محمد قطب، وغيره طبعاً كثير.

تأثير عبد الله عزام في أوساط الطلبة وتصاعد المد الإسلامي

ياسر أبو هلاله: رحلة مجدولية أخرى من غابات معسكرات إلى أفياء الجامعة، مراوحة بين الدعوة والقتال والتدريس والتدريب، ظل المقاتل يعيش داخل الداعية والعالم، كان يرى في التدريس والعمل الحركي مع جماعة الإخوان المسلمين فرصة لإعداد جيل التحرير.

في عهده تصاعد المد الإسلامي في أوساط الطلبة، وغدت كلية الشريعة -حيث يحاضر- موئلاً لطلبة وطالبات الجامعة.

كاظم عايش (قيادي إسلامي/ أحد طلاب عزام): عندما يعني بدأ تدريس في الجامعة الأردنية، الحقيقة يعني بدأت تظهر ملامح صحوة إسلامية في.. في داخل.. ابتداءً من كلية الشريعة ابتداءً، ثم امتدت إلى كليات الجامعة الأخرى، والمظاهر الإسلامية والنشاط الإسلامي بدأ يظهر بشكل واضح وبارز في الجامعة الأردنية، حتى إنه يعني اتحاد الطلاب في الجامعة الأردنية في سنة الـ 76 كانت يعني رئاسته للطلاب الإسلاميين في داخل الجامعة الأردنية.

ياسر أبو هلاله: علاقته بطلابه لم تكن في الجامعة فقط، اختار السكن قريباً منهم في بلدة صويلح، في حيها الشرقي عمل على بناء مسجد عبد الرحمن بن عوف الذي لا يزال أحد معاقل الحركة الإسلامية، وكان الشيخ من أبرز قادة الحركة وخطبائها، لم يكن ثمة حواجز بين حياته الخاصة والعامة، كان بيته بيتاً لطلابه أيضاً.

كاظم عايش: كان بيت الدكتور الحقيقة يعني أشبه ما يكون بالمكان العام لكثرة من يتردد عليه، باستمرار يستقبل الناس سواء كانوا من جيرانه، من (المحليين)، من العالم العربي والإسلامي، وأيضاً طلاب الجامعة..

أم محمد: حتى أنه يفضل أبناءه في.. في الكلية في الجامعة الأردنية في .. أبنائه في الذين كان بيتخذ على عاتقه تربيتهم يفضلهم على أبنائه، والله عدة مرات يعني كنت أضع الطعام لا.. لا أحد يمد إيده على الطعام، ونكون ما اتغدينا ولا اتعشينا، ويأخذ الطعام ويفضلهم على أبنائه.

[فاصل إعلاني]

ياسر أبو هلاله: كان طلاب الضفة الغربية بنظره الجيل الجديد الذي سينجح في مقاومة محتل، حيث فشل الأوَّلون.

محمد كاظم صوالحه (رئيس الرابطة الإسلامية في بريطانيا/ أحد طلاب عزام): هناك جيل كامل من الشباب الدعاة العاملين والذين قامت يعني الانتفاضة الفلسطينية عليهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، جيل كامل كان متأثراً بالشيخ عبد الله عزام، في أفكار الشيخ، وتأثيره كان واضح على الجيل بأكمله وليس على مجرد أفراد.

ياسر أبو هلاله: كان صوالحه من طلابه الذين أسهموا في قيادة الانتفاضة الأولى وتأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس، وقد بدا الحضور الإسلامي طاغياً فيها، وليس أدل على ذلك من تسمية الجهاز العسكري لحماس في مطلع التسعينيات في الضفة الغربية بكتائب الشهيد عبد الله عزام إلى أن توحدت التسمية في الضفة وقطاع غزة بكتائب الشهيد عز الدين القسام.

وفي انتفاضة الأقصى قضى يوسف السورقجي أحد طلاب الشيخ وقائد كتائب القسام في الضفة.

كاظم عايش: كثير من.. من قادة حماس في منطقة الخليل زي.. في نابلس يوسف السورقجي، في أكثر من موقع بعضهم يعني من المبعدين (...)، (مرج الزهور) 500، أكثر من 100 من تلاميذ الشيخ عبد الله عزام كانوا وأسماء كثيرة -الحقيقة يعني- لا يحضرني، أما يعني الحقيقة كانوا كلهم من قادة العمل الإسلامي والانتفاضة الفلسطينية الأولى ولا يزالون يعني موجودين كثير في داخل الساحة الفلسطينية، وهم يخوضون العمل بشكل علني أو غير ذلك.

محمد كاظم صوالحه: الشيخ أعطى القضية الفلسطينية -كما ذكرت- في الفترة التي كان فيها مجال للعمل الجهادي في فلسطين أعطاها الكثير، وخاصة في فترة كما ذكرت فترة حرب الاستنزاف ما بين الـ68 إلى عام 70، أعطاها كثيراً من جهده ومن يعني جهاده، ثم بعد ذلك جاءت فترة الجهاد الأفغاني، وكانت الحدود مغلقة مع.. مع إسرائيل، ولم يكن سهلاً على الحركات الإسلامية أو غيرها حتى أن تشارك في العمل في تلك الفترة.

ياسر أبو هلاله: لم يدم بقاء الشيخ في الجامعة أكثر من عقد، إذ فصل منها عام 80 بقرار من الحاكم العسكري.

د. أحمد نوفل: كان له مواقف شجاعة في قول كلمة الحق ربما لم يتحملها البعض، فانتهى بأن فصل من الجامعة على إثر خطبة عيد أعتقد، فتسببت في.. في فصله الذي يعني كان فيما أعتقد شراً في ظاهره وكان خيراً في باطنه، له خير إذ ختم الله تعالى له بهذا الجهاد المشرف وهذه الشهادة.

ياسر أبو هلاله: على رغم فصله من الجامعة ظل ملتزماً بالخط السلمي للحركة الإسلامية في الأردن، وإن كان قد تميز عنها بحماس واندفاع لم يُعرف عنها.

د. أحمد نوفل: في داخله رجل مسالم إلى أبعد مدى، لكن إذا ديست حرمات الإسلام يثور لله عز وجل، يعني وليس عنيفاً -أعيد- بالإطلاق، إنما رجل كتلة من اللطف والرهافة والشفافية والذوق الرفيع والإنسانية العذبة السمحة الجميلة إلى آخره، لكن ليس معنى هذا أن.. أن يسكت على ضيم يمسه أو يمس الإسلام أو يمس الأمة، أو يمس قضايا ومقدسات المسلمين، إنَّه حينئذٍ ينطلق أسداً لا يبالي بالنتائج ولا بالعواقب.

كاظم عايش: لم ألحظ في.. في شخصيته ملامح تطرف أو عنف كما.. كما يُتهم بها. الحقيقة كان أكثرخالد منصور: يسكتيسكت الناس وداعةً وليناً، ولين جانب و.. يعني من أبرز خصائصه كانت أنه يعني من.. من ألطف الناس مع الذين يخاصمونه أو يعني يختلفون معه في وجهات النظر، فليست الحقيقة ما أُلصق بالشيخ بأنه يميل إلى العنف والتطرف هذه حقيقية، هو كان صلب في المطالبة بحقه، ولا يجامل فيه، صحيح هذه.. هذه قضية يجب أن نعترف أو نؤكد عليها، أما أنه يميل إلى العنف بالمعنى الذي.. العنف الأهوج الغير متعقل، هذا كلام بعيد عن شخصية الشيخ، فكان أكثر الناس هدوءاً وطمأنينة، ولو يعني قامت القيامة من حوله لا.. لا يأبه لما يدور، لسكينة نفسه واتزانه حقيقة و.. وثقته بما يعتقده ويقوله و.. ويتبناه من الأفكار والطروحات، فليس يعني لم يكن الشيخ حقيقة يعني يميل إلى العنف ولا للتطرف.

ياسر أبو هلاله: لم يطل بقاؤه في عمان، غادر إلى السعودية بعد أن تعاقد مع جامعة الملك عبد العزيز، غير أن مجاورة الحرم لم تنسه الشاغل الأول في حياته.

عبد الله عزام: نبحث عن مكان نتظلل فيه تحت راية الإسلام. يا أيها الإخوة، أنا كنت أستاذاً في الجامعة، وأسكن في.. بجانب الحرم في مكة، ولكن علم الله أن أمثال هذه الوقفات أحب إليَّ من الحياة في مكة سنوات.

ياسر أبو هلاله: في السعودية فقد قدرته على العمل الحركي الذي اعتاده في الأردن، ضاقت به الدنيا إلى أن جاء الفرج من حيث لا يحتسب.

أم محمد (زوجة عبد الله عزام): كنت أنا والشيخ في الحرم قبل الفجر يعني الساعة 2:30، 3 كنا في الحرم نؤدي العمرة، وإحنا في المسعى ما رأيت إلا رجل يعني عانقه وسلم عليه بحرارة، فقال له كلمات: أنا أريد أن أُسر إليك بكلمات عبد الله أنت مكانك هنا.. هناك ليس هنا، احزم أمتعتك وتوكل على الله، قال: وأنت؟ قال أنا سأذهب إلى مصر، ثم يعني أرتب أموري وأحضر زوجتي وألحق بك، ويعني اعتقل كمال السنانيري، واستشهد بعد اعتقاله بعشرة أيام ولم يرجع، وذهبنا بعد، فأخذ يعني يدبر ويخطط كيف سيتخلص من عقد الجامعة الخمس سنوات، والجامعة كانت نفس الشيء هي تخطط من أجل الخلاص منه.

القضية الأفغانية وبداية العمل الجهادي هناك

ياسر أبو هلاله: كانت القضية الأفغانية قد بدأت تفرض حضورها، دولة عظمى تحتل بلداً مسلماً، وتهلك الحرث والنسل، لاجئون ومشردون، قتلى وجرحى، مقاومةٌ ضارية يقودها مجاهدون، وهو ما كان يبحث عنه الشيخ. العاملان الإقليمي والدولي كانا يدفعان باتجاه أفغانستان أيضاً، وليس حماسة الداعية وحدها.

الوضع العربي كان محبطاً، فمصر خرجت من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، السادات زار القدس، وقع من بعدها صلحاً منفرداً، الغضب الإسلامي يتفجر في غير مكان، الخوميني يطيح في ثورة إسلامية بأبرز وأقوى حلفاء واشنطن، السعودية المتخمة بالثروة النفطية تتوجس من الثورة، فإرث الدعوة الوهابية بمضامينه الجهادية يتآلف مع واقعٍ يوشك على الانفجار، وكانت أحداث الحرم المكي بقيادة جهيمان العتيبي.

أراد السعوديون تصدير الغضب الإسلامي بعيداً إلى أفغانستان، وهو ما يحقق لدولة إسلامية ذات ثقل حضوراً في العالم الإسلامي، وهو ما يتطابق أيضاً مع استراتيجية الحليف الأميركي في محاربة الشيوعية. العوامل الشخصية والإقليمية والدولية قادت الشيخ عبد الله عزام إلى أعتاب أفغانستان.

أم محمد (زوجة عبد الله عزام): أول يوم ذهب للدوام في الجامعة بعد العطلة الصيفية.. الإجازة الصيفية ذهب إلى الجامعة فوجد إعلان معلق في الجامعة إنه هنالك يعني تعاون بين الجامعة.. جامعة الملك وبين الجامعات الباكستانية في باكستان وجامعة الملك وجامعة المدينة المنورة سترسل الأساتذة منتدبين من طرفها من أجل تعليم القرآن الكريم واللغة العربية في باكستان، ما.. على من يريد أن يذهب من الأساتذة فعليه تسجيل اسمه عند.. في شؤون الموظفين، فقال: جعل الله لي فرجاً ومخرجاً، فذهب سجل اسمه أول واحد خرج من الجامعة، ثم في اليوم الآخر رُفع الإعلان، ولم يخرج من الجامعة غيره.

ياسر أبو هلاله: تعاقد مدرساً مع الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، لكن المقاتل ظل كامناً في شخصيته، كان يبحث عن شوقٍ قديم.

عبد رب الرسول سياف (رئيس وزراء حكومة المجاهدين الأسبق): التقيت به لأول مرة في حفلٍ كان أُقيم من قبل رابطة العالم الإسلامي في ختم مناسك الحج بمكة المكرمة، وكان فيه هناك الشيخ عبد الله عزام أيضاً في زمرة المدعوين، سلم عليَّ، وتعرفت عليه، ثم قال لي أنه سيذهب إلى إسلام أباد كمدرس، فقلت له أهلاً بك وسهلاً، وسوف نلتقي هناك بإذن الله.

حذيفة عبد الله عزام: أذكر أننا وصلنا إلى إسلام أباد سنة 1981، ونزلنا في استراحة الجامعة الإسلامية العالمية، فبادر والدي مباشرة -حتى قبل أن يجد لنا منزلاً نسكن فيه- بالاتصال بأحد مكاتب المجاهدين التابعة للاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان الشيخ عبد رب الرسول سياف آنذاك، وكان لديهم مكتب في إسلام أباد، ومن الأسبوع الأول انتقل والدي في إجازته إسبوعية يوم الخميس والجمعة مع مجموعةٍ من المجاهدين إلى بيشاور.

ميلاد ظاهرة الأفغان العرب ولقاؤه بأسامة بن لادن

ياسر أبو هلاله: الجامعة التي كانت تنتظر مدرساً وافداً من السعودية لم تكن تدرك أنها تشهد مخاض ظاهرة الأفغان العرب، وربما لم يخيل للشيخ نفسه أن آلاف من بعده سيترسمون خطاه تاركين الوطن والأهل ليبنوا وطناً جديداً من لبنات التضحية والفداء والشهادة. أخذت منه القضية الأفغانية كل مأخذ، ونشط في نصرتها على رغم عمله في حينها مدرساً في الجامعة الإسلامية العالمية.

برهان الدين رباني (الرئيس الأفغاني السابق): كان الشيخ في بيشاور يقوم بين الشباب العرب بدرس وتوجيه، ويقوم بالمساعدات الصحية، والمواد الغذائية بين المهاجرين، وأيضاً المساعدات اللوجيستيكية للمجاهدين، وبجانب ذلك كان له دور في تعريف بالوضع في أفغانستان في الدول الإسلامية، وحتى في بعض الدول غير الإسلامية، كان يذهب من حين لآخر، ويلقي المحاضرات، وكان يعرف الوضع في أفغانستان.

ياسر أبو هلاله: بدأ جولاتٍ متواصلة لحشد الدعم لها، جال العالم العربي والغرب والشرق في واحدةٍ من تلك الجولات، وأثناء عطلته الجامعية عام 84 كان الشيخ على موعدٍ غير مرتقب مع شخصٍ غير عادي. هنا حيث ابتنى الشيخ بيته، فعمر بيتاً لله بجواره كان لقاؤه مع تلميذه الفتى آنذاك أسامة بن لادن، كان لقاءً له ما بعده.

حذيفة عبد الله عزام: كان هذا تحديداً سنة 1984 ميلادية.. في صيف سنة 1984، كان الشهيد الدكتور عبد الله عزام عائد في إجازة، وفي هذه الإجازة كان يقوم بجمع التبرعات وبالعمل الدعوي والإعلامي للقضية الأفغانية. أسامة بن لادن جاء إلى المملكة الأردنية الهاشمية، وكان قد سمع بأن هناك رجل قد سبق إلى الساحة، وهو الشهيد الدكتور عبد الله عزام، وكان يرغب حقيقةً بأن يعرف خلفية أو يتعرف على القضية الأفغانية. طبعاً اللقاء استمر من 3 إلى 4 ساعات، الشيخ أسامة بن لادن ما ترك أي ملابسات تدور في ذهنه إلا وسأل عنها، والوالد أجابه عن جميع تساؤلاته، وتم الاتفاق على إنه ينتقل الوالد إلى موسم الحج، لأداء فريضة الحج سنة 1984، وإن كان أسامة بن لادن قد أنهى أموره فينتقلوا سويةً إلى باكستان ثم إلى أفغانستان، وإلا فإن الوالد يسبق.. يسبق أسامة بن لادن، و.. ثم أسامة بن لادن يقوم بإجراء الترتيبات اللازمة لعملية الانتقال، ويلحق به فيما بعد.

ياسر أبو هلاله: هنا التقى الفتى أسامة بن لادن بالشيخ عبد الله عزام، جاء الفتى وعنده إرثٌ من الثروة، والشيخ عنده إرث من الثورة. لو نظر أحدهما في الأفق لرأى زُرى فلسطين، ولو نظر في العمق لرأى مأساة اللاجئين. اتفق الشيخ والفتى على موعدٍ قريب، ولكن في مكانٍ بعيد.