مقدم الحلقة: أكرم خزام
ضيف الحلقة: بوريس بيريزوفسكي (ملياردير يهودي)
تاريخ الحلقة: 17/01/2002

- اليهود عبر العصور في روسيا وقضية معاداة السامية
- التغلغل اليهودي في ظل الاتحاد السوفيتي
- النشاط الثقافي الاقتصادي والسياسي في روسيا والدعم الدولي له


بوريس بيريزوفسكي
أكرم خزام
أكرم خزام: يرتبط اسم (دستويفسكي) بالعديد من روائع الأدب الروسي، بيد أن القليلين بيد أن القليلين يعرفون عن مقالته المسألة اليهودية الواردة في كتابه "يوميات كاتب" الصادر عام 1895 رغم كتابته له عام 1877م وقد تكون حساسية هذه المسألة سبباً رئيساً في التأخر بطباعة الكتاب أو خلو المؤلفات الكاملة لدستويفسكي التي طبعت في العهد السوفيتي منه، يقول دستويفسكي: كم من مرة تلاقت أصوات المثقفين الروس دفاعاً عن اليهود، ولكن هل يأخذ اليهود في اعتبارهم رغم شكواهم من الروس واتهامهم لهم القرون العديدة التي عانى فيها الشعب الروسي نفسه، هل من الممكن إثبات أن هذا الشعب قد عانى في تاريخه كله ظلماً وشراً أقل مما عاناه اليهود أينما كانوا؟ وهل يمكن التصديق على أن اليهودي ليس هو الذي كثيراً ما اتحد مع ظالمي هذا الشعب، كثيراً ما تعهد لهم بضبط الشعب الروسي، ومن ثم تحول هو نفسه إلى ظالم له، لقد حدث كل ذلك بالفعل، وهذا تاريخ وحقيقة تاريخية، ومع ذلك فلم نسمع قط أن الشعب اليهودي قد ندم على ذلك، وفي ذات الوقت لا يزال يتهم الشعب الروسي لا يحبه، إن تاريخ أنحاء روسيا يشهد بما جرى للشعب الروسي خلال عشرات ومئات السنين حيثما حل اليهود.

وماذا بعد؟ هل بوسعكم أن تتذكروا أية قبيلة أخرى من القبائل الغريبة في روسيا يمكن أن تتساوى بهذا المفهوم في نفوذها مع النفوذ الفظيع لليهود؟ لن تجدوها، فاليهود يتفردون بشذوذهم وأصالتهم هذا المجال أمام جميع القوميات الروسية والسبب يعود بالطبع إلى (الجيتو) وإلى روحه التي تبث فيهم عدم الرحمة تجاه كل ما هو غير يهودي وعدم احترام أي شعب أو قومية أو أي جوهر إنساني آخر ما لم يكن يهودياً".

وفي مقابل ما قال (دستويفسكي) يقول أحد الممثلين اليهود من الذين يعملون في المسارح الروسية:

إيجور بوتخوفيتش (ممثل مسرحي يهودي): هنا لا يحبون لا اليهود، ولا القوقازيين، ولا أبناء آسيا الوسطى، ولا العرب ولا الأفارقة، هنا لا يحبون أحداً، ولأنكى من ذلك أن الروس لا يحبون الروس أنفسهم، للأسف ثمة حالة من فقدان الحب تنعكس بدورها على المشاكل القومية.

اليهود عبر العصور في روسيا وقضية معاداة السامية

شعار يحمل علم إسرائيل وصورة مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل
أكرم خزام: حديث الممثل هذا جاء إثر إعلان وسائل الإعلام بأن العداء للسامية ظهر مجدداً في روسيا إثر تصريح الجنرال (ألبرت مكاشوف) في إحدى المظاهرات التي نظمها الحزب الشيوعي الروسي، حيث أكد في حينه على ضرورة تطهير (الكرملين) من اليهود الذين يسيطرون على مراكز أساسية تتيح لهم التحكم بالقرارين الاقتصادي والسياسي في روسيا حسب رأيه، وقذف (مكاشوف) أثناء خطابه اليهود بكلمات نابية.

ونتيجة لتصريحاته اضطر زعيم الحزب الشيوعي الروسي للاعتزاز رسمياً من السفير الإسرائيلي لدى روسيا الاتحادية، وفُصل الجنرال (ألبرت مكاشوف) من عضوية اللجنة المركزية للحزب بعد زوبعة أثارتها غالبية الصحف الروسية بحقه وبحق من يروج لمعاداة السامية، وبعد الاحتجاج الرسمي الذي قدمته السفارة الإسرائيلية حيال هذه القضية.

تراوح عدد اليهود في روسيا من ثلاثة ملايين نسمة في الإمبراطورية الروسية قُبيل الثورة الاشتراكية إلى مليون وسبعمائة ألف في الاتحاد السوفيتي في الثمانينات من القرن الماضي وإلى خمسمائة وخمسين ألف في روسيا الاتحادية في الوقت الراهن بعد أن هاجر مليون يهودي من دول الاتحاد السوفيتي السابق إلى إسرائيل في بداية التسعينيات من القرن الماضي.

تعرف الروس على اليهود بشكل واسع بعد أن ضمت الإمبراطورية الروسية مناطق ضخمة في غرب (أوكرانيا) و (بيلا روسيا) في سياق تقسيم الدولة البولونية بينها وبين بروسيا والنمسا في منتصف القرن الثامن عشر.

الكساندر أو سفتسوف (نائب رئيس المؤتمر اليهودي في روسيا): بعض اليهود اندمج في المجتمع أكثر من غيره، أي أنهم انفصلوا عن مجموعتهم الإثنية الدينية، بمعنى آخر اعتنقوا المسيحية، إنما الأغلبية لم تسلك هذا السبيل، ومن انخرط في المجتمع حقق نجاحات كبيرة، وأستذكر هنا على سبيل المثال أول وزير خارجية في عهد (بطرس الأكبر) وكنيته (شافيغوف) من الأصل اليهودي، ويمثل أحفاده شريحة واسعة في أرقى طبقات المجتمع، ومنهم على سبيل المثال -رئيس الوزراء الإصلاحي في العهد القيسري (فيشي) وقاتل (راسبوتين) الأمير (يوسوبوف) والشاعر (أفيدور سلوجوف) المعادي سامية بالمناسبة.

أكرم خزام: وكان الوجود اليهودي في العديد من مدن تلك المناطق وقراها كثيفاً جداً، وإلى جانب الفقر المتوقع لغالبية اليهود كانت هناك فئات سرية وخاصة ما سمي بالوكلاء، الذين تولوا إدارة الإقطاعيات والقرى والمحلات التجارية العائدة إلى النبلاء البولونيين وملاك الأراضي الذين فضلوا حياة البذخ والتسلية في العواصم والمدن الكبرى، وأوكلوا ممتلكاتهم للأثرياء من اليهود، وقد مارس الوكلاء استغلالاً بشعاً للفلاحين والعمال والحرفيين في تلك المدن، الأمر الذي ولد مشاعر معادية لليهود لدى الكثيرين من الأوكرانيين وسكان (بيلا روسيا).

هذه الحالة دفعت باليهود للسعي إلى الانتقال نحو المدن الروسية الكبرى لمزاولة أعمال مربحة، بيد أن السلطات القيسرية كانت تفرض قيوداً شتى عليهم، وهنا يكمن السبب الأساسي في حقد فئات يهودية واسعة على الدولة الروسية ونظامها في ذلك الوقت.

وقبل منتصف القرن التاسع عشر كانت المجالس المحلية من الأعيان اليهود (الكاهال) التي تنظم شؤون اليهود داخل أماكن انتشارهم، والظاهر أنها ظلت تمارس تأثيرها الخفي بعد حلها لفترة طويلة.

امتاز عهد القيصر الإصلاحي (الكساندر الثاني) بموقفه اللين واليبرالي –نوعاً ما- تجاه اليهود، وخاصة الأثرياء الجدد الذين جنوا أموالاً طائلة لقاء حصولهم على تعهدات ومقاولات مغرية من مشاريع مد الخطوط الحديدية وبناء المؤسسات.

الكساندر أو سفتشوف: ومن بين اليهود البارزين أسرة (بول ياكوف) الذي كانوا يملكون عملياً شبكة السكك الحديد في كافة أرجاء روسيا من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، ومن الطبيعي أن يدخل في مجال مصالحهم اقتصاد روسيا بهذا القدر أو ذاك.

أكرم خزام: بيد أن القيصر (الكساندر الثالث) وضع عراقيل جديدة أمام تغلغل اليهود في العاصمة بطرسبرج، وموسكو، وغيرهما من المدن الروسية، وأجبر بعضهم على تركها.

وفي تلك الفترة حدثت مجازر واعتداءات في (مولدافيا) وجنوب أوكرانيا ضد اليهود، ولم تكن السلطات الرسمية هي التي نظمت معظم تلك المجازر، لكنها لم تقف ضدها. وكانت الاعتداءات المنظمة على يهود روسيا من أهم الأسباب التي دفعت الكثيرين منهم للهجرة إلى أميركا ثم إلى فلسطين بعد بروز المنظمات الصهيونية في روسيا في أوائل القرن العشرين. ومنذ الستينات من القرن التاسع عشر كانت التنظيمات اليسارية والثورية ضمت أعداداً متزايدة من الشبان اليهود الذين تلاقت مصالحهم مع أفكار تلك التنظيمات الناقمة على السلطة أصلاً.

في مقابل ذلك ردت الشرطة السرية الروسية على هذه الظاهرة بإعداد محاكمات لعناصر يهودية بتهم خطيرة، منها: قتل شبان روس بدافع ديني.

الكساندر أو سفتشوف: طالما أن السؤال يطال الموضوع اليهودي، فالسؤال: كيف أن هذه الأقلية الإثنية والدينية تعيش في بلد يحمل في جنباته تاريخاً طويلاً من التعاطي السلبي مع هذه الأقلية، وبخاصة على مستوى الدولة، وعلى هذه الخلفية يجب النظر إلى الوجود اليهودي برمته مع فترات انفراج في العشرينات والثلاثينات وانفراجات أخرى في فترة التسعينات.

أكرم خزام: وثمة من يشير إلى أن الشرطة السرية الروسية شجعت على إعداد بروتوكولات حكماء صهيون وتوزيعها، وهذه البروتوكولات ورغم افتقارها إلى أدلة عملية تؤكد وجود مؤامرة يهودية عالمية تهدف إلى تحقيق السيطرة على أهم دول العالم، بينما يؤكد البعض أن البروتوكولات من تدبير اليهود أنفسهم

[فاصل إعلاني]

التغلغل اليهودي في ظل الاتحاد السوفيتي

غينادي زيوغانوف
أكرم خزام: واكتسبت المسألة اليهودية في فترة (لينين) بعد انتصار الثورة البلشيفية عام 1917 حيزاً خاصاً، ذلك أن (لينين) لم يكن قريباً في توجهاته الفكرية والسياسية من الحركة الصهيونية رغم تعاطفه الواضح مع اليهود لما تعرضوا له من الكبت حسب اعتقاده، ومعروف أن لينين كان يريد الاستفادة من الشخصيات اليهودية التي تسلمت مراكز حساسة في حزبه في بناء النظام الاشتراكي وتصدير الثورة إلى دول العالم، بينما حث الصهاينة وحلفاؤهم في الحركات الاشتراكية والعمالية اليهود على الانعزال والهجرة والاستيطان في فلسطين، الأمر الذي دفع لينين إلى منع التنظيمات الصهيونية، والحركات القريبة منها في روسيا عامي 1919 و1921.

وكان (البونت) أي الاتحاد العام للعمال اليهود في روسيا الذي طالما عمل على عزل العمال والمستخدمين اليهود في غرب روسيا عن الحركة الاشتراكية الروسية العامة أبرز تلك المنظمات.

على أن اليهود شغلوا أيام لينين وفي العقدين الأولين من الفترة الستالينية، مناصب هامة في الدولة والحزب والأجهزة الأمنية، وكان وجودهم في الوسط الثقافي والإعلامي طاغياً، إلا أن (ستالين) بدأ يعمل على تحجيم مواقع اليهود في القطاعات المؤثرة في نظام الدولة منذ أواسط الثلاثينيات، وقد زاد عضبه على اليهود بعد إنشاء دولة إسرائيل، عندها أيقن أن الكثير من الشيوعيين اليهود، الذين أرسلوا إلى فلسطين بترتيب من أجهزة (استالين) على أمل خلق نظام موالٍ لموسكو أصبحوا يخدمون المصالح الصهيونية والأميركية، وتنكروا لوطنهم الأول، ناهيك بتعاطف نسبة لا بأس بها من اليهود السوفييت من إسرائيل، وفي مثل هذه الأجواء تعرضت للاضطهاد وأحياناً للإعدام وجوه يهودية بارزة، وخاصة تلك التي ساهمت في نشاط اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية أيام الحرب العالمية الثانية، وتعاملت مع أوساط يهود الولايات المتحدة، وكانت القيادة السوفيتية في حينه تعوِّل هذه اللجنة كقناة هامة لجذب التبرعات والمساعدات المالية للمجهود الحربي، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ونشوب الحرب الباردة، لم تنتف الحاجة إلى مثل هذه اللجنة فحسب وإنما حامت الشكوك حول ولائها لموسكو، كما ارتكبت الفعاليات اليهودية السوفيتية خطأً مميتاً في أواخر الحزب العالمية الثانية، وفي عام، 1946م تحديداً بطرحها لمشروع إقامة الإقليم اليهودي الذاتي الحكم في "شبه جزيرة القرن" وبمساهمة مالية أميركية لتوطين اليهود هناك واعتبر استالين المشروع مؤامرة تهدف إلى سلخ جزء من الأرض السوفيتية عن الوطن الأم، ما دفعه إلى إصدار أوامر لمعاقبة أصحاب المشروع.

إيجور بوتخوفيتش: إنها ميزة الاتحاد السوفيتي السابق، لقد اختلق استالين والمحيطون به هذه المشكلة، لتبرير تعصبهم القومي إيزاء اليهود، وقد قضوا في أواخر الأربعينيات على نخية اليهود المثقفة تحت ستار محاربة "الكوزمو بوليتية".

أكرم خزام: استيقظت المشاعر القومية عند الكثيرين من اليهود بشكل ملحوظ بعد انتصار إسرائيل في حرب حزيران عام 1967م، الأمر الذي أسفر عن توقف عملية انصهار اليهود في روسيا والجمهوريات السوفيتية الأخرى، مما أدى إلى زيادة طلبات الهجرة من روسيا إلى إسرائيل وكذلك الولايات المتحدة الأميركية، وقد حاولت موسكو في تلك الفترة عرقلة حركة الهجرة حيث أدركت أن الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تسيء إلى علاقاتها مع الدول العربية والفلسطينيين، بيد أن الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة مارست ضغوطاً قوية على القيادة السوفيتية التي اضطرت منذ مطلع السبعينيات إلى رفع بعض القيود التي كانت مفروضة على هجرة اليهود، وشهدت فترة حكم (ليونيد بريجنيف) حلحلة نسبية في هذا الاتجاه.

وفي فترة حكم "يوري أند روبوف" بدا وكأنه على استعداد لانتهاج سياسة حازمة تجاه الصهيونية على الصعيدين الداخلي والخارجي، إلا أن الموت سبقه في ذلك أما تضارب في الأنباء عن سر موته بين مشير إلى سم مدسوس أودى بحياته، وبين مؤكد بأن لحظة موته حانت أما (ميخائيل جورباتشوف) فقد عرف اليهود في أيام قيادته للاتحاد السوفيتي عصرهم الذهبية وحتى الآن ثمة تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية لمسايرة (جورباتشوف) للمصالح اليهودية والصهيونية بشكل لا مثيل له، خاصة في ظل انعدام الجذور اليهودية عنه وعن أسرته، المرجح أن جورباتشوف راهن واهماً على الاستفادة في إصلاحاته من المؤسسات المالية والصناعية التي يملكها اليهود أو المسيطرون عليها في الغرب وتحديداً في الولايات المتحدة الأميركية وكندا.

يشار في هذا الصدد إلى أن (الكسندر ياكلوف) وهو أقرب المقربين لجورباتشوف في ذلك والمنظر الحقيقي (للبريسترويكا) أو الإصلاحات الجورباتشوفية، عمل سنوات طويلة سفيراً في كندا، وقام بتوثيق العلاقة بين جورباتشوف و(إدجار برونجمان) الذي كان –وقتذاك- رئيساً للمؤتمر اليهودي الدولي، وعرفه أيضاً على (إسحاق رايخمان) الملياردير اليهودي من كندا، وعلى عدد آخر من أثرياء اليهود الذين شرعوا يتوافدون دفاعاً على مكتب جورباتشوف في (الكرملين) وبالرغم من جورباتشوف لم يحصل منهم على أقوال تذكر لدعم البريسترويكا، فقد رفع القيود المتبقية التي كانت تفرض على الهجرة اليهودية، وفتح الباب على مصراعيه أمام انتشار المنظمات الصهيونية في الاتحاد السوفيتي السابق، كما بدأ انفتاح الاتحاد السوفيتي على إسرائيل منذ أواخر الثمانينات، والمثير للاهتمام في هذا الصدد موافقة وزير خارجية الاتحاد السوفيتي (إدوارد شيفرنادزه) أواخر عام 1990م على تطوير العلاقة مع إسرائيل، دون أية شروط مسبقة علماً أن رئيس الحكومة الإسرائيلية (إسحق شامير) في حينه أعد ملفاً تضمن بعض التنازلات فيما يخص حل القضية الفلسطينية والحد من توطين اليهود السوفييت الوافدين إلى إسرائيل.

[فاصل إعلاني]

أكرم خزام: واللافت للنظر أيضاً موافقة جورباتشوف أثناء لقاءه (بجورج بوش) في مالطة في العام نفسه، على تحقيق برنامج ضخم لهجرة مئات الآلاف من اليهود السوفيت إلى إسرائيل والأراضي العربية المحتلة، وتقرر في حينه استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وجرى تعيين الصحفي المعروف "الكسندر بوفين" أول سفير لموسكو بناء على طلب ملح من الحكومة الإسرائيلية، إذ كان المذكور معروفاً بدفاعه المستمر عن السياسة الإسرائيلية وبتحامله على الفلسطينيين والدول العربية.

وعبر جورباتشوف عن مشاعره الحقيقية تجاه اليهود في برقيته الشهيرة التي وجهها إلى المشاركين في المهرجان الذي أقيم في "كييف" عاصمة "أوكرانيا" في سبتمبر/أيلول عام 1991م أي قبيل خروجه من السلطة، وذلك بمناسبة مرور نصف قرن على مجزرة "بابيار" التي ارتكبها الألمان النازيون ضد سكان مدينة "كييف" والتي ذهبت ضحيتها الآلاف من اليهود وغير اليهود وأطلق جورباتشوف على اليهود في تلك البرقية صفة "أمة عالمية عظيمة"، وحل الروس وبعض الشعوب السوفيتية الأخرى المسؤولية عن مأساة اليهود، كما أشار جورباتشوف في البرقية ذاتها إلى أن بعض الفعاليات السياسية في روسيا هي المسؤولة عن دفع اليهود نحو الهجرة، لأنها في نظره تتقاعس عن التصدي لمعاداة السامية ولا تهتم بأوضاع اليهود كما يجب.

الكساندر أو سفتسوف: الدافع الأساسي للهجرة لم يكن أبداً سياسياً أو اجتماعياً، بل اقتصادياً، عدا بعض الأشخاص، (شراسكى) مثلاً الذين كانت لديهم دوافع عقائدية للهجرة إلى إسرائيل، والأرقام تشير إلى أن الناس يهاجرون ليس إلى إسرائيل، بل إلى الولايات المتحدة وألمانيا، أي أنهم يبحثون عن ظروف اقتصادية وحياتيه أفضل، وعن الاستقرار أيضاً.

النشاط الثقافي والاقتصادي والسياسي اليهودي في روسيا والدعم الدولي له

أكرم خزام: معروف أنه لم تحدث في فترة حكم جورباتشوف أية أعمال عنف ضد اليهود، بينما حدثت فتن واشتباكات ونزاعات بين القوميات الأخرى في آسيا الوسطى والقوقاز أسفرت عن آلاف القتلى والجرحى، ولم يكن اليهود من بين أولئك الضحايا على الإطلاق، الأمر الذي يعزز الآراء القائلة بأن أبواباً جديدة في العلاقة بين السلطة واليهود انفتحت، لتصل في فترة حكم الرئيس السابق لروسيا (بوريس يلتسين) إلى حد استفاد منه اليهود بشكل كبير في جميع المجالات.

وفي هذه الفترة بالذات بدأ اليهود نشاطهم بشكل ملحوظ في المسارح خاصة وأنهم متميزون في هذا المجال، فها هو مسرح (لخايم) أي "الحياة من أجل الحياة"، يفتح أبوابه من جديد لتعريف المشاهدين بالثقافة اليهودية بعد أن حرم من هذه الإمكانية سنين عديدة في العهد السوفيتي.

إيجور كوسيورا (مخرج مسرحي يهودي): مسرحنا أقفل كلياً للأسف فقد كان تابعاً لمقاطعة "بيريجانا" اليهودية ذات الحكم الذاتي، ويتلقى تحويلاً حكومياً، وقد انتهى التمويل ثم قررت جمعيتنا "الجمعية الدولية لتطوير الثقافة اليهودية – مارك" الحفاظ على هذا المسرح، وقد افتتحناه مجدداً.

أكرم خزام: ثمة إذن دعم دولي لنشاط اليهود في روسيا، هذا الدعم الذي لم يقتصر على تفعيل نشاط المسارح فحسب، وإنما على تنشيط الهجرة إلى إسرائيل أيضاً، ولم يعد سراً أن الدعم الدولي ساهم في توفير الفرص لهجرة مليون يهودي، من دول الاتحاد السوفيتي إلى الدولة العبرية علماً أن الحملات الداعية إلى الهجرة لم تتوقف رغم غياب المضايقات عن اليهود الروس.

أرييل شارون (رئيس الحكومة الإسرائيلية): لقد هاجر حوالي مليون شخص من الاتحاد السوفيتي السابق إلى إسرائيل، وقد قدم هؤلاء إسهاماً لا يقدر بثمن في بنية إسرائيل الثقافية، والاقتصادية، لقد غيروا وجه دولة إسرائيل، ونحن نأمل بإن يأتينا مليون يهودي آخر ولا ننسى أن هؤلاء الناس يمثلون جسراً بشراً للتواصل بين إسرائيل وروسيا.

أكرم خزام: وفي فترة (يلتسين) رفع الحصار الذي كان مفروضاً على الأديان في العهد السوفيتي، ما دفع اليهود إلى بناء معابدهم حيث يمارسون فيها طقوسهم الدينية بحرية تامة، دون التعرض لضغوطات معينة تحرمهم من ممارسة هذه الطقوس مثلهم مثل الطوائف الدينية الأخرى في روسيا.

على أن بعض المعابد تعرض بين الحين و الأخر لتفجيرات لم يكشف النقاب عن المخططين لها، إن بعض الروس يشير إلى إنها تدبر من قبل اليهود أنفسهم بغية استجلاب العطف وإثارة المسألة اليهودية من جديد أو دفع اليهود إلى الهجرة من روسيا.

فيكتور ايليوخين (عضو مجلس الدوما الروسي): قضية العداء للسامية يجب أن تتحملها الجهة التي تروج لها، وهي وسائل الأعلام وجهاز إدارة رئيس روسيا الاتحادية بشكل خاص.

دوفي (حاخام من روسيا الاتحادية): المضايقات ليست عاملاً كافيا للهجرة وأعتقد أن العامل الأهم يكمن في الصعوبات الاقتصادية أو –لا سمح الله- في حصول تغييرات في السلطة يصل أشخاص مؤيدون لمعاداة السامية إلى دفة الحكم.

أكرم خزام: استفاد اليهود من حوادث التفجير، ونظموا مسيرة طافت شوارع العاصمة الروسية كاحتجاج على الانفجارات التي تتعرض للمعابد اليهودية من جهة، وكتجسيد لفكرة ضرورة نبذ معادة السامية التي تطفو على السطح في روسيا بين الحين والآخر، حسب رأي اليهود من جهة ثانية، فاحتجاجات اليهود على حواراث التفجير دفعت البعض إلى تذكر ما قاله ذات يوم (تيودور هيرتزل) مؤسس الحركة الصهيونية، لو لم تكن هناك اللا سامية وأعمال معاداة اليهود فكان لابد أن نخترعها ونفتعلها.

عمليات الخصخصة التي بدأت في روسيا منذ مطلع التسعينات في القرن الماضي وإطلاق العنان لما سمي بديمقراطية عهد الرئيس السابق (بوريس يلتسين) شكلتا تربة خصبة لرموز الرأسمالية اليهودية للانضقاض على وسائل الإعلام بهدف الإجهاز عليها وتحويلها إلى إدارة لترويج أفكار معادة الشيوعية، وضرورة وصول العلاقة مع الدولة العبرية في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلى أقصاها، ناهيك باعتبار واشنطن المثال الأعلى الذي يجب أن يحتذى به كبديل عن مثال موسكو السوفيتية، التي كانت رمز خنق الحريات والجمود والتخلف حسب وجهة نظر الرموز الرأسمالية اليهودية التي شيدت ممالكها الإعلامية بأبحث الأثمان ولعبت دوراً كبيراً في إبقاء (بوريس يلتسن) في الحكم عبر انتخابات عام 1996م، إذ خاضت وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة حرباً لا هوادة فيها ضد خصمه زعيم الحزب الشيوعي (جينادي زوجانوف).

بوريس بيريزوفسكي (ملياردير يهودي): لقد دعمت الرئيس يلتسين بنشاط فعلاً عام 1996م، وعلى الرغم من إنه ارتكب كمّاً هائلاً من الأخطاء فإنني مستعد لانتخابه مره أخرى، كما فعلت في عام 1996م، ولذلك لإن البديل آنذاك كان (زيوجانوف) وأعتقد إنه لمن السذاجة الاعتقاد بأن الشيوعيين لن ينتهجوا التطرف مرة أخرى في حال وصولهم إلى السلطة.

أكرم خزام: وكان ذلك إيذاناً بإن الرموز الرأسمالية في روسيا التي سيطرت على غالبية البنوك والشركات النفطية وقسم كبير من مصانع الألمونيوم والحديد تريد تثبيت يلتسين في الحكم الذي يؤمن لها استمرار مصالحها عن قصد أو غير قصد.

ولم تكتف الرموز الرأسمالية اليهودية بذلك، بل سعت إلى إيصال ممثليها إلى مراكز القرار السياسي في الكرملين، وتمثل ذلك بإقدام بوريس يلتسن على تعيين الملياردير اليهودي الشهير (بوريس بيريز وفسكى) نائباً لسكرتير مجلس الأمن القومي الروسي بالرغم من حيازه لجواز سفر إسرائيلي.

بوريس بيريزوفسكي: يرتكز نفوذي على ناحية وحيدة هي قدرتي على إقناع الآخرين بقناعتي وحججي، صحيح أن الكثيرين من الذين يعملون في جهاز الإدارة الرئاسية وفي الحكومة هم من معارفي، بل أن بعضهم يدخل في عداد أصدقائي، وأنا سعيد لأنني قادر على التفاهم معهم وإقناعهم بصحة أرائي.

أكرم خزام: فاحتدام الصراع بين المعارضة اليسارية وبين بحكم يلتسين، على قاعدة خلافات حادة في عديد من القضايا دفعت إلى يلتسين إلى تعيين (يفجيني بريماكوف) رئيسا للحكومة الروسية هرباً من صدمات عنيفة كان يمكن لها أن تودي بحكمه.

بيد أن الرموز الرأسمالية اليهودية لم تكن راضية عن هذا التعيين وشنت عبر وسائل إعلامها أعنف هجوم ضد (بريما كوف) الذي وصف برجل الدولة الداعي إلى الوفاق الوطني، وإعادة النظر بالخصخصة التي أمنت مليارات الدولارات للعديد من الرموز الرأسمالية اليهودية، وقد نجحت بثقلها في إقناع يلتسن. بالإحاحة به بالرغم من أصوله اليهودية.

بوريس بيريزوفسكي: بذلت فعلاً كل ما في وسعها لعزل (بريما كوف) عن منصب رئيس حكومة روسيا، ولم أتواني آنذاك عن استخدام نفوذي في وسائل الإعلام، لكني لم أستخدم تأثيري على الرئيس لقد أثرت على الدوائر المحيطة به،

أكرم خزام: ازدادت الأوضاع الاقتصادية سوءاً في روسيا خاصة بعد الانهيار المالي الكبير الذي ضربها في أغسطس/ آب عام 1998م، والذي نتحمله حسب المعارضة اليسارية الرموز الرأسمالية اليهودية، ما دفع (إدوارد توبال) الكاتب اليهودي الشهير إلى توجيه رسالة تحذير إلى أساطين المال اليهود حيث ناشدهم بالكف عن جشعهم اليهودي وطالبهم بتقديم المساعدة إلى المواطنين الروس الفقراء اتقاءً لعاصفة الغضب الشعبي التي قد تطيح بهم يوماً –حسب قوله- أمام تساؤلات عن سر نجاح الرموز اليهودية الرأسمالية في السيطرة على العديد من المواقع الاقتصادية الهامة روسيا.

الكساندر أو سفتسوف: ثمة عاملان، أولاً: خصوصية وضع اليهود بالمقارنة مع الأقليات الأخرى تتلخص في روحية التعاون فيما بينهم، قياساً بالأقليات الأخرى، وبالتالي فقد أفلحوا في تحقيق نجاحات في البيزنيس والسياسة وخلافه، وانطلاقاً من هذا أيضاً، تبقى المسألة اليهودية ومعاداة السامية عرضه للنقاش والتداول أكثر من غيرها، من القوميات الأخرى.

أكرم خزام: وصول الأوضاع السياسية والاقتصادية في روسيا إلى حد المأزق دفع الكرملين إلى إقناع يلتسين بتقديم استقالته، وتعيين رجل الاستخبارات (فلاديمير بوتين) قائماً بأعمال الرئيس ريثما يتم التحضير للانتخابات الرئاسية، في حين سارعت الرموز الرأسمالية اليهودية إلى الترويج لبوتين باعتباره خلفاً أميناً، للنهج الذي سلكته روسيا خلال فترة حكم يلتسن.

بوريس بيريزوفسكي: يتمتع (بوتين) ستيين هامتين فهو مصلح بالتأكيد من جهة، وقوى الإرادة من جهة ثانية، وهاتان السمتان من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في رئيس روسيا.

أكرم خزام: وبعد نجاحه في معركة الانتخابات الرئاسية بدأ (بوتين) عبر أجهزته الأمنية حملة ضد الذين اغتنوا بشكل فاحش، نتيجة لتلاعبهم على القوانين وتأثيرهم على من يرير القرارات السياسية والاقتصادية في الحكم، ونتيجة لذلك بدأت الحملات ضد (بوتين) إن كان في الغرب أو داخل روسيا متهمة إياه بمحاولة إعادة النظام السوفيتي إلى روسيا الجديدة، وكان بوتين أمر أجهزته الأمنية بالتحقيق مع الملياردير اليهودي الشهير (بوريس بيريزفسكي) الذي هرب إلى الخارج، ومع بارون الإعلام في روسيا الملياردير اليهودي (فلاديمير جوزنسكي) حيث تم الحجز على ممتلكاته بانتظار تسليمه إلى روسيا عبر القضاء الإسباني.

وماذا بعد..؟ يقول (دستويفسكي) في ختام مقالته الشهيرة عن المسألة اليهودية في روسيا: "بالطبع فمملكة اليهود تقترب، مملكتهم الكاملة، ستحل بانتصار كامل لتلك الأفكار التي ستنهار أمامها مشاعر حب الإنسانية والتعطش للحقيقة، والمشاعر المسيحية والكرامة القومية بل وحتى الوطنية للشعوب الأوروبية، ستقبل على العكس النزعة المادية والرغبة الشهوانية الحسية لتأمين الحياة المادية الخاصة، والتعطش الشخصي لتكديس الأموال بكل السبل والوسائل"، هذا ما قاله دستويفسكى عن المسألة اليهودية في روسيا في منتصف القرن التاسع عشر. لنتساءل معاً عن مصداقية ما قاله.. إلى اللقاء.