مقدم الحلقة: ميشيل الكيك
ضيوف الحلقة: عدة شخصيات
تاريخ الحلقة: 18/07/2002

- تأثير التنجيم على السياسيين الفرنسيين
- التنجيم بين الموهبة والعلم والاحتيال

- عمليات التنجيم بين التربح المادي والرفض الديني

- علم النفس والهروب من الواقع إلى التنجيم

- مخاطر التنجيم وغرائبه

ميشيل الكيك: إذا كان التنجيم يغزو بعض المجتمعات الفقيرة والمتخلفة، فالعجب أن يغزو المجتمعات المتقدمة صناعياً وتكنولوجيا مثل فرنسا، فمن يصدق أن سبعة مليارات فرنك فرنسي يصرفها الفرنسيون كل عام على التنجيم، ويعمل حوالي 30 ألف محترف في هذه المهنة تحت ظل القانون، والسؤال المحير: لماذا يعتقد الناس بالتنجيم والتنبوء والتبصير كلما أوغل العصر في العلم والتقدم؟

فالقانون الفرنسي سمح بوجود عيادات متخصصة للمنجمين مع أنه يحرم السحر والشعوذة، ويعاقب من يفتعل الأكاذيب والأضاليل.

لكن رغم ذلك يشكل التنجيم واقعاً اجتماعياً موجوداً في أوروبا وتحديداً منذ عهود الملوك القدماء لاسيما منذ عهدي الملكين (لويس الثالث عشر) و(لويس الرابع عشر) ففي القرن الخامس عشر كان يوجد في فرنسا أكثر من ثلاثة آلاف ساحر وساحرة، وكان لكل نبيل ونبيلة أو شخصية مرموقة ساحرها الخاص، وهكذا ينسحب التفصيل من كل هذه العلوم القديمة ويمتد إلى عصرنا هذا، إذ يجد له آذاناً صاغية لدى العديد من رجال السياسة الفرنسيين وفي طليعتهم الرئيس الراحل (ميتران).

تأثير التنجيم على السياسيين الفرنسيين

العرافة الفرنسية (إليزابيث تيسيه) أصدرت كتاباً تحدثت فيه عن علاقتها بالرئيس (فرانسوا ميتران) معلنةً أنها كانت المستشارة الروحية له طيلة السنوات الست الأخيرة من حياته لدرجة ذهب فيها البعض إلى حد التساؤل: هل كانت هذه السيدة في قائمة عشيقات (ميتران)؟ هي تنفي ذلك، لكنها تشير تلميحاً إلى أن الرئيس كان يشعر بالغيرة من زبائنها الآخرين، في البداية لم يكن ميتران مقتنعاً بما ترويه له المنجمة إلى أن اقتنع أخيراً بأخبارها نتيجة كل ما سردت له من وقائع وأحداث اعتبرها متطابقة مع دورة الأفلاك في برجه برج العقرب.

ثم تعززت مكانة العرافة أكثر فأكثر بعدما تنبأت له بوقوع حرب في بداية التسعينات فكانت حرب الخليج الثانية، وهناك من يستغرب ويسأل: هل يمكن لرئيس بلد مثل فرنسا أن تتأثر بعض قراراته بما يمكن أن تراه بصارة أو منجمة؟ إليزابيث تيسيه أصبحت معروفة في أوساط حاشية ميتران، غالباً ما كان يدعوها إلى تناول الطعام معه، وتعود حراس القصر الجمهوري على زياراتها المتكررة، فهي كانت تدخل من الباب الرئيسي للقصر مثل أي زائر آخر، واحتلت أخبارها عناوين العديد من الصحف والمجلات هي والمنجمة (دجونا) منجمة الرئيس الروسي السابق (بورليس يلتسين) لدرجة قيل إن الرئيسين وثقا فيهما أكثر من ثقتهما بالمستشارين، ورغم إقبال رجال السياسة على المنجمات فهم يعرفون أن ذلك قد ينعكس سلباً على شعبيتهم ويفضلون دائماً أن تكون زياراتهم للمنجمات أو زيارات المنجمات إليهم في الخفاء على عكس ما كانت تفعله (تيسيه) يشار إلى أن الإعلان عن وجودها في حياة الرئيس وعن زياراتها المنتظمة إليه كانت في آخر أيامه ولم يُعلن عنها في زمن الاستشارات أو أثناء لقاءاتها الأولى بميتران منذ نهاية الثمانينات من هنا كان التكتم محيطاً بالسياسيين الذين يزورون المنجمات.

ومن بين السياسيين الكثر الذين اتصلنا بهم لمعرفة رأيهم من التنجيم وما إذا كانوا يستشيرون المبصرين أو المنجمين، وحده النائب الفرنسي ورئيس البلدية في منطقة إيسيه ليمونولي القريبة من باريس النائب (أندريه سانتيني) قبل أن نتطرق معه إلى التنجيم لمعرفة رأيه بهذا الموضوع وآثار التنجيم على السياسيين، هنا في مطار البلدية نسأله: لماذا يهتم السياسيون في فرنسا بظاهرة التنجيم؟

أندريه سانتيني (نائب فرنسي): عندما يهتم فرنسي واحد من أصل خمسة بالتنجيم فأعتقد أنه على السياسيين أيضاً أن يهتموا بذلك.

ميشيل الكك: وأكثر من ذلك فهناك من بين رجال السياسة الفرنسيين من يؤمن تماماً بأن المبصرين يمكنهم أن يتنبؤوا بأحداث قد تقع، وما على رجل السياسة أو القرار إلا أن يتنبه لها لمعرفة ما يجب أن يتخذه من خطوات لمواجهة حدث ما.

أندريه سانتيني: بالقرب من بعض السياسيين ورؤساء الدول عدد كبير من المنجمين الذين يحاولون قراءة المستقبل، بالقرب من (يلتسين) مثلاً وبالقرب من ميتران أيضاً، الذي استمع إلى المنجمة الشهيرة إليزابيث تيسيه، وانتهى الأمر بميتران إلى سماع الهاتف والتصنت على المكالمات الهاتفية للبعض، ولا أعرف ما إذا كان بوش قد عمد إلى توظيف منجمة، حتى بالقرب من (شارل ديجول) كان هناك أحد المنجمين، وأذكر لكم حادثة تتعلق باختطاف الطائرة الفرنسية من قبل الجماعة الإسلامية المسلحة في كانون الأول/ ديسمبر عام 94. قبل أسابيع من وقوع عملية الخطف أعلن أحد المنجمين المشهورين السيد (ديبريه) ومن خلال نشرة التليفزيون في المحطة الأولى الفرنسية أنه يشاهد رؤى مثل طائرة بيضاء ورجال باللباس الأسود يطلقون النار، وكان هذا وصفاً دقيقاً لرجال قوة التدخل السريع الذين أنهوا عملية الخطف.

ميشيل الكك: لكن رغم اعتقادك بالتنجيم لا ترغب أنت باستشارة أحد، لأية أسباب؟

أندريه سانتيني: أنا لا أستشير أبداً، لكنني أقرأ كثيراً الأبراج من كل نوع، عندما تتحدث هذه الأبراج عن أمور جيدة أثق ببعضها، وعندما تتحدث بشكل خاص عن السلبيات فإنني أصرف النظر عنها، وأعتقد أن هذا يساعدني بعض الشيء في محاولتي لقراءة المستقبل.

ميشيل الكك: وإذا كان البعض يهزأ مما يقوله المبصرون إلا أن للتنجيم –كما يرى آخرون-أصولاً وعلماً ومعرفة دقيقة بكل التفاصيل المحيطة بالإنسان، والتنجيم غير التبصير، فهو مرتبط بالنجوم ودرة الأفلاك والكواكب ومدى تأثيرها على البشر، فالمنجمة هي متخصصة فيعلمها، وتطلب من الزبون تاريخ ولادته باليوم والشهر والسنة والساعة التي وُلد فيها والمكان، وعند حصولها على هذه المعلومات والأرقام ومكان الولادة يرسم الكمبيوتر في مكتبها صورة توزيع الكواكب، فتعمد المنجمة إلى المقارنة وتحديد العلاقة بين الكواكب والأبراج وانعكاس كل ذلك على التصرفات البشرية وعلى أمزجة الأشخاص، فلكل كوكب علاقة بالنجاح والفشل، والحياة العاطفية والجنسية، والقرارات التي يمكن أن يتخذها كل إنسان وما إذا كان رجل السياسة مثلاً مُحقاً في اتخاذ قرار في هذه الفترة الزمنية من السنة أو ما إذا كان يتوجب عليه تأجيل قراره إلى وقت آخر.

نادين ليديكيرك (منجمة فرنسية): إذا أردنا أن نعرف مثلاً الحد الذي يتمتع به أحد رجال السياسة فيجب أن نعرف جيداً مدى مطابقة قراراته لدورة الأفلاك وانسجامها مع برجه الخاص، (شيراك) مثلاً عندما اتخذ قراراً بحل مجلس النواب لم يكن هذا القرار مناسباً له، وأدى إلى ضرر سياسي كبير لحق به، لأنه اتخذه في وقت غير منسجم مع حدود النجاح في حياته، أما (جوسبان) فهو من برج السرطان، وهو يخفي لديه منطق الوصول إلى السلطة، ثم سرعان ما يكشف عن ذلك.

ميشيل الكك: والمدافعون عن التنجيم يرون فيه علماً خصوصاً وأن هذا التنجيم دخل في أحدث أدوات التكنولوجيا كالكمبيوتر والمينتال والإنترنت، وأصبحت أجهزة الكمبيوتر تقوم بمهمة المنجم في بعض العيادات أو المقاهي أو المحال الخاصة، وصدرت في فرنسا عشرات الكتب التي تتحدث عن التنبؤات التي صحت والتي رواها العديد من المنجمين والمنجمات، لاسيما التنبؤات الخاصة بوقائع وأحداث سياسية وأمنية عالمية فضلاً عن شهادات يُدلي بها رجال معروفون ومشهورون في هذه الكتب علماً أن رجال السياسة بقوا دائماً بعيدين عن الأضواء رغم استشاراتهم الكثيرة للعرافين والعرافات، ومن أبرز الكتب الموجودة في فرنسا ما كُتب عن العرافة (ياجيل ديدييه) التي دخلت إلى قلب أسرار بعض الأوساط السياسية فكتب عنها العديد من الصحفيين الفرنسيين ونشروا شهادات لبعض الأشخاص الذين استشاروها، ونقصد هذه العرافة الشهيرة في باريس التي استشارها العديد من رجال السياسة الفرنسيين لكي يتعرفوا أو يكتشفوا مستقبلهم السياسي إذا صح القول، نزورها هنا لنسألها عن الطريقة التي تعتمدها في آلية التبصير، ولماذا يهتم السياسيون بشكل خاص.. بكل ما تقوله العرافات؟

ياجيل ديدييه (عرافة فرنسية): في الحقيقة أن السياسيين يهتمون بالتنجيم في أوقات الانتخابات بشكل خاص، ويريدون معرفة ما إذا كانوا سينتخبون، ويريدون أيضاً معرفة خصمهم السياسي. لكل رجل من رجال السياسة مطلبه الخاص، ولا يمكن تعميم بعض الأمور والمسائل على جميع رجال السياسة لكل شخصية منهم خصوصياتها.

ميشيل الكك: وتختلف أساليب التنجيم عند كل منجم أو مبصر، فهناك الورق الذي يعتمده الكثيرون منهم والكرة الكريستال، وتحاول هذه العرافة بالذات من خلال كلمات معينة أو كلمات مفاتيح تحاول قراءة عناوين عريضة لأحداث سياسية أو أمنية، ماذا قرأت ياجيل ديدييه سابقاً؟

ياجيل ديدييه: لقد وضعوا لي في ظرف مغلق كلمة أجهلها، كانت هذه الكلمة (بوتين)، لقد حاولت وصف ملامحه وملامح وجهه، لكنني رأيت أمراً غريباً أنه تصادم، ورأيت ما يشبه الجنود ونساءً تعول وعشرات (....)، أحسست بالأكاذيب، لكن الحقيقة ظهرت بعد أسبوع، وفهمت أن الأمر يتعلق بعرق الغواصة (كورسك).

بالنسبة للانتخابات الأميركية لم أكن بلهاء، عندما شعرت بالفارق الضيق جداً.. جداً وبصعوبة فوز (بوش) في هذه الانتخابات.

لكن أروع تجربة مررت بها كانت عندما تنبأت باغتيال السادات، وقد رويت هذا التنبوء في كتابي عندما استشارني أحد رجال السياسة اللبنانيين فجأة قلت له: إن السادات سيُقتل، وفعلاً حدثت عملية الاغتيال.

ميشيل الكك: وإذا كانت هذه العرافة نقلت الكثير من قراءاتها إلى رجال السياسة، إلا أنها ترفض ما كانت فعلته زميلتها العرافة (إليزابيث تيسيه) التي فضحت الرئيس السابق (ميتران) والذي تأثر بها نتيجة لكل ما قالته له بشأن حرب الخليج الثانية قبل وقوعها، معتبرة أنه يتعين على العرافة أن تحترم أسرار المهنة وهذا من أبرز واجباتها، وألا تفضح من يأتي إليها سواء كان سياسياً أم غير سياسي.

ياجيل ديدييه: لا أحب أن أقول أشياء يمكن أن تشيء إلى من يمارس المهنة نفسها التي أمارسها، لكنني أعتقد أن ما قامت به زميلتي (تيسيه) حول فضح (ميتران) هو أمر غير مقبول، منافٍ للأخلاقيات، كما أنه منافٍ لأحوال المهنة مع كل ما تناولته الصحافة حول هذا الموضوع، وأعتقد أنه سواء تعلق الأمر برجل سياسي أو فنان أو أي شخص آخر، لا يجب أبداً فضح هويته، حتى لو سمح لنا الشخص المعني بالأمر بأن نكشف عنه، إلا أن أحد خصائص تطبيق هذا العمل هو الحفاظ على سر المهنة، إنه عمل يشابه تماماً عمل الكاهن ويجب الحفاظ على سريته مهما كلف الأمر.

التنجيم بين الموهبة والعلم والاحتيال

ميشيل الكك: وترفض العرافة بالطبع أن ينظر إليها نظرة ازدراء أو هزء بما تقوله، وينساق وراء أقوالها أو أقاويلها العديد من رجال السياسة في فرنسا وفي غيرها من الدول، وإذا كانت فضائح رجال السياسية في دول أخرى مثل الولايات المتحدة اقترنت بالعلاقات العاطفية أو الجنسية للرجل السياسي، إلا أن ما أثير في فرنسا مؤخراً من فضائح للسياسيين هو ارتباط بعضهم بعلاقات مع منجمات وعرافات، من هنا تريد كل عرافة أن تحافظ على مصداقيتها خصوصاً العرافات المشهورات اللواتي دخلن إلى بيوت رجال السياسية، فلهن مصداقيتهن ويردن الحفاظ عليها بأي ثمن، فالعرافة الفرنسية الشهيرة التي زرناها(ياجيل ديدايية) تؤمن مثلاً بأن تنبؤاتها هي عطاء وموهبة مما، ولذلك علاقة -كما تقول- بالحاسة السادسة والقدرة على الغوص بعيداً في بعض المعطيات التي تكونها من الشخص الموجود أمامها لتكشف أموراً تتعلق بمستقبله ربما، وأكثر من ذلك فهناك بعض المتخصصين في مجالات العلم المتعلق بالدماغ والأعصاب، فهؤلاء يعتبرون أن للتبصيراً والتبصر في الأمور المستقبلية علاقة بقدرة الدماغ على اكتشاف المستقبل، ولا يتمتع كل البشر بنفس القدرة الدماغية كما يقول أحد الأطباء المتخصصين في الدماغ، وهو طبيب فرنسي من أصل مغربي، الدكتور إلياس أتياس وهو أيضاً صديق للعرافة (ياجيل ديدييه)، قصدنا عيادته حيث نجده منهمكاً بين آلاته التي يقول إنها لقياس القدرة الدماغية لدى الأشخاص، فهو اكتشف أن لصديقته العرافة (ياجيل ديدييه) قدرة دماغية تصل حسب المقياس الموجود لديه إلى حوالي 80 أو أكثر كما تشير هذه الساعة، في حين أن المعدل الطبيعي للأشخاص العاديين الآخرين يبلغ حوالي 50 حسب القياس المذكور، خضعنا جميعاً للتجربة على مقياس الدماغ –كما يقول الدكتور أتياس- وتراوحت النتائج كلها بين 50 أو أكثر بقليل أو أقل، ولم يصل أي منا للدرجة التي وصلت إليها العرافة (ديدييه) فأنا مثلاً وعندما خضعت للتجربة كانت النتيجة أقل من 50، ورغم هذه النتيجة المتدنية بادرت العرافة وصديقها الطبيب الذي يقول إنه اكتشف هذه الآلية بادرا فوراً إلى طمأنتي بأنني في حدود أي شخص عادي، بمعنى آخر لا يمكنني أبداً أن أكون مبصراً، المهم أن النتيجة عادية ومرضية كما هو الحال لدى أي شخص آخر.

د. إلياس أتياس (متخصص في طب الدماغ): عندما ينحرف التبصير عن خطة الصحيح، أو عندما يخرج عن إطار الموهبة فقد يصبح ضرباً من ضروب الاحتيال بهدف تحقيق منافع خاصة، ويصبح بذلك استغلالاً سلبياً للموهبة.

ميشيل الكك: هل صحيح هي موهبة أم غش واحتيال، وهكذا فإن ممارسة مهنة التنجيم أو التبصير متشعبة وقد تكون خاضعة لكل احتمالات التزيين والاستغلال، ومهما كانت التحليلات لواقع التنجيم وما إذا كان علماً برأي البعض، أو تبجيلاً برأي البعض الآخر، إلا أن رواد التنجيم والمقبلين عليه في الدول الغربية لا سيما في فرنسا كثر، لدرجة غزا فيها العديد من محطات الأثير الفرنسية، كذلك هناك بعض الاذاعات التي تقدم على الهواء مباشرة ضمن بعض برامجها حلقات تحتوي في موادها الأساسية على فقرات خاصة بالتبصير أو التنجيم، وذلك بهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من المستمعين والمعلنين على السواء، حيث تقوم المنجمة ضمن برنامج يومي بالرد على أسئلة المستمعين واستفساراتهم حول العديد من القضايا كالحب والزواج والمال والعمل.

نعيمة فايز مغربية تمارس هذه المهنة في منزلها للزبائن وفي الإذاعة للمستمعين وتشبه عملها بعمل طبيب نفساني فالأشخاص الذين يستشيرونها غالباً ما يبحثون عن نصيحة في ظل المتاعب التي يلقونها في حياتهم اليومية، وكثيرون هم الذين يلجأون إلى التبصير وكأنه دواء يريحهم.

نعيمة فايز (عرافة من أصل مغربي): إنني أمارس هذه المهنة بشكل رسمي في الدول الفرنسية، ولدي عيادة تشبه عيادة المحللين النفسيين، كما وأنني أدفع كل الضرائب المترتبة على هذه المهنة إلى الدولة، ومعظم الناس الذين يأتون إلى عيادتنا هنا يقصدوننا لأننا أساساً عيادة مغربية، والتبصير المغربي معروف في كل أنحاء العالم، ونحن معروفون أكثر من أي منجمات أو بصارات في دولة مشرقية أخرى، مثل مصر أو غيرها، كما ولدينا شهرة أيضاً في كل ما يتعلق بالعلاج الشعبي أو الطب المغربي، والناس في فرنسا يقصدوننا لأنهم يواجهون مشاكل عاطفية عديدة من أبرزها الوحدة، حيث يوجد 70% من الزبائن من الجزائر، المغرب وتونس ولبنان ومصر، أي باختصار من الشرق ومن شمال إفريقيا،وهم لديهم جميعاً مشاكل تتعلق بالتوتر النفسي وتدبير أوراق إقاماتهم في فرنسا.

عمليات التنجيم بين التربح المادي والرفض الديني

ميشيل الكك: وبغض النظر عن التبصير ومفاعله إلا أن هدف الإذاعات التي تقدمه لمستمعيها هو في الدرجة الأولى هدف تجاري خصوصاً وأن آلاف المكالمات الهاتفية تنهال على برامج التنجيم كل ساعة.

توفيق المثلوثي (مدير إذاعة البحر المتوسط - فرنسا): وهذا في الحقيقة خدمة اجتماعية والدليل على ذلك هو أن المكالمات الهاتفية التي تتلقاها الإذاعة خلال هذا البرنامج في.. تصل في بعض الأحياء إلى 3000 و 4000 مكالمة في الساعة الواحدة، وهو شيء مهول إن عبر عن شيء فقد عبر عن ضرورة هذه الخدمة حتى لو كنا نحن لها من الرافضين نظراً إلى ما تؤديه من خدمة اجتماعية مثلما قلت لكم، وإلى جانب ذلك فالمورد المالي الذي تدر به هذه البرامج على الإذاعة هو مورد مهم جداً نظراً لكونه يمثل تقريباً 50% من تمويل الإذاعة، وأنا في الحقيقة مثلما قلت لكم في البداية "مكره أخاك لا بطل"، يعني لو وجدت أبواب تمويل أخرى إعلانية لم أكن ألجأ إلى التنجيم، ربما كنا عملنا برنامج تنجيم باختيارنا دون اللجوء إلى مرجع مالي.

ميشيل الكك: وإذا كانت الأهداف من ترويج بعض عمليات التبصير والتنجيم والسحر أهدافاً تجارية إلا أن هذه العمليات تبقى مرفوضة من قبل الأديان السماوية كلها، فمدير هذه الإذاعة التي تبث برامج التنجيم في فرنسا هو نجل إمام جامع الزيتونة المعروف في تونس، لذلك هناك من يعيره وينتقده للجوئه إلى بث مثل هذه البرامج في إذاعته وهو ابن هذا الإمام المعروف في بلده تونس.

توفيق المثلوثي: ولذا في بعض الأحيان هناك من يقول لنا ألا تستحي؟ والدك إمام مسجد وإمام خطيب في جامع الزيتونة وأنت تلتجئ إلى التنجيم، فأوجه أواجهه برد أنا لا يجب أن أستحي لأنه أول من يجب أن يستحي هو رأس المال العربي الذي يُصرف في الكازينوهات وفي الملاهي الليلية في باريس، وأؤكد لكم وأن حضرت على حادثة في شخص واحد، في ليلة واحدة يعني صرف مالا يقل عن 3 مليون دولار لو هذه الـ 3 مليون دولار صرفت على الإذاعات المهجرية هنا في فرنسا لمكنتها من العيش برخاء ومن تأدية واجبها الإعلامي على أحسن وجه 3 سنوات، هو في الحقيقة كلما تقهقر الإيمان كلما تقدم التنجيم، يعني هذه أطلب فيها المعذرة من المنجمين والمنجمات الذين يتعاملون معنا، وهذا واقع لا يمكن أن أتراجع عن قوله، والمجتمع الفرنسي برمته نظراً إلى انهيار بعض الأيديولوجيات مثل الأيديولوجية اليسارية الماركسية وغيرها وتقهقر الأديان، بالرغم من ظاهرة الرجوع الحالية عند بعض الشباب، فعندما نفتقر إلى شيء نؤمن به نصير نتعلق بحاجات حتى تعطينا الطمأنينة، فلما لا نجد الطمأنينة في داخلنا نصير نبحث عنها بأي طريقة كانت، وهذا يخص خاصة المنجمين الفرنسيين.

ميشيل الكك: الأديان السماوية حسمت موقفها من المبصرين والمشعوذين والدجالين، والموقف متشابه بين الكنيسة والإسلام حول هذا الموضوع، وجاءت مقولة "كذب المنجمون ولو صدقوا"، وحذر الإسلام من اللجوء إلى العرافين، فالغيب هو في علم الله، ومن يقع في إغراءات التنجيم فإنما ذلك نتيجة لفراغ روحي وانهماك في الأمور الدنيوية وحدها.

د. عبد الكريم بكري (مسؤول العلوم الإسلامية في معهد مسجد باريس): في رأينا زعماء كبار ورؤساء دول كبيرة يقولون ويعترفون بأنهم كثير ما كانت سياساتهم توجه وتخطط وفق ما تقوله المنجمة الفلانية أو المنجم الفلاني، وهذا الأمر غريب جداً، المسلمون يعرفون أن الإسلام قد عالج هذا الأمر كثير لأن الإسلام هو الذي يجمع بين العقل والروح، فهو يجد حللاً عقلية تكملها الإيمان ويكملها الصدق والاتصال بالله سبحانه وتعالى، فالظاهرة هذه -مع الأسف- لا تبشر بخير، ظاهرة اللهاث والجري وراء كهنة السحر وآراء أرباب السحر، هذا لا يبشر بالخير لأنه يبشر على انحلال المجتمع وعلى اعتماده على هذه الأمور الغيبية الغير سليمة، فلذلك نحن ندعو مجتمعاتنا في العالم الإسلامي وندعو جميع المجتمعات أ، تتسلح بسلاح الإيمان ثم بسلاح العلم.

ميشيل الكك: وموقف الكنيسة لا يختلف كثيراً عن موقف الإسلام بشأن التبصير، إذ يعتبر رجال الدين المسيحيون اللجوء إلى مثل هذه الأعمال بأنه مناف للإيمان لأن لا أسس علمية أو واقعية لهذه الأعمال التي لا تتوافق مع العقيدة المسيحية.

الأب/ فرانسوا جوردان (من مطرانية باريس): لا يمكننا في إطار مفهومنا للمسيحية أن نتصور وجود أي تدخل للأرواح أو الشياطين، يجب أن نبقى حذرين حيال هذه المسألة، لكن لا يمكن أن ننفي وقوع بعض هذه الأعمال، أما تحضير الأرواح فهو أمر مرفوض وهو مسألة غامضة، ولا يمكن أبداً أن يتوافق مع عبادة الله، والكنيسة لا تقبل ذلك أبداً.

علم النفس والهروب من الواقع إلى التنجيم

ميشيل الكك: ومهما يكن من أمر فإن اللجوء إلى التنجيم قد يكون هروباً من الواقع الميؤوس منه أحياناً، كما يرى الكثير من المحللين النفسيين، فما هو موقف علماء النفس من هذه الظاهرة التي ازدادت كلما تعقد المجتمع المادي وتقدم التطور التكنولوجي، ولا يكون الهروب من الواقع الحياتي بالتنجيم أو التبصير فقط، إنما بمحاولة اعتماد الكثيرين لوسائل أخرى من أجل إراحة أنفسهم وأجسادهم، الدكتور (ألبير طانيوس) هو أحد المؤسسين لما بات يعرف بالطب المغناطيسي في فرنسا، إذ يتم علاج الأشخاص عن طريق الاسترخاء والتنويم المغناطيسي، إنه اتجاه جديد للتعامل مع العقل الباطني، فالإنسان هو نتيجة لكل التراكمات التي يعانيها لاسيما في حياة المدينة المليئة بالإرهاق والتوتر وتحميل الأعصاب ما يفوق طاقتها يتحول إلى شخص هارب من هذا الواقع باحثٍ عن راحة ما، ومن هنا قد يتم اللجوء إلى التنجيم في الغرب إذ يشعر العديد من الأشخاص بحاجتهم إلى الحلم والانتقال إلى لحظة انتشاء وسعادة قد تحققها كلمات مبصر يفرش لهم طريق المستقبل بالورود ويوهمهم بواقع أفضل.

د. ألبير طانيوس (عالم نفس): مليارات الفرانكات بتصرف على المنجمين وأصبح بيروحوا للمنجم أكثر ما بيروحوا للكاهن القسيس، وأصبح النسب للناس اللي بتلتجئ للمنجمين أكثر من الناس اللي بتلتجئ للكهنة أو الشيوخ، فدي طبعاً حاجة مؤسفة جداً وحاجة الحقيقة للأسف العالم العصر المجنون اللي إحنا بنعيشه ده.. أنا بأقول إحنا عايشين في عصر مجنون جداً، للأسف بيلتجئ للبدائل بدل ما يشوف الأساسي، الأساس هو الله، هو ربنا مدينا عقل نفكر بيه ومدينا أسلوب علمي، وفي مخنا إحنا أسلوب علمي، ومخنا ماشي كمان بأسلوب علمي وجسمنا وخلايانا ماشية بأسلوب علمي ما هواش تنقيب ولا بحث عن حاجة غريبة وده، ولكن إذا كان الأسلوب الحالي في البحث عن اللي مش موجود، فده برضو تنفيس كجزء حته مجنونة في عالم مجنون يعني، فأنا بأتصور إن هده صراع داخلي والإنسان بيحاول يخرج من الماديات اللي هم عايشين فيه بطريق تنفيسي إنه.. إن الواحد بيعيش في عالم زائف، ولو حتى لفترة يروح لمنجم لمدة ربع ساعة.. نص ساعة يصرف كأنه.. راح دفع حاجة جزء من دفع الحاجة إنه هيستفيد بحاجة حتى لو الحاجة دي غير مضبوطة وغير كائنة وما لهاش أساس، وعارف إنها هتخسر، ولكن في نفس الوقت مجرد إنه يدفع حاجة ده جزء من التنفيس.

ميشيل الكك: بالنسبة إلى كثيرين في الغرب سواء أكانوا يعتقدون بالتنجيم أو لا يعتقدون به هو هروب من حالة إلى حالة، هو إطلاق العنان لعالم الخيال الواسع وكثيراً ما يرغب الإنسان بالحلم ويتعلق به خصوصاً إذا كان الواقع الذي يعيش فيه هو واقع بشع ومشوه، فالغربيون والفرنسيون على وجه التحديد يتأثرون بما هو آتٍ من المشرق العربي ومن المغرب الغربي، فالفن والخيال هما عنصران أساسيان في حضارات الشعوب وتقاليدها، وفرنسا تشهد على مزيج واختلاط كبيرين بين التقاليد والعادات لاسيما مع دول المغرب العربي، فالفرنسيون يعرفون الكثير من تقاليد المغرب، وما يُروى عن الشفاء وعن الرقية وغيرها، حتى أن المسرح الفرنسي ينقل هذه العادات في لوحات نشاهدها هنا مع فرقة مغربية.

وهكذا يطلق العنان للخيال بأفقه الواسع، فالغرب متأثر – ولا شك – بكل قصص الشرق عن السحر وحكايات وحكايات ملؤها الخيال مثل "ألف ليلة وليلة" وغيرها، وهذا كله واقع جميل بالطبع يريد الإنسان من خلاله أن يشرد بعيداً عن همومه وحياته اليومية فيهجر واقعه الحزين إلى عالمٍ من الحلم والخيال، هنا فرقة دار الأزياء العراقية على مسرح اليونسكو في باريس تترك الجمهور الفرنسي منذهلاً أمام سحر ما تقدمه من عالم مفعم بالجمال والخيال.

والمتعاطون بالفن لهم نظرهم الخاصة لكل ما يتعلق بالتبصير أو التنجيم، فلهذه الظاهرة المتنامية في المجتمعات الغربية ارتباط بالخيال، ولكل ما يمكن لهذا الخيال أن يبدعه.

رندة قسيس (فنانة تشكيلية): بهذا الموضوع إلى نظرة خاصة، أنا صرت كرسامة أنا بأعتبر إنه أي رسام مبدع بينمي خياله، وبتنمية خياله بيكون فيه بتنمو معه حواس أخرى، اللي هي الحاسة السادسة أو بالتنبؤ أو في الشعور بأشياء كثيرة ممكن تيجي، فالحقيقة أنا ما.. ما عالجت إذا هل هي مضبوطة على الحواس إن أنت حقيقية أم وهمية، لأنه هي نابعة جايه من الخيال،وبأستشعر الخيال حتى هو نفسه.

مخاطر التنجيم وغرائبه

ميشيل الكك: ونتيجة لتزايد أعداد المقبلين في الغرب على استشارة المنجمين والعرافين أصبح الدجل ملازماً في أحيان كثيرة لممارسات واستشارات معينة في ضوء ارتفاع تكاليف الاستشارة ووصول السعر تقريباً إلى آلاف الفرانكات الفرنسية، وبما أن التبصير أصبح آفةً -إذا صح القول- مع إقبال بعض السياسيين على الاعتقاد به نجد أن المجتمع الفرنسي ينبه ويحذر من مخاطره، فالسينما الفرنسية مرتبطة إلى حدٍ كبير بتقاليد المجتمع وحياة الفرنسيين، لذلك تناولت السينما ظاهرة التنجيم في فيلم أنتج مؤخراً في باريس وعنوانه "Voyance et Manigance" الذي يحاول إظهار أشكال التدجيل في التنجيم ومختلف أنواع التبصير من خلال أسلوب تهكمي بهدف إبعاد الناس وبعض المسؤولين عن اللجوء إلى التنجيم، وإذا كان محترفو المهنة يقولون إن عملهم هو لمساعدة من يلجأ إليهم ممن يعانون مشكلات نفسية وحياتية، فهناك من يعتقد بأن عمل المبصر قد يتحول إلى نوع من السحر والأذية للآخرين، ولا يُفك السحر إلا بسحر آخر، والقضية تتعقد.

نعيمة فايز: السحر الأسود والسحر الأبيض، طيب السحر الأسود.. الشيطان.. هذا هو الشر بعينه، وهنا في فرنسا أناس يمارسون التبصير بشكل سلبي مما يؤدي إلى شرور وأذية مثل بعض الأفارقة، وعدد آخر من المبصرين من جزر الأنتيل والكاريبي الذين يمارسون طقس الفودو، وأعتقد أنه إذا مارس المبصر هذا السحر الأسود فإن الأمر سيرتد عليه وسيدفع الثمن.

ميشيل الكك: وفي فرنسا تستمد بعض أشكال التنجيم أصولها من تاريخ طويل عمره مئات السنين، فلا يمكننا أن نغلق هذا الملف من دون ذكر المنجم الفرنسي الشهير (نسرا داميوس) الذي عاش في القرن السادس عشر، والذي أدلى بتنبؤات دقيقة إذا صدقت تنجيماته بالنسبة إلى العديد من ملوك فرنسا، وهناك من يحاول في عصرنا هذا أن يطابق تنبؤات (نسرا داميوس) على أحداث ووقائع في تاريخنا الحديث مثل الصراع العربي الإسرائيلي وغيره من النزاعات، وهناك أيضاً من يفسر تنبؤات (نسرا داميوس) كما يحلو له ربما لاعتبارات وأسباب معينة.

رندة قسيس: متنبئ إنه العالم العربي يحتل أوروبا في سنة 2025، هل ممكن العالم العربي يحتل أوروبا والغرب في سنة 2025؟

فيه شيء غير منطقي بالموضوع هايدي كمان فيه كمان شغلة إنه أحياناً بيكون فيه أشخاص ومنظمات وراء هيك أمور، يعني مثل ما بيقولوا إن… قال إن أوروبا ستدمر من العالم من العرب بسنة محدد 2025، مثل هذا التحميل دائماً بيقولوا إنه العرب دائماً يتذكروا إنه العرب عبارة عن ناس متوحشين، وفيه دائماً خطر جاء من جهتهم، ممكن تكون فيه منظمة أخرى هي قاعدة عم تقول إنه تكريه العرب أو ازدياد العنصرية ضد العرب عم بنشوف 2025 جاية إذا بيصدق أم لأ!

ميشيل الكك: وهكذا فإن هناك أغراضاً معينة لبعض عمليات التنجيم، ومن لا يعتقد بهذه الأقاويل يستخف بكل ما يصدر عنها، ويهزأ مما يُقال، وفي الاستطلاعات التي نشرت في فرنسا ذُكر بأن مصمم الأزياء (كاتوربان) الذي تنبأ بسقوط المركبة الفضائية الروسية (مير) على العاصمة الفرنسية باريس وتدمير المدينة حقق أهدافاً كبيرة من وراء تنبؤاته هذه التي لم تصح لحسن الحظ ومنها ارتفاع المبيعات في معارضه وتحقيق أرباح إضافية.

ولو صحت توقعات كاتوربان لما كنا نتكلم من هذه المدينة الجميلة، فكل شيء باقٍ على حاله هنا، وتبقى مسألة التنجيم مسألة قديمة تمر عليها عصور وأجيال، هناك من يعتقد بها، وهناك من لا يعتقد أبداً، خصوصاً وأن هذا الموضوع هو موضوع متشعب للغاية مع كل ما يمكن أن يرتبط بالتنجيم من أعمال أخرى قد لا نجد تفسيراً لها في هذه الحياة المليئة بكل أنواع الأسرار التي لا يمكن سبر أغوارها.

فكما أن قوى الخير موجودة هناك أيضاً قوى الشر من الناحية الفلسفية والدينية، والكون واسع ومليء بالحقائق والأسرار والخزعبلات للمستفيدين، وفي كل الأحوال تدفعنا الفضولية أو الحشرية للتطلع إلى الأفق البعيد البعيد، لكن من دون أن تعرف أبداً ماذا يخفي وراءه، وإذا كانت نظرة البعض إلى الغد تفاؤلية، لأنه يعني المستقبل إلا أن الغد أيضاً يبقى مجهولاً للكثيرين.