مقدم الحلقة أحمد الهوتي
ضيوف الحلقة - -، --
تاريخ الحلقة 08/04/1999





أختر مينجل
طاهر بيزنجو
الشيخ عبد الحق البلوشي

جان محمد دشتي

أحمد الهوتي
أحمد الهوتي: طوى الزمن صفحات من تاريخها الحافل، وتحقق فيها حكم القوي على الضعيف، وأصبحت ملجأ الأيتام والعجزة والمهاجرين الأفغان، إنها الوطن الغني والشعب الفقير (بلوشستان) الإقليم الذي يشكل 43% من المساحة الإجمالية لباكستان، وهو الأكبر على الإطلاق بين الأقاليم الباكستانية، تتوسط منطقة شرق ووسط آسيا وإيران وأفغانستان والخليج العربي.

يبلغ تعدادها حوالي تسعة ملايين نسمة، ومساحتها ثلاثمائة وأربعين ألف كيلو متر مربع، منطقة متنوعة التضاريس والجغرافيا، فهي تجمع بين ساحل يمتد بطول تسعمائة كيلو متر، صحاري شاسعة تعرف بصحاري مقران، ومناطق زراعية تنتج الفواكه والحبوب والخضراوات، عاصمتها كويتا نسبة إلى هذه الجبال الثلجية التي تحيط بها من كل صوب.

طقسها بارد شتاءً، وتصل درجة الحرارة في المناطق الجبلية تحت الصفر، ومعتدل صيفاً، كانت بلوشستان مملكة مستقلة، وتوالى عليها حكومات متعددة قبل أن يحتلها الإنجليز عام 1885م، فقسمت المنطقة إلى جزأين، أحدهما للبلوش، والآخر تحت الاستعمار البريطاني، وفي عام 1947م وبعد حصولها على الاستقلال شنت باكستان حرباً على حاكمها "أحمد يارخان" وانتصرت عليه، وضمت بلوشستان إلى أراضيها.

وفي عام 1973م عندما تولى "ذو الفقار علي بوتو" السلطة في باكستان شنت قواته بالتعاون مع القوات الإيرانية بقيادة شاه إيران هجوماً عنيفاً على المناطق البلوشية مات خلاله عشرات الألوف من السكان، وقاد الجيوش البلوشية "شير محمد ماري" الذي رحل إلى أفغانستان بعد هزيمته، وخلال الخمسين عاماً الماضية لم يكن أمام البلوش إلا الانصياع للأوامر الصادرة من إسلام أباد رغم وجود حكومة محلية يرأسها حاكم بلوشستان الذي لا حول له ولا قوة لتنمية هذه المنطقة والارتقاء بشعبه الفقير.

الشيخ عبد الحق البلوشي: ماضي بلوشستان مشرق، حيث كانت مملكة مستقلة حتى عام 1947م عندما ضمتها باكستان إلى أراضيها، والقبائل البلوشية لم تأت فقط من أفغانستان أو إيران، بل جاءت من مختلف المناطق لتعيش هنا، وقد حكم بلوشستان الملوك وأيضاً السلاطين، وحتى الشيوخ حكموها في بعض الفترات المتلاحقة، ومنذ أن ضمتها باكستان إلى أراضيها بدأت معاناة الشعب الذي لم ير إلا العذاب، أما الحكومة الحالية المنتخبة من الشعب فقد جاءت بعد عام 1947م.

أحمد الهوتي: يتم انتخاب حاكم بلوشستان عن طريق الاقتراع المحلى الذي يشارك فيه سكان الأقلية كل خمس سنوات، حيث تتنافس الأحزاب الأربعة -وهي الحزب الوطني وحزب التحرير والحزب الجمهوري وحزب الباشتون خواه- لاختيار ثلاثة وأربعين نائباً هم عدد نواب البرلمان البلوشي.

ويتم اختيار الحاكم من النواب بأغلبية الأصوات، ثم يقوم الحاكم باختيار وزرائه من النواب، وتملك بلوشستان أحد عشر صوتاً في البرلمان الباكستاني الذي يصل عدد أعضائه مائتين أعضاء، ويعارض البلوش هذا التمثيل الضعيف حيث يعتبرونه ظلماً، فبلوشستان أكبر الأقاليم وأغناها من حيث الموارد والثروات الطبيعية لا يمكن أن تمثل بهذا العدد الضعيف من الأعضاء.

أختر مينجل: أحد عشر عضواً مقابل مائتين وسبعة أعضاء، حتى لو اتفقوا على قرار فماذا يا ترى بإمكانهم أن يفعلوا؟ القوة هنا بعدد الأصوات، فكيف يمكننا الدفاع عن هذا الإقليم بأحد عشر صوتاً فقط؟! حتى لو رفعنا صوتنا، وتحمسنا فلا جدوى بهذا الحماس، وليس لنا خيار في أن نقبل أو نرفض، وهذه الأصوات قسمت على حسب التنمية والازدهار في الإقليم، فحتماً التنمية في البنجاب أكبر ثم السند، وفي الأخير تأتي بلوشستان، إننا لا نقبل بهذا التمثيل الضعيف، نحن أعضاء البرلمان صورة تنشر في الجرائد ليس إلاَّ.

أحمد الهوتي: قوات الجيش والشرطة في كل مكان، فأينما أمعنت النظر وجدتهم أمامك، ولا يمكن تخيل حجم هذه القوات والأسلحة التي تمتلكها، كما لا يمكنك الاقتراب منها أو التحدث إليها، أما إذا قمت بتصويرها فإنك -حتماً- وقعت في مشكلة لا تعرف أبعادها، فتبعيتها للحكومة المركزية في إسلام أباد يجعلها ذات سلطة قوية، والغريب أن واحداً من هذه القوات لا ينتمي إلى بلوشستان، فكلهم من البنجاب، ويتساءل المرء حول هذا التميز، وعدم قبول البلوش للعمل ضمن هؤلاء الأفراد، رغم البطالة التي تسود المجتمع.

طاهر بيزنجو: ليس الجيش فقط، ووجودهم بهذه الكثرة هنا، الصحيح أن معظم القيادات والإدارات ذات الصلة باتخاذ القرار في بلوشستان بأيدي الآخرين وليس البلوش.

أحمد الهوتي: منذ أن احتلت باكستان هذا الإقليم والبلوش يطالبون بتحسين أوضاعهم المعيشية وتنمية المنطقة أسوة بباقي الأقاليم، فخلال السنوات الماضية لم تنفذ الحكومة الباكستانية مشروعاً واحداً باستثناء الرواتب التي تدفعها لأعضاء حكومة بلوشستان، ويرى الساسة بأن المخرج الوحيد لهذه المشكلة هو المطالبة بحكم ذاتي لإقليمهم الغني، وتكون الحكومة الباكستانية مسؤولة فقط عن الشئون الخارجية والدفاع والعملة، وألا تتدخل في مقدرات هذا الإقليم.

أختر مينجل: الناس في هذا الشتاء القارص لا يملكون الحطب للطبخ أو للتدفئة، والفحم الحجري لا يصنع هنا، الكهرباء غالية الثمن، وشعبنا لا يستطيع دفع

فاتورتها، الحكم الذاتي ليس مطلباً شخصياً، وإنما إنقاذ لوطني وأمتي.

أحمد الهوتي: تعاني بلوشستان من البطالة التي سببتها الهجرة المتكررة للأفغان إلى إقليمهم المجاور لأفغانستان، واستيلائهم على الوظائف والأعمال، مما جعل الجيل الحالي بدون عمل، وقد بدأت الهجرات الأفغانية في الثمانينات، عندما أعلنت باكستان ترحيبها للأفغان الذين كانوا يواجهون حرباً شرسة مع الاتحاد السوفيتي

آنذاك، ثم توالت الهجرات مع نشوب الحرب الأهلية إلى أن اتخذ الأفغان بلوشستان موطناً جديداً لهم، فحلت الفوضى، وقلت الموارد، وزادت

الجرائم، وارتفعت نسبة البطالة بين أفراد المجتمع، وأصبحت بلوشستان الغنية بمواردها عاجزة عن تلبية حاجات السكان.

أختر مينجل: مثلما أقدمت الحكومة الباكستانية بإحضارهم عليها أن تعيدهم إلى وطنهم، فهم يقولون بأن حكومة الطالبان أفضل من الحكومة الباكستانية، فهناك إعفاءات من الضرائب ونظام إسلامي، فلماذا يستمر هؤلاء البشر هنا، يضغطون على رزق شعبنا؟ الشعب هنا بائس فقير، فكيف تتصورون أن يأتي آلاف من الأفغان ليتقاسموا معه الرزق؟

أحمد الهوتي: عندما استولى الطالبان على السلطة في أفغانستان تنفس الأهالي الصعداء بعد أن خفت نسبة الجرائم في مناطق وقرى بلوشستان، وانتظروا رحيل الأفغان عن إقليمهم كي يسترد عافيته، لكن ذلك لم يحدث، بل زادت عمليات تهريب المخدرات والهجرات الجماعية للأفغان، ويحمل البلوش "الطالبان" المسؤولية تجاه ما يحدث في إقليمهم، والوضع المتردي لأحوال الأفغان في كل مكان، ويطالبون حكومة أفغانستان أن تحسم موضوع المهاجرين، وتدعوهم للعودة إلى ديارهم، فهؤلاء الأطفال الأبرياء الذين لا أب لهم ولا أم، ولا حول لهم ولا قوة، يسألون ربهم عن الجريمة التي اقترفوها ليحل بهم كل هذا الشقاء.

طاهر بيزنجو: الحرب انتهت، والاتحاد السوفيتي رحل عنهم، وتقولون إن أفغانستان بلاد آمنة، نحن نعتقد بأنه ليس هناك مبررات لبقاء الأفغان هنا، يجب عليهم العودة إلى ديارهم بأية وسيلة.

أحمد الهوتي: عام 1998م قامت باكستان بتجربتها النووية على أراضي بلوشستان، ولقي القرار اعتراضاً من الأهالي، وفي مقدمتهم حاكم بلوشستان آنذاك، إلا أن الحكومة الباكستانية لم تكترث باعتراضهم، وأصرت على إجراء التجربة، رغم علمها بحجم الأضرار التي ستلحق ببيئة المنطقة وسكانها، ولاعتراضه على إجراء هذه التجربة فوق أرض إقليمه دفع حاكم بلوشستان الثمن، حيث أسقطت حكومته، وأقيل من منصبه بعد عام من توليه السلطة.

أختر مينجل: مصيبة التجربة النووية هل نتحملها وحدنا؟! فبلوشستان لهذه الدرجة ليس لها أهل ولا سند، كل المصائب تأتي عليها وحدها، منذ البداية عارضت التجربة وحتى الآن..العالم وحتى الأحزاب المعارضة لم تكن راضية عن هذا القرار، وحزبنا وقف ضد تنفيذ التجربة، ونتيجة لهذا الاعتراض عزلوني من منصبي، أنا لا آسف على عزلي، فاعتراضي كان لأجل وطني وأمتي.

أحمد الهوتي: رغم الفقر المدقع إلا أنك نادراً ما تشاهد متسولين يمدون أيديهم

لأحد، والسبب يعود إلى أن أهل الخير والبر يدفعون أموالاً للمطاعم لتقديم وجبات الطعام للأيتام والفقراء وأبناء السبيل بدون مقابل، وغالباً ما تجد المطاعم مزدحمة بالناس، منهم من يدفع، وآخرون لا يستطيعون فينصرفون، وفي المطاعم الشعبية يحق لك الجلوس على سرير صنع من الحبال بدل الجلوس على كرسي صغير.

صاحب مطعم: كل من يأتي يحصل على طعام، هناك من يدفع نقوداً لإطعام الفقراء والمساكين مجاناً، وحتى لو لم يدفع أحد، فإنهم يحصلون على الطعام مجاناً، والله يطعمهم.

أحمد الهوتي: تعتبر بلوشستان غنية بثرواتها الطبيعية حيث تمتلك كميات كبيرة من

الغاز، وتقوم الحكومة المركزية بتوزيعه على المناطق الباكستانية باستثناء بلوشستان التي لا تحصل شيئاً من هذه الثروة!! والجبال يخرج منها الذهب والفضة والنحاس والكروم والنيكل والفحم الحجري، ويعمل عدد كبير من أبناء المنطقة في استخراج هذه المعادن، وازدهرت مؤخراً صناعة الرخام الذي يصنع منه الأدوات المنزلية والديكور، وتهتم حكومة بلوشستان بدعم الصناعات التقليدية كالنسيج باستخدام صوف الحيوانات، والصناعات الجلدية المنتشرة في أرجاء الإقليم، والسجاد البلوشي هو الأشهر في باكستان، وتظهر براعة إنسان هذه الأرض من خلال النماذج والصور التي تمثل جوانب تاريخية إلى جانب خياطة الملابس النسائية.

محمد البلوشي: هذه الصناعات منتشرة في مناطق بلوشستان، وخاصة الصناعات الجلدية والنسيجية القديمة، وهناك أيضاً صناعات حديثة نقوم بها حالياً.

أحمد الهوتي: صيد الأسماك رافد مهم لاقتصاد بلوشستان، حيث يعمل عدد كبير من البلوش في هذه المهنة، ويتم تصدير هذه الأسماك إلى إيران وباقي المناطق

الباكستانية، ونأتي للزراعة العمود الفقري وأهم مصادر الدخل في

بلوشستان، فالتربة غنية وتصلح لمختلف أنواع الزراعات الشتوية

والصيفية، والمياه متوفرة دون انقطاع، ولا حاجة لحفر الآبار، فخلال فصل الشتاء تسقط الأمطار الغزيرة، فيستمر جريان الأودية طوال العام، ويقوم الأهالي بزراعة الخضراوات والأرز والشعير والقمح داخل هذه الأودية.

بينما تنتج مزارع كوتيا التفاح والخوخ والمشمش والعنب واللوز والجوز والفستق والموز والجوافة والحمضيات، أما المناطق الحارة في "مقران" فيزرع فيها النخيل الذي ينتج أنواعاً من التمور الجيدة، ورغم هذا التنوع في الإنتاج إلا أن الناس يعانون من مشكلة التسويق، فكل هذه المنتجات لا تخرج من بلوشستان بسبب عدم تعاون الحكومة الباكستانية وسماحها لتسويق هذه الخيرات إلى الخارج.

أسلم بليدي: نحن مطمئنون على الواقع الزراعي والسمكي في بلوشستان، والمستقبل سيكون أفضل بإذن الله، لكن المشكلة التي تواجهنا هو التسويق، فنحن ننتج أطناناً من التمور والتفاح ومختلف الفواكه، لكنها لا تسوق إلى الخارج، ولذلك فهي تباع بأسعار رخيصة جداً.

أحمد الهوتي: الأسواق في بلوشستان مزدحمة ومليئة بأنواع البضائع، المهربة منها والمصنعة داخل البلاد، إضافة إلى الخضراوات والفواكه واللحوم التي تباع بأرخص الأثمان، وبعض هذه الأسواق قديمة قدم الإنسان، وتشبه الأسواق العربية في أزقتها الضيقة وبضائعها المتعددة، بينما توجد أسواق حديثة أُسست لمواجهة الحاجات السكانية المتجددة، ويتضح سيطرة الأفغان على معظم التجارة في الأسواق خاصة تجارة البضائع المهربة.

وتتبادل بلوشستان التجارة مع باقي المناطق الباكستانية بواسطة هذه الشاحنات التي تأتي محملة بالبضائع، وترحل محملة بالبضائع، وغالباً ما تترك بصماتها على هذه المدينة وشوارعها العتيقة التي بناها الإنجليز أثناء احتلالهم للمنطقة قبل 70 عاماً، وتتعرض الأسواق للنهب والسرقة من قبل المهاجرين، فأبواب المحلات مقفولة بسبب إضراب أعلنه التجار عندما سرق مسلحون محلاً تجارياً وهددوا أصحابه بالقتل.

ويتحدث السكان اللغة البلوشية والأردو والبوشتو، واللغة البلوشية لغة قديمة خليط بين العربية والفارسية والهندية، وهي تنطق وتكتب، حيث ظهرت مؤلفات كتبت باللغة البلوشية وبخط عربي، ويستخدم البلوش جميع الحروف العربية بالإضافة إلى ستة حروف أخرى هي بيه، قيه، تجا، دال، جا

والجاف، ويعتبرون العربية الأقرب إلى لغتهم، ويستخدم البلوش في كلامهم مفردات إنجليزية وعربية وأردو، ومع هذا فهم لا يخشون ضياع لغتهم، ويعتبرون ذلك أمراً طبيعياً لانتشار البلوش في كل مكان من أرجاء العالم.

أحمد الهوتي: هناك تقارب كبير بين البلوش والأكراد في الأصول والعادات، ويعيش في بلوشستان عدد كبير من الأكراد يتحدثون البلوشية، ويقول البلوش أنهم ينحدرون من أصول عربية، هاجروا من اليمن والعراق، وكانت لهم علاقات تجارية مع الحضارة الفرعونية وبلاد الشام، ولذلك لا يستغرب المرء أن يجد بلوشاً في مصر وسوريا والأردن واليمن والخليج العربي وأفريقيا.

الشيخ عبد الحق البلوشي: البلوش أقرب للعرب، وبينهم نسب مشترك منذ زمن بعيد.

أحمد الهوتي: المركز الثقافي أسس عام 1972م، تشرف عليه الحكومة المحلية، ويعمل على النهوض بالأفكار الشابة المبدعة في مجال الرسم والغناء والشعر والكتابة، كما يعتني بالفلكلور الشعبي والآثار والمتاحف، ويشارك المركز في مختلف المناسبات الثقافية والأدبية التي تقام في باكستان وخارجها، كما ينظم المركز المسابقات الفنية والأدبية لتشجيع الشباب على الإبداع والابتكار.

عبد الله البلوشي: المركز الثقافي في بلوشستان يهتم بالفنون التقليدية والشعر وتشجيع المبدعين، كما يقدم تسهيلات للرسامين والنحاتين والمهتمين بمختلف القضايا.

أحمد الهوتي: أكاديمية البلوش صرح بنى ذاتياً للحفاظ على التراث الأدبي واللغة البلوشية، وقد تمكنت الأكاديمية التي يديرها عدد من المثقفين من نشر أكثر من مائتي كتاب في مختلف الأغراض، ومنذ أن استخدمت الحروف العربية في الكتابة انتشرت الكتب على رفوف المكتبات، وتشارك الأكاديمية في المعارض والمحافل المحلية والدولية، وقد تمكن عدد من الباحثين من جمع المخطوطات القديمة التي كتبت قبل آلاف السنين وحفظها من الاندثار والضياع، وتعتبر الأكاديمية ملتقى أهل الفكر والأدب، وتهتم أيضاً بنشر المجلات والصحف المكتوبة باللغة البلوشية.

جان محمد دشتي: نحن نخدم الأدب واللغة البلوشية، وقد قمنا بطباعة ونشر ما يقرب من مائتي كتاب في اللغة والتاريخ والجغرافيا والآداب كالدراما والشعر.

أحمد الهوتي: متحف كوتيا أحد المتاحف الصغيرة المنتشرة في بلوشستان، ويحتوى على عدد من المصاحف الشريفة كتبت باللغة العربية والفارسية والباشتو، وهذا القسم يحتوي على أواني فخارية يعود تاريخها إلى ما قبل سبعة آلاف عام، وجارٍ البحث عن آثار أخرى في ميرجر ولوشيرو.

أكبر الأقسام قسم خصص للأسلحة التي استخدمها البلوش في حروبهم، فهذه السيوف تعرف بالسيوف البلوشية، ولها أنواع واستخدامات مختلفة، وهذه البنادق صنعت في بلوشستان خلال الخمسينات والستينات، وهناك مسدسات وبنادق إنجليزية وروسية استخدمت خلال الحروب التي خاضها البلوش، ويسعى الأهالي لبناء متحف كبير يجمع كل المقتنيات الأثرية التي عثر عليها حتى الآن.

عبد الله البلوشي: المتحف الموجود صغير جداً، ونحن نحاول -الآن- أن نبني متحفاً كبير يضم المقتنيات المختلفة التي توضح تاريخ البلوش.

أحمد الهوتي: يلقى الشعراء احتراماً خاصاً في بلوشستان، فهم أفضل من يحرك مشاعرهم وأشجانهم، ويذكرهم بماضيهم المشرق وبطولاتهم التي ذاع صيتها، ويقرض الناس الشعر بلغتهم البلوشية، ويستخدمون -غالباً- الأغراض الشعرية العربية.

يهتم البلوش بإحياء تراثهم الشعبي الفلكلوري من خلال إقامة الاحتفالات وتشجيع الفرق الشعبية للاحتفاظ بنمط الرقصات الشعبية والأغاني

الفلكلورية، ويقوم المركز الثقافي بتوفير الإمكانيات والوسائل بإشراك هذه الفرق في كافة المناسبات داخل باكستان وخارجها، وهناك أنماط كثيرة للرقصات بعضها يشبه الرقصات العربية، وبعضها يقترب من الرقصات القوقازية.

كان التعليم مقتصراً على الذكور -فقط- ولا يسمح للإناث أن تدخل

المدارس، ولكن منذ الثمانينات تغيرت النظرة، وسمح لها أن تتلقى العلم إلى جانب الرجل، وبدأت تأخذ موقعها في التعليم، واليوم نشاهد المدرسات والطبيبات ممن أنهين الدراسة الجامعية، كما يحق لها تلقي التعليم الجامعي في جامعة بلوشستان والكليات المهنية المتخصصة، ويقول المسؤولون "إن نسبة الإناث تضاهي في المراحل الأولى من التعليم الابتدائي نسبة الذكور" وهناك جهود لنشر التعليم في المناطق الريفية.

جان محمد دشتي: في الماضي كان الناس لا يسمحون لبناتهم بتلقي التعليم، لكن الآن وخلال السنوات الأخيرة فالفتاة تحصل على نصيبها من التعليم مثلها مثل الرجل.

أحمد الهوتي: يفتخر البلوش بلباسهم التقليدي المؤلف من سروال فضفاض وقميص طويل، وهذه الملابس تستخدم في كل المناسبات، فيما يفضل البعض وضع العمامة على الرأس كما يفعلها هؤلاء الرجال الذين ينتمون إلى قبيلة الرند البلوشية، أما المرأة فتلبس ثوباً طويلاً يصل إلى الركبة زخرف بنقوش وألوان زاهية، وفي وسط الثوب يوجد جيب لوضع النقود زخرف الآخر بنفس النقوش والألوان، ويلبس تحت الثوب السروال، وتضع المرأة اللحاف على رأسها والغشاوة أو النقاب على وجهها، وفي مناسبة الأعراس يلبس العريس والعروس هذه الملابس التقليدية التي تبين عراقتها وجمالها.

تعد "سبي" التي تبعد حوالي مائة وسبعين كيلو مترا عن "كوتيا" مركز الإشعاع الثقافي باعتبارها كانت عاصمة مملكة البلوش في عهد الأمير "شاكا" وتظهر آثار القلاع والحصون التي لم يبق منها إلا الأطلال، ويقام في هذه المدينة -حتى يومنا هذا- مهرجان شعبي يرعاه حاكم بلوشستان إحياء لذكرى هذه المدينة

العريقة، ويقوم الحاكم هنا بتكريم التجار ورجال الأعمال الذين ساهموا في إنجاح الفاعليات والبرامج التنموية خلال السنوات الماضية.

بالقرب من هذه الجبال المكسوة بالثلوج تسكن قبيلة "مري" وهي قبيلة بلوشية رحلت إلى أفغانستان عام 1973م عندما هزم الجيش الباكستاني القوات البلوشية، لكن المشاكل المتلاحقة على أفغانستان أجبرتهم على العودة إلى ديارهم، فما وجدوا سوى هذا المكان ليبنوا فيه بيوتهم الصغيرة، ويعيشوا في هذه الظروف القاسية، ورغم تلقيهم التعليم الجامعي في الاتحاد السوفيتي

السابق، إلا أن هؤلاء الناس بدون عمل، ويمارس أبناء القبيلة إحدى الرياضيات المحببة إلى نفوسهم.

الأوزبك قوم هجروا أفغانستان عام 1980م واتخذوا كوتيا موطنهم

الجديد، ويشكلون نسبة كبيرة من سكان العاصمة، ويعملون في المهن البسيطة والصغيرة، ويعتبرون أكثر الناس فقراً إلى جانب بقية الأفغان

المهاجرين، ويتحدث الأوزبك اللغة الفارسية، وأشكالهم تشبه المغول.

تختلف البيوت بحسب اختلاف طبيعة وعمل الناس وموقع سكناهم، فبيوت المدينة والمزارعين تتشابه إلى حد ما، وهي مبنية من الطين والطوب، وغطيت بمواد صلبة اتقاء للأمطار والثلوج التي تسقط بغزارة خلال موسم الشتاء، وغالباً ما تتألف من غرفتين، ويلاحظ قدم هذه البيوت باستثناء بيوت الميسورين في المدينة.

أما البدو الرحل فبيوتهم مصنوعة من بقايا الأشجار أو جلود الحيوانات، وهي صغيرة جداً، وكل أفراد الأسرة يقيمون داخل غرفة واحدة، وهناك بعض الخيام الحديثة التي بدأ استخدامها مؤخراً، وتجلس الأسرة وتطبخ في باحة البيت التي حددت ببقايا الأشجار، ويستخدمون نفس هذه الأشجار اليابسة في

الطبخ.

الأهالي لهم حب خاص لبعض الحيوانات، فهم يهتمون بتربية الخيل، ويتفاخرون بها ويضعون عليها الزينة لتظهر بأجمل حلة، ولهم مع الخيل تاريخ طويل، وهناك من يهتم بتربية الثيران لحاجتهم لها في مختلف الأغراض وخاصة الزراعية، والثيران هنا تستعد لمسابقة أفضل وأجمل ثور، ويحب الناس طيوراً كالديوك الكبيرة التي تشارك في مسابقات صراع الديكة، وهناك طيور كثيرة تنتشر في بلوشستان كالنسر الذهبي والحجل والحمام البري والعصفور المغني.

وسط هذه الجبال العالية والأودية السحيقة تقع عين ماء وسط جبل

أصم، حيث يتدفق الماء بقوة من هذه الصخرة باتجاه الوادي في منظر

بديع، ويأتي الناس هنا للتبرك بهذه المياه، فلهذه العين قصة بطلها رجل تقي -كان يتعبد في هذا المكان- دعا ربه أن يسقيهم فنبع الماء من هذه

الصخرة، ويسمى المكان باسم هذا الرجل وهو "بير غيب" والأغرب من هذا أن اللص الذي لا يعترف بجريمته يؤتى به إلى هذه البركة المائية التي تكونت بفعل مياه العين المتدفقة فيرمى فيها، فإذا طفا على السطح فهو بريء، أما إذا لم يخرج فهو مذنب، وهذه العادة مستمرة حتى اليوم.

وتنساب هذه الشلالات في منظر بديع يأخذ الألباب إلى بطن الوادي، لتجري المياه إلى الحقول والبساتين، والجبال في كوتيا و"زيارت" مكسوة طوال الشتاء بالثلوج، حيث تهبط درجة الحرارة دون الصفر، وما أن ينقضي الشتاء تذوب هذه الثلوج مكونة الشلالات والجداول المائية التي تساعد على سقي المزروعات والحيوانات.

أحد المهن الرئيسية في بلوشستان هو الرعي، فعدد كبير من السكان البدو يعملون كرعاة للإبل والغنم والأبقار، وفي موسم الشتاء يأخذون حيواناتهم إلى الأماكن الأكثر دفئاً وبعيداً عن الثلوج والأخطار الأخرى، ونشاهد الألفة الحميمية بين الراعي وأغنامه التي ترعى في هذه الأودية، وللرعاة أغاني رقيقة يؤنسون بها أنفسهم أوقات راحتهم، وهذا الراعي يغني باللهجة البرهوية، شاكر الله على فضله ابتهاجاً بقدوم موسم الخصب والكلأ.

البدو كثيرو الترحال خاصة في موسمي الشتاء والصيف، وهم يرحلون -الآن- اتقاء البرد إلى مناطق أكثر دفئاً، ويستخدم الرجال الجمال في الترحال، بينما النساء يركبن الحمير، ويحملن باقي متاع البيت على ظهورها، ويقطعون مئات الأميال للوصول إلى المنطقة التي سيقضون فيها شتاءهم، ومهما قيل فالموضوع اليوم لا يتعلق بالمستقبل السياسي لبلوشستان والبلوش، إنما بمصير كل هؤلاء البشر الذين نزحوا إلى بلوشستان، واستوطنوا فيها، وشاركوا أهلها الموارد والإمكانيات المحدودة، إذن القضية أكبر من أن يحلها ساسة هذا الإقليم، فهي تتطلب جهداً دولياً يؤمن العيش الكريم لهؤلاء البشر.

أحمد الهوتي "الجزيرة" "كوتيا" عاصمة بلوشستان الباكستانية